أحلامى

أحلم أن أستيقظ يومأ فإذا الشمس تبدد كل ظلام الكون وإذا الحب يهيمن ويدمر أصنام الحقد أحلم أن تبزغ فى لمحة عين كل بذور الأمل المدفون تحت جدار الخوف

الولى والمريد

 (( كم أنا سعيد بزيارة رسول الله عليه الصلاة والسلام والحج إلى الكعبة الشريفة , إنه الأمل الذى راودنى طول العمر حتى تعديت سن الستين ولولا دعوات سيدى الشيخ الولى العارف بالله أبو المعارف لما كتب الله لى الحج ولما رأيت الكعبة الشريفة ولا زرت حبيبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ))

كانت هذه الخواطر تجول فى عقل الشيخ سعيد المسعود وهو فى الباخرة التى اقلعت بهم منذ ليلة أمس متجهة نحو جدة حيث يذهب بعدها لأداء مناسك الحج , ويحقق حلم عمره الذى عاش يراوده حتى تخطى الستين , لقد كانت البهجة والسعادة تغمرانه ويكاد يطير من الفرحة .

أثناء طوافه حول الكعبة رأى الشيخ الولى أبو المعارف يطوف جنباً إلى جنب معه , لم يصدق نفسه , تحرك نحوه فى الزحام الشديد , كاد يسقط ويموت عدة مرات وعينه شاخصة نحو الشيخ الولى , وعقله ذاهل , إذ كيف يترك الرجل فى  بلده وقد سلم عليه وودعه بنفسه ثم يفاجأ به هنا يحج معه ؟؟ إن هذا لشىء عجيب ... سبحان الله العظيم , بركاتك يا مولانا الشيخ أبو المعارف .. هكذا كان يحدث نفسه وهو لا يزال متجهاً نحو الشيخ فى ذهول شديد .. وعندما أوشك على الإقتراب منه والإمساك بيديه لتقبيلها .. لم يجده ووجد شخصاً آخر .. فسقط فى يده ..

وبينما كان يدعو الله على جبل عرفات شاهد الشيخ الولى للمرة الثانية .. ولكن على بعد منه فأسرع نحوه بسرعة فرحاً محاولاً أن يقبل يداه ويحتضنه .. وإذا به يحتضن رجلاً إفريقياً وليس الشيخ الولى .. فرجع أسفاً وقال سبحان الله ألهذه الدرجة تكون كرامات مولاى أبو المعارف ؟؟ صحيح يا ناس أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ..

وهكذا بدلاً من أن يقضى مناسك حجه عابداً لربه الذى خلقه .. قضاها ذاكراً لشيخه الولى وكراماته وظل يحكى هن هذه الكرامة لكل من كان معه وهو مذهول أشد الذهول مما رآه .. فلقد تأكد فعلاً أن الشيخ أبو المعارف هو ولى الله ,ان سره باتع وأن الله اختاره ولياً من أهل الخطوة , .

أمضى سعيد المسعود كل المناسك وجهز نفسه للرحيل , بعد أن صار الحاج سعيد المسعود واشترى هدية قيمة للشيخ أبو المعارف وعندما رجع إلى بلده لم يدخل بيته قبل أن يسلم على الشيخ أبو المعارف فأسرع سعيد نحو الولى  وكان يجلس مع عدد كبير من المريدين والفقراء واصحاب الحاجات فاحتضنه بقوة وراح يقبل يديه بحرارة شديدة , وقص عليه أمام مريديه  ما رآه فى الحج  فنظر إليه الشيخ الولى فى عجب وثقة قائلاً : سعيد يا بنى حذارى من إفشاء السر ودع الملك للمالك .

فرد قائلاً وهو يجهش بالبكاء  : سمعاً وطاعة يا سيدى الولى .

تلاوة القرآن هى تبيانه

كلمة  ( يكتم )  وكلمة ( يخفى )  وكلمة ( يُسِرُ)  كلها مفردات جاءت فى كتاب الله العزيز فى مواضع مختلفة ولكنها تؤدى نفس الغرض وهو إخفاء الحقيقة وكتمانها وعدم إبدائها , وفى مقابل هذه المفردات الثلاثة جاءت ثلاثة مفردات أخرى تحمل عكس معانى تلك المفردات الثلاثة وهى يبين ويبدى ويعلن .. كيف ذلك ؟

يقول الله تعالى عن الكتمان والتبيان :

((إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ {159} إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ {160})) البقرة 159 :160

واضح فى الآية السابقة أن الكتمان ( من الفعل يكتم ) عكس التبيان  ( من الفعل يبين ) .

يقول الله تعالى عن الإخفاء والإعلان :

(( ألَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ )) النمل 25 .

واضح من الآية السابقة أن الإخفاء ( من الفعل يُخفى )  عكس الإعلان ( من الفعل يُعلن ) .

يقول الله تعالى عن الإسرار والإبداء :

((( قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ )) يوسف 77

واضح من الآية السابقة أن الإسرار ( من الفعل يُسِرُ ) عكس الإبداء ( من الفعل يُبدى ) .

ولقد حسم قيوم السماوات والأرض أمر بيان القرآن العظيم فى مجرد تلاوته  وتلاوة القرآن لا تعنى مجرد القراءة بدون فهم أو تدبر أو إستنباط ولكن التلاوة تعنى ذلك كله  أى 

 1-القراءة

2-  والفهم

3-  والتدبر

4- والإستنباط

وهذا هو مفهوم تلاوة القرآن الكريم فكم من قارىء للقرآن لا يفقه منه شيئأ وكم من قارىء لا يفهم إلا النذر اليسير , ولكن التلاوة بمعناها القرآنى الذى فهمته من القرآن معناها أن أقرأ وافهم وأتدبر وأستنبط من القرآن العظيم , ولقد كان الرسول الخاتم عليه الصلاة والسلام قرآناً يمشى على الأرض فكانت الأحكام والشرائع والأخلاق القرآنية تتحرك من قلبه إلى شفتيه مباشرة بمجرد أن يسأله أحد سؤالاً أو يعرض عليه موقف معين  فكان عليه السلام ينطق بالحق القرآنى فى المسائل التى نزل فيها قرآن , أما المسائل التى لم يكن لها حكم مسبق فى القرآن فكان عليه السلام ينتظر وحى الله له وكلنا يعلم الآيات الكثيرة التى تبدأ ب ( ويسألونك ) ثم ( قل ) كما حدث مع المحيض واليتامى وذى القرنين والأهلة وغير ذلك  ,  أما علماء الأمة منذ بعثة النبى وإلى اليوم فمن المفترض أن يكون منهم  طائفة متخصصة فى إستنباط الحقائق والشرائع والخلق الكريم من بين سطور القرآن العظيم معتمدين فى ذلك على اللفظ القرآنى فحسب فى فهم واستنباط ما يحتاجون له , من غير يطوعوا آيات القرآن لقواميس خارجية أو عوامل بيئية أو أحداث تاريخية أو أمراض إجتماعية ,  وعن ذلك يقول المولى تعالى  :

 (( َإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً )) النساء 83

فالرسول الكريم هنا لا يحتاج لعلماء أو ائمة يستنبطون له الأحكام والشرائع القرآنية لأنه كما قلنا قرآن يمشى على الأرض فلا يتكلم إلا بحق وصدق وعدل , أما بعد انتقاله عليه السلام للرفيق الأعلى فإن الأمة تحتاج لطائفة من المفكرين والعلماء والفقهاء المخلصين الذين يجب أن يتخصصوا فى تلاوة القرآن أى قراءته وفهمه وتدبره والإستنباط من آياته الكريمة .

وعن تلاوة القرآن على الناس يقول الله  تعالى :

((وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ {50} أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ {51})) العنكبوت 50 , 51

فى الآية السابقة يطلب الكفار أن تكون للرسول الخاتم آية حسية حتى يؤمنوا به وبرسالته فيرد الله عليهم بأن عنده من الآيات الكثير ولكنه سبحانه يكتفى بتلاوة القرآن العظيم لأن فيه ذكرى ورحمة لقوم يؤمنون . ولكنهم يرفضون القرآن الكريم ويبحثون عن آية حسية ملموسة  مثل آيات موسى وعيسى وسليمان وغيرهم  من رسل الله وأنبيائه , لأنهم فى  الحقيقة يراوغون ولا يؤمنون حتى لو جاءتهم الآية الحسية .

ثم يؤكد المولى تعالى على أن الرسول إنما بعث ليتلو على الناس هذا الكتاب المعجز الذى لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً , ومع إعجازه هذا فإنه ميسر للذكر والتلاوة والفهم واستنباط الأحكام والتشريعات والمبادىء والقيم الكريمة من بين آياته

 ( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر ) ,

 ( أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ) ,

ولذلك يؤكد الله تعالى على أن تبيان القرآن هو إظهاره أى تلاوته  وكتابته وترجمته بشكل صحيح وطباعته ونشره وتوزيعه فى أنحاء الكرة الأرضية ليعرفه كل البشر ويفهموه فيؤمن به من يؤمن ويكفر به يكفر . وفيما يلى سنذكر عدداً من آيات الله الكريمات التى تؤكد أن تبيين القرآن هو تلاوته :

1- : الرسول يبين القرآن بتلاوته وليس بتفسيره :-

يقول تعالى :-

(( أو لم يكفهم أنا انزلنا عليك الكتاب يُتلى عليهم إن فى ذلك لرحمةً وذكرى لقومٍ يؤمنون )) العنكبوت 51

 

ويقول سبحانه :-

(( قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عُمراً من قبله أفلا تعقلون )) يونس 16

(( قل تعالوا أتلُ ما حرم ربكم عليكم .....))    الأنعام 151

 

(( ويسألونك عن ذى القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكراً )) الكهف 83

ويقول سبحانه وتعالى :-

(( إنما أًُمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذى حرمها وله كُل شىء وأُمرت أن أكون من المسلمين وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل  فقل إنما أنا من المنذرين ))

                            النمل 91 ، 92

ويقول الله  سبحانه وتعالى :-

(( كذلك أرسلناك فى أمة ٍ قد خلت من قبلها أمم لتتلوا عليهمُ الذى أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربى لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه مئاب ))    الرعد 30

ويقول سبحانه وتعالى على لسان إبراهيم وإسماعيل (ص) :

(( ربنا وا بعث فيهم رسولا ً منهم يتلو عليهم آياتك ويُعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلال ٍ مُبين )) الجمعة 2

(( وما كان ربُك مُهلك القرى حتى يبعث فى أمها رسولاً يتلوا عليهم آياتنا وما كنا مُهلكى القُرى إلا وأهلها ظالمون )) القصص 59

ويقول سبحانه وتعالى فى سورة الطلاق آية 10 ، 11

 

(( أعد الله لهم عذاباً شديداً فاتقوا الله يا أولى الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله اليكم ذكراً رسولاً يتلوا عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً يُدخله جناتِ تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ابداً قد أحسن  الله له رزقاً ))

الطلاق 10 ، 11

 

يعتقد الكثيرون  أن الله سبحانه وتعالى عندما أنزل الآية القرآنية الكريمة على رسوله الخاتم عليه الصلاة والسلام (( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم )) فإن الله سبحانه وتعالى قد أذن للرسول (ص) أن يفسر القرآن للمسلمين وذلك لكى يجدوا سبباً مقنعاً لوجود تلك الآلاف من الآحاديث التى كتبت عن الرسول الخاتم (ص) بعد وفاته بقرنين من الزمان .

وهم بإعتقادهم هذا قد ذهبوا  بعيداً عن المفاهيم القرآنية التى أكدت فى كل سور القرآن الكريم على الحقائق التالية :-

أولاً : الرسول الخاتم وكل رسول سبقه   بشر مثلنا يوحى إليهم

ثانياً : مهمة  الرسول الخاتم هى تبليغ القرآن الكريم للناس كافة (يا أيها النبى بلغ ما أوحى إليك من ربك وإن لم تفعل ما بلغت رسالته ) , ( ما على الرسول إلا البلاغ المبين ) .

ثالثاً : القرآن الكريم كامل وتام ولا يحتاج لشىء  يكمله , كما أنه واضح ويفسر بعضه بعضاً ولا يحتاج لأحد من البشر لكى  يفسره  ( ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً ) ,  كما أنه مفصل تفصيلاً دقيقاً ( فصلناه على علم هدى ورحمة وبشرى ) ,  ولم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ( ما فرطنا فى الكتاب من شىء ) .

ومن آيات القرآن يستطيع المتدبرون فى كلماته  أن يستنبطوا الأحكام والتشريعات وقيم العدل والمساواة والمثل العليا بكل أنواعها (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً) النساء 83 . ومن الآية السابقة نفهم أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يستنبط كل شىء من آيات القرآن الكريم , وأن أولى أمر المسلمين من المفكرين والعلماء وفقهاء القرآن  مطلوب منهم إستنباط الأحكام والتشريعات والقيم والمثل من آيات القرآن العظيم .

رابعاً : ليس من حق أى رسول منذ آدم و حواء وإلى محمد عليهم جميعاً الصلاة والسلام – أن يأتوا بكتب أو أقاويل أو أحاديث  أو آيات لكى تضاف إلى وحى الله  تعالى إليهم بدعوى إكماله أو تفسيره أو توضيحه (ولقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ )) الرعد 38

ومن الدراسة الإستنباطية لكلمة (( يُبين )) من آيات القرآن الكريم يتضح عكس ما يعتقدونه تماماً من أنها تُعنى يُفسر وسنجد من هذه الدراسة – بعون الله تعالى – أن الكلمة تعنى يعلن ويبدى وهما  عكس الإخفاء والكتمان  والمطلوب من الرسول الخاتم عليه الصلاة والسلام وأتباعه إلى يوم القيامة إظهار الآيات القرآنية للعالمين وعدم إخفائها عن أحدٍ كما فعلت الأمم السابقة  فقاموا بإخفاء الكثير من وحى الله فى كتبه  السماوية  التى سبقت القرآن الكريم (( التوراة والإنجيل )) وحرفوا الكتب السماوية عن مواضعها ولم يبينوها للناس يقول تعالى :-

(( يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يُبين لكم كثيراً مما كنتم تُخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين )) المائدة 15 .

ونحن نثبت فى بحثنا هنا أن كلمة (( يبين )) معناها يظهر بالتلاوة أى أن تلاوة  الرسول ( ص) للقرآن هى بيانه وذلك لأن الله تعالى أنزله قرآناً عربياً غير ذى عوج , وجعله ميسراً للذكر والتلاوة والتدبر والفهم والتعمق فى آياته الكريمات .وسنعرض فيما يلى جميع الآيات القرآنية التى ذكرت فيها كلمة (( يبين )) وعرضنا فى بداية البحث الآيات الكريمة  التى  ذكرت فيها كلمة (( يتلو)) ونعقد مقارنة بينهما لنصل فى نهاية البحث أن كلمة (( يبين )) معناها يظهر  ( بالتلاوة)  أى يتلوه على الناس وأن هذه هى قمة التبيان لكتاب الله تعالى .

 

أولاً : - تبيين الشىء هو إظهاره حتى يصير محسوساً ومرأياً رأى العين :-

·  آذر أبو نبى الله ورسوله إبراهيم (ص)  كان مشركاً يعبد الأصنام وحدثت مناقشات طويلة بين إبراهيم وأبيه إنتهت بقول أبيه له :

 آذر  :    (( أراغب أنت عن آلهتى يا إبراهيم لئن لم تنته      لأرجمنك واهجرنى ملياً )) مريم 46 .

قال له نبى الله ورسوله إبراهيم :

 نبى الله إبراهيم :   (( سلام عليك سأستغفر لك ربى إنه كان بى حفياً , وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربى عسى ألا أكون بدعاء ربى شقياً )) مريم 47 , 48 .

وكان إبراهيم عليه الصلاة والسلام يتمنى لأبيه الهداية والرشاد وكان يعتقد أنه سيتأثر بدعوته ويترك الصنم ويعبد الله الواحد الأحد , ولكن الأيام أثبتت وأكدت و(( بينت ))  له أن اباه عدو لله وعندئذ تبرأ منه يقول تعالى :

(( وما كان إستغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم )) التوبة 114 .

وعلى المؤمن المتدبر أن يلاحظ قوله تعالى (( تبيّن )) وكيف أن هذا التبيُّن قد حدث بعد المناقشة والمجادلة والرؤية الصادقة التى جعلت إبراهيم يتأكد من فساد عقيدة أبيه وعدم جدوى الدعوة معه

 

*  قوم عاد وثمود من الأقوام السالفة أرسل الله فيهما نبيين صالحين هما نبى الله ورسوله هود إلى عاد ,    ونبى الله ورسوله صالح إلى ثمود , دعوا قومهما إلى عبادة الله الواحد ولكنهم أبوا , واصروا على الكفر فدمرهم الله تعالى وترك التدمير آثاره المروعة على مساكنهم  ,      ومن يذهب لرؤية تلك المساكن المهدومة المهجورة ( فى زمانها )  يشعر بمدى الدمار والجبروت الإلهى الذى حل بهم      ,     ويتبيّن الآية الإلهية  فى هذين القومين الذين رفضوا الإنصياع للحق وعاشوا على الكفر حتى نسفهم الله تعالى نسفاً يقول تعالى :-

 (( كذبت ثمود وعاد بالقارعة , فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية , وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية , سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية , فهل ترى لهم من باقية )) الحاقة 4 : 8 .

ويقول تعالى :

(( وعاداً وثمودا وقد تبيّن لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين )) العنكبوت 38 .

وعلى المؤمن المتدبر أن يمعن فى قوله تعالى

(( تبيَّن لكم من مساكنهم )) حيث (( يظهر )) في هذه المساكن القديمة آثار الدمار الرهيبة التى تبعث على القشعريرة والخشوع لله الواحد القهار .

·  نبى الله ورسوله سليمان (ص)  سخر الله تعالى له الريح والجن فلما مات سليمان كان متكئاً برأسه على العصاة وراحت ديدان وحشرات الأرض تأكل العصاة من أسفلها حتى أثرت فيها فانزلقت فسقط سليمان أمام الجن المسخر الذين اكتشفوا أنهم لو كانوا يعلمون الغيب لعلموا أن سليمان مات ولكانوا أراحوا أنفسهم من عناء وعذاب العمل والسخرة , يقول تعال

 

 (( ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر , ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير , يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داوود شكراً وقليل من عبادى الشكور , فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خرّ تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا فى العذاب المهين )) سبأ 12 : 14 .

وعلى المؤمن المتدبر أن يعلم أن الجن تبينت  أى تأكدت بالبرهان العملى الذى وضح أمام عيونهم   أنها لا تعلم الغيب بعد أن ظهرت أمامهم  الآية واضحة جلية وهى بقاء سليمان ميتاً فترة طويلة دون علم الجن واضعاً رأسه على عصاته  , ولولا أن حشرات الأرض أكلت الطرف السفلى لعصا سليمان مما جعله يخر أمامهم ميتاً ما علمت الجن بموته ولظلوا فى المهمة الشاقة المكلفين بها .

 

·  والصائمون فى رمضان يأمرهم الله تعالى بالإستمرار فى تناول الأكل والشرب لمن يرغب حتى يتبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر وذلك هو الحد الفاصل بين الليل والنهار يقول تعالى :

 (( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل )) البقرة 187 وعلى المتدبر أن يلحظ هنا كلمة يتبين التى تعنى يظهر لأن الصائمين سوف يرون الفرق جلياً ظاهراً بين الخيطين الأبيض والأسود أمام عيونهم فيفرقون به بين الليل والنهار .

 

يقول الله تعالى :

 (( سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق )) فصلت 53

ومعلوم أن الآيات الموجودة فى الآفاق آيات كونية ظاهرة جلية واضحة  أمام العيون وليست خافية  إلا ما كان منها يحتاج لعلم وبحث وتقص وسير فى الأرض وبحوث فى طبقات الأرض المختلفة فهذا يظل خافياً حتى يظهره العلم ويتعرف عليه الإنسان , فالمؤمن المتدبر سوف ييقن من قلبه أن كلمة يتبين تعنى يظهر حيث يظهر لهم أنه الحق من خلا ل رؤيتهم ومشاهداتهم لتلك الآيات فى الآفاق وفى أنفسهم , وكما بينا سابقاً فهناك آيات كونية ظاهرة وواضحة للجميع  , وهناك آيات فى الكون والجسم البشرى والنفس البشرية لا يراها إلا العلماء والباحثون والمدققون والسائرون فى الأرض لينظروا كيف بدأ الله الخلق .

*  يقول الله تعالى :

 (( ياأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين )) الحجرات 6

والمؤمن المتدبر يرى أن قوله تعالى فتبينوا يراد به البحث والتقصى من أجل معرفة حقيقة الأمر واستظهار الحق , وتفريقه عن الباطل .

 

ثانيا : 

كلمة يبين تعنى يظهر وهى عكس يخفى والإظهار يكون بالتلاوة .

يقول الله تعالى : ((    إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ {159} إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ {160})) البقرة 159 . 160 .

فعلى المؤمن المتدبر الباحث عن الحق فى كتاب الله وحده بلا شريك ولا منازع أن يعلم أن كلمة يكتم عكس كلمة يبين لأن الله تعالى قد لعن الذين يكتمون البينات التى جاءت واضحة فى كتابه العزيز وأنه سبحانه قد بينها فى الكتاب وأظهرها جلية وعلى ذلك فقد استحقوا لعنة الله ولعنة اللاعنين إلا الذين تابوا وأصلحوا و(( بينوا )) يتوب الله عليهم .

ولو كانت كلمة (( يبين )) معناها يفسر كما يقول البعض لحدث تناقض  , ففى الآيتين السابقتين يقول المولى سبحانه عن ذاته (( من بعد ما بيناه للناس )) وفى الآية التالية يقول سبحانه (( إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا )) فكيف يؤكد المولى أنه فسر القرآن فى الكتاب ثم يطلب من التائبين تفسير القرآن ؟؟ لو كانت كلمة يبين معناها يفسر كما يقول البعض ؟  أعتقد أن ذلك  بعيد عن المنطق  لأن معنى الكلمة واضح ولا يحتاج للجدال والعنت وهو (( الإظهار )) و (عدم الكتمان )  وذلك بتلاوة الكتاب الذى أنزله الله لهداية البشر  لأن من صفات الأمم السالفة كأهل الكتاب  إخفاء وكتمان الحق عن الناس وعدم تبيانه  وإظهاره وتلاوته أمامهم كما أنزله الله تعالى .

ويقول تعالى : (( وما ارسلنا من قبلك إل رجالاً نوحى إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون , بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون )) النحل 43 , 44 .

فى الآية الكريمة السابقة نقول :

إختلف المجتهدون أشد الإختلاف فى تفسير معنى كلمة( لتبين ) فذهب بعضهم إلى القول بأن معناها بيان الرسول للقرآن بأسلوب أكثر فهمأ  ويسرا وبذلك

فقد إعتبروا أن جميع الأحاديث الموجودة فى صحيح البخارى ومسلم (الشيخان) هما ذلك التفسير والبيان والتوضيح لآى الذكر الحكيم ( القرآن الكريم) وذهب البعض الآخر إلى تفسير كلمة ( لتبين ) أن معناها لتريهم من القرآن ما يفسر بعضه بعضأ ولا يحتاج لمفسر له بسبب يسره وسهولة فهمه وأن هذا البيان معناه أن الرسول الخاتم سوف يؤكد لأهل الإنجيل والتوراة أن ما أنزل إليهم من ربهم كان حقا وصدقا وعدلأ مثلما أن القرآن حق وصدق وعدل بدليل ان القرآن جاء مصدقا لما بين يديه من كتب سماويه وأمر كل مسلم أن يؤمن بالكتب السماوية السابقة والرسل والانبياء السابقين نفس إيمانه بخاتمهم (عليهم جميعأ السلام) دون أن نفرق بين أحد منهم0

وأود أن أطرح سؤالأ للفريق الأول الذى يعتبر أن كلمة (لتبين) معناها لتفسر  وهذا السؤال هو :-

لو كان معناها هكذا ألا يعتبر ذلك أمرأ وتكليفا من الله لرسوله الخاتم(ص) أن يفسر القرآن للناس ؟

الجواب نعم

وبناءا عليه كان الرسول سيسارع بتفسير القرآن فى كتاب محفوظ ومكتوب بنفس الطريقة والأهمية التى كتب وحفظ بها القرآن أليس كذلك ؟

وكان لا بد أن نرث هذا التفسير لأنه أعظم تفسير للقرآن فى الوجود فهو –عندئذ—تفسير خاتم الأنبياء والمرسلين الذى يأتيه وحى السماء ولا يمكن أن ينطق عن الهوى .

وكان لا بد أن يكون هذا التفسير مسلسلأ من أول سورة الفاتحة مرورأ بسورة البقرة ثم آل عمران ثم النساء وهكذا حتى سورة الناس أو يتم التفسير حسب ترتيب نزول السور الكريمة على رسول الله (ص) ومما لا شك فيه ان هذا التفسير سيكون كاملأ شاملأ ولن يخرج البتة عن نطاق الآيات الكريمة التى يفسرها الرسول فمثلا كان النبى سيبدا بسورة الفاتحة من البسملة ثم الحمد لله رب العالمين ثم الرحمن الرحيم ثم مالك يوم الدين وهكذا حتى النهاية ثم يبدأ النبى بعد ذلك بتفسير سورة البقرة من ( ألم ) ثم ( ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين)   وهكذا حتى نهاية السورة الكريمة ثم يطبق الرسول نفس القاعدة ونفس المنهج لتفسير باقى سور القرآن العظيم

وهنا سيكون بين أيدينا  تفسير للقرأن قام به أعظم وأشرف خلق الله وهو الرسول الخاتم الذى لا ينطق عن الهوى ,   فأين إذأ هذا الكتاب ؟   الذى لو كان موجودأ لحل لنا ملايين المشاكل التى نشأت من الرواة والأحاديث وجمع الأحاديث بعد إنتقال النبى لمولاه سبحانه بقراية قرنين من الزمان مما أتاح الفرصة للقيل والقال وأعطى أعداء الدين الفرصة الكاملة ليضيفوا للدين ما ليس فيه عن طريق الكثير من الأحاديث الموضوعة  والتى  تثبت كل البحوث وتؤكد أن هناك الكثير من الأحاديث وضعت  للكيد للإسلام وأن فيها  ما هو إسرائلى وضعه اليهود ضد مصالح الإسلام والمسلمين كما ثبت وجود أحاديث ضعيفة وأحاديث لا ثقة فيمن رواها مما تسبب فى وجود علم الجرح والتعديل .

لو كانت كلمة ( لتبين ) معناها لتفسر لسارع خاتم الأنبياء والرسل (ص)  يالتنفيذ لأنه أمر مالك الملك   ,  ولكان هذا الكتاب بين أيدينا بنفس قدسية وحرمة القرآن لأن الله هو الذى كان سيفسره للنبى بأسلوب مبسط عن طريق الوحى وياليت هذا التفسير بيننا وكان سيوفر علينا عناء الإختلاف والخلاف الذى قد يصل أحيانأ إلى إتهام البعض للبعض الآخر بالكفر والخروج عن الدين والعياذ بالله تعالى

ولكن من رحمة العلى القدير أن القرآن سهل الفهم

( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر)

 وفيه كل شىء يهم دين الفرد وخلقه وسلوكياته مع الله ومع الآخرين

( ما فرطنا فى الكتاب من شىء)

 ثم إنه فعلأ يفسر بعضه بعضأ

( ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا)

 ثم أنه مفصل

( كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم عليم )

 وهو محصن ضد الوضع والتلفيق

( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه)

وبالنسبة للفريق الأول هل الأحاديث الموجودة فى الصحاح هى تفسير حقيقى ومرتب لآيات القرآن الكريم بما يحقق المعنى الذى ذهبتم إليه عن كلمة   ( لتبين )  وإذا راجعنا الصحاح هل نجد تفسيراً للقرآن العظيم كتبه الرسول ووثقه ونقله عنه الصادقون الأتقياء من الصحابة الذين حملوا لواء الدعوة إلى الله بالحسنى بعد وفاة الرسول الخاتم؟

كنت أتمنى من قلبى أن كلمة ( لتبين) معناها لتفسر وعندئذ كنت سأمتلك كتابأ عظيما لتفسير كلام الله تعالى بيد رسوله الكريم فأين هذا الكتاب الرائع الذى كان سيحسم كل الخلافات وينهى كل المجادلات والمشاحنات ؟

 

مما سبق من دراسة أستطيع أن اعلن نتيجة هذا الإجتهاد على النحو التالى :

1-   تلاوة القرآن معناها قراءته وفهمه وتدبره واستنباط الأحكام والخلق والشرائع من آياته الكريمة .

2-   كلمة (( يبين )) عكس كلمة ((يكتم))   , وكلمة (( يعلن )) عكس كلمة (( يسر )) , وكلمة (( يخفى )) عكس كلمة (( يبدى )).

3-   كلمة (( يبين )) معناها يظهر ويكون الإظهار بالتلاوة على نفس نسق كلمة التلاوة كما بينا فى بند 1

4-   الرسول الخاتم عليه الصلاة والسلام كان قرآناً يمشى على الأرض يتكلم بوحى السماء فيما يخص بلاغ رسالة الله تعالى وتلاوتها واستباط الأحكام من آياتها الكريمة .

5-   المطلوب من المفكرين والعلماء فى كل مكان وزمان  تلاوة القرآن بمعنى قراءته وفهمه وتدبر آياته واستنباط الأحكام والشرائع والخلق والقيم من بين آياته الكريمة .

6-   الأحاديث التى رويت عن الرسول الخاتم ( ص) بعد قرنين من وفاته لا تفسر القرآن الكريم .

كل ما نكتبه هو بحث وتقصى لإستنباط المعانى من كتاب الله تعالى وهو اجتهاد بشرى ليس إلا وعندما نجد برهاناً يكون أقرب للصواب مما كتبنا ومن خلال القرآن الكريم فليس لنا غير التسليم والطاعة لله ورسوله وكتابه .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

جنون

نظر إلى بعينيه الحمراوين المتورمتين من كثرة معاناته مع الحبل الذى التف حول جسمه فى عنف ثم سألنى : هل أنت طبيب ؟؟  وقد ارتمى على الأرض ووصل التراب إلى فمه وأنفه , فجريت مسرعأ نحوه متسائلأ :

كيف تفعلون به ذلك أيها المجرمون ؟

 فردنى رجلان بأيديهما قائلين :

مالكش دعوة خليك بعيد ..

 قلت لهم إننى أعرف هذا الإنسان إنه موظف فى المكان الفلانى وله أصدقاء كثيرون يحبهم ويحبونه .. واقتربت منه قليلأ وقلت له : مابك يا أخى فقال ضاحكأ بهيستريا :

هل أنت طبيب ؟ فقلت له : نعم ولكننى طبيب باطنى .. ثم سألته : ماذا بك ؟ ولماذا يربطونك بهذا الحبل ؟

فقال  : مش عارف بس أنا مبسوط كده !!!

وبعد دقائق حملوه فى سيارة أجرة وذهبوا به إلى مستشفى الأمراض العقلية . ونظرت له وكان يصرخ وهم يحملونه فيما بينهم وكان وجهه شديد الإحمرار وتوجد تسلخات كبيرة فى ساقيه ولا يرتدى سوى ملابسه الداخليه .. وقبل أن تتحرك السيارة سألت أخيه : بالله عليك ماذا حدث ؟

 فقال : لقد أنقذنا أطفالنا وهو يحبسهم جميعأ فى غرفة واحدة ويجهز الغاز ليشعل فيهم النار .. ثم جرى أمامنا وكاد يلقى بنفسه من البلكون لولا لحقناه على آخر لحظة ..

 فقلت : لقد كان شخصاً طبيعيأ حتى وقت قريب !!

سقطت من عينى دموع كثيرة فأنا أعرفه منذ كان طالبأ يكافح ويتفوق فى دراسته حتى دخل كلية الهندسة ولكنه لم يجد فرصته فعينوه فنيأ فى إحدى الإدارات الصحية بمرتب لا يكفى ثلاثة ايام فى الشهر لدرجة أنه قد تخطى الأربعين دون زواج .. قلت لنفسى : وهل هذه أسباب كافية للجنون ؟ الأمر خطير جدأ بهذه الطريقة فماذا سيحدث لباقى الشباب ؟ هل سيصيبهم الجنون ؟
لقد كان ذكيأ جدأ وكانت له قصة حب جميلة عرفها القاصى والدانى .. حب عفيف وكان يكتب شعرأ وزجلأ فى حبيبته يقرؤه لنا كله تكريم لها وهيام بها وكأنه طائر يحلق بجناحيه فى سماء المحبة ..

ماذا دهاه ؟ وما الذى قضى عليه ؟

بعد أربعة أشهر من ذلك الموقف المحزن  كنت أمر أمام بيتهم فى إحدى الحوارى فرأيته يجلس على كرسى متحرك ولا يرتدى سوى ملابس داخليه فهممت نحوه ومددت له يدى بالسلام فضحك بشكل هستيرى فتخيلت أنه لم يزل مجنوناً .. ولكننى عندما اقتربت منه أكثر وجدت ساقيه مبتورتين .. فكدت أسقط مغشياً على ّ وسألت من معه فى الفرندة :

 ماهذا ؟ ماذا حدث ؟

 فقالوا لقد تمكن من الهرب من مستشفى الأمراض العقلية وكان يجرى مسرعأ فدهمته سيارة سريعة وتسببت له فى بتر ساقيه .. كدت أموت من هول ما رأيت وجففت عرقى وتركتهم دون أن أعرف إن كنت ألقيت عليهم سلامأ أم لا ... لعنت الدنيا وقرفت من كل شىء فيها .. لقد كان هذا الشاب مثل وردة البستان المتفتحة .. ما الذى حطمه ؟ وأين آماله وأحلامه ؟؟

بالأمس فقط كنت أمر أمام منزلهم فرأيت صيواناً للعزاء .. فأسرعت لأسأل عن إسم المتوفى فكان هو .. نعم لقد مات .. مات

 

إسرائيل هو يعقوب عليه السلام

*   القرآن هو كلام الله المحكم المفصل البين الميسر الذى لا يأتيه الباطل من يديه ولا من خلفه فهو تنزيل الله العزيز الحميد ,  

*   والقصص القرآنى جزء عظيم لا يتجزأ من كتاب الله العزيز , ولأن القصص القرآنى هو تاريخ كتبه الله فى القرآن فهو القصص الحق وبكل دقة وبكل تفصيل ,  فهو ليس كالتاريخ الذى يكتبه المؤرخون وقد تلعب الأهواء فيه كل ملعب وتتداخل فيه المصالح وتذهب كل مذهب , ولكنه – القصص القرآنى – هو القصص أى التاريخ الحق بكل حذافيره صغيرأ كان أو كبيراً .

*   يقص علينا قيوم السماوات والأرض قصة نبى الله يعقوب وهو حفيد أبى الأنبياء إبراهيم الذى كرمه الله بأن جعله خليله وأراه ملكوت السماوات والأرض وأراه كيف يحيى الموتى وجعل فى ذريته النبوة والكتاب , فكان من ذريته يعقوب أو إسرائيل باللغة العبرية  لأنه إبن إسحق ابن إبراهيم  وفى هذا يقول القصص القرآنى  عن زوج  نبى الله إبراهيم حين بشرها الملائكة بأنها ستحمل وتلد إسحق ثم ينجب إسحق حفيدهم يعقوب عليهم السلام :

)) و َامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ )) هود 71

ولأن يوسف هو ابن يعقوب بن اسحق بن إبراهيم ( ص) تجد القصص القرآنى يقول على لسان يعقوب بعد أن روى له ابنه يوسف قصة الرؤيا التى رأى فيها أحد عشر كوكباً والشمس والقمر له ساجدين فقال له أبوه يعقوب :

((وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ )) يوسف 6

*   وعندما كان يعقوب يحتضر للوفاة أحضر أولاده الإثنى عشر ووجه لهم هذا السؤال :

((أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ )) البقرة 133

* يقول الله تعالى عن نبيه ورسوله وخليله إبراهيم وعن ذريته :

((وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ {84}وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ {85 الأنعام 84 : 85

الآيتان  الكريمتان  السابقتان من سورة الأنعام تتحدثان عن نبى الله ورسوله إبراهيم و نفهم منهما أن موسى وهارون وسليمان وداوود وأيوب ويحيى وعيسى وإلياس  هم أنبياء من ذرية إبراهيم عليه السلام وهم أنبياء بنى إسرائيل لأنهم أحفاد يعقوب أو إسرائيل  ابن إسحق ابن إبراهيم عليهم جميعأ الصلاة والسلام .

 

 

*   وقصة يوسف وإخوته يعرفها الجميع منذ أن حقدوا عليه لا لشىء إلا لأن اباهم ( يعقوب )   يحب الصغيرين يوسف وأخيه أكثر منهم من وجهة نظرهم حيث قالوا :

((إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ )) يوسف 8

وقرروا شيئأ خطيراً للتخلص من يوسف :

(( أقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ )) يوسف 9

*    ونفذوا قرارهم وألقوا به فى بئر على طريق القوافل حتى يتم التخلص منه سلمياً بلا قتل وتحقق لهم ما ارادوه فأخذته إحدى القوافل السيارة وباعوه ليستقر فى بيت عزيز مصر :

((وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلاَمٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ )) يوسف 19

((  َشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ )) يوسف 20

((  وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ )) يوسف 21

*      وهكذا مكّن الله لنبيه يوسف فى الأرض وليعلمه من تأويل الأحاديث

وقصة يوسف وامرأة العزيز معروفة أيضأ وكانت نهايتها هو الحكم بسجن يوسف ظلماً طبعأ حيث لبث فى السجن بضع سنين , وفى السجن قابل الرجلين المسجونين ومن خلال عشرتهما معه عرفا  أنه صديق نبى حيث كان ينبؤهم بما سيأكلونه فى السجن قبل أن يأتيهما  :

((ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ )) يوسف 28

((  وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ )) يوسف 36

ولم يتأخر يوسف النبى عن تأويل رؤاهم فقال لهم :

((يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ {41})) يوسف 39

 *    ثم لم ينسى يوسف أن يوصى الرجل الذى سيعمل ساقياً للملك خمراً فقال له ( اذكرنى عند ربك ) أى طلب يوسف من الرجل أن يحكى قصته للملك عسى أن يكون هناك مخرج له من السجن وإظهار براءته من تهمة التحرش بامرأة العزيز ولقد كان له ما اراد ولكن بعد فترة نسيان انتابت الرجل الذى لم يتذكر يوسف إلا بعد أن رأى الملك رؤيا عجزوا جميعاً عن تفسيرها له فكان من زميل يوسف سابقاً فى السجن أن تذكر يوسف الصديق -بتشديد الدال-  فقال للملك ( أنا آتيكم به فأرسلون ) أى سوف أحضر لكم من يفسر هذه الرؤيا العويصة ثم ذهب ليوسف فى سجنه فقص عليه رؤيا الملك وطلب منه تفسيرها ففعل وعاد الرجل إلى القوم فرحان جذلاً بما لديه من معلومات , أعجب الملك بيوسف فطلب تقريبه منه ولكن يوسف اشترط ظهور براءته من تهمة التحرش بامرأة العزيز   أمام الجميع فكان له ما أراد وأعزه الله تعالى وآتاه الملك وصار وزيراً على خزائن الأرض أى ارض مصر ومكن الله ليوسف فى الأرض ,

 *   جاء إخوة يوسف العشرة الكبار ليستبدلوا ما معهم من بضاعة وغزل و منسوجات اشتهرت بهم بلاد الشام بقمح وشعير وأرز وغيره من خيرات مصر , وعندما دخلوا على عزيز مصر ( يوسف ) عرفهم وتأكد أنهم أخوته ولكنهم لم يتعرفوا عليه , ووضع خطة بحيث يستطيع بها أن يستقدم أهله أجمعين من البدو إلى مصر بلاد الحضارة والتقدم والرفاهية فى ذلك الزمان , فطلب منهم إحضار أخيهم الصغير من أبيهم وإلا فلا كيل لهم عنده فعادوا إلى أبيهم وقصوا عليه قصة هذا العزيز فبدأ يعقوب النبى يستيقن أن إحساسه لم يخب فى أن يوسف لا يزال حيأ ووافق على إرسال أخيهم الاصغر معه , وكان ماكان من وضع السقاية فى رحله ثم أذن مؤذن ايتها العير إنكم لسارقون , قالوا واقبلوا عليهم ماذا تفقدون ؟؟  قالوا نفقد صواع الملك أى السقاية ولمن جاء به حمل بعير أى هدية حمل جمل من الحبوب لمن يحضر لهم صواع الملك , وبدأ يوسف بتفتيش الرحال وبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه كنوع من التمويه واستخدام الذكاء حتى لا يشكوا فى أن مسألة إختفاء  الصواع مدبرة من قبل يوسف نفسه , ثم أخرج الصواع ( السقاية ) من رحل أخيه الصغير , وتم تنفيذ القانون المصرى عليه وهو أن يؤخذ مقابل ما سرقه , وهى شريعة غريبة كانت تطبق حينئذ فى تلك العصور الغابرة وهى أن يستعبد الإنسان مقابل ما سرق , ولكن يوسف له غرض أكبر من ذلك بكثير وهو إستقدام أبيه وأمه وإخوته وأهله أجمعين .

*    تحقق الحلم ( أو رؤية يوسف حين كان طفلأ ) وجاء يعقوب وأبناؤه العشرة وانضموا فى مصر ليوسف وأخيه وعاشوا فيها وأخذوا حظهم من العيش والرفاهية والحرية الدينية وحرية الدعوة إلى الله تعالى دون مكائد أو مشاكل أو تنغيص ,  وبفضل يوسف فى مصر صارت لأبناء يعقوب كلمة ووجود عظيم , مما أثار حفيظة أهل البلد عليهم طوال فترة وجود يوسف ولعدة قرون أخرى حتى تخلصت مصر من إحتلال الهكسوس الذى كان يسيطر على مصر فى فترة وجود يوسف بها ,

 *    قبل قدوم يوسف وابيه وإخوته على مصر لم يكن هناك فى مصر ما يعرف ببنى إسرائيل ولكن بعد قدومهم واستيطانهم لمصر عرفوا ببنى إسرائيل أو ابناء يعقوب . ولما طرد الهكسوس من مصر وحكم مصر ملوكأ من أهلها تم اضطهاد ذرية يعقوب أو بنى إسرائيل , وصارت عادة فى هؤلاء الملوك أنهم يستعبدون بنى إسرائيل ويذيقونهم سوء العذاب , ويسخرونهم فى أشق المهن وأصعبها , ووصل بهؤلاء الملوك الأمر إلى تقتيل أبناء بنى إسرائيل واستحياء نسائهم , فأرسل الله نبيه موسى ليخلصهم من هذا العذاب المهين , وقصة موسى وفرعون معروفة , ويطول شرحها وكان من أهم ما قاله موسى للفرعون الكافر :

((فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى )) طه 47

*    ولما أغرق الله فرعون وجنوده فى اليم عندما خرجوا لقتل موسى ومن معه من بنى إسرائيل ونجح موسى بفضل الله ونصره وخرج ببنى إسرائيل هارباً من مصر من بطش وظلم الفرعون ثم مع مرور الزمن نسى بنو إسرائيل نعمة الله عليهم وكيف أكرمهم وجعلهم ملوكأ ونجاهم من بطش الفرعون المجرم ولكنهم نسوا كل ذلك واتخذو ا العجل يعبدونه من دون الله وأجرموا وأشركوا وارتكبوا الفواحش فى حق بعضهم فكان موسى يذكرهم بنعمة الله عليهم قائلاً :

((َإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ )) إبراهيم 6

*   ولكنهم تمادوا فى ظلمهم وشركهم وكفرهم حتى يومنا هذا وتطاولوا على رسل الله من بعد موسى فقتلوا بعضهم وكذبوا البعض الآخر , بل وتطاولوا على الله تعالى إذ قالوا والعياذ بالله :-

   ( يد الله مغلولة ) , وقالوا عليهم اللعنة ( إن الله فقير ونحن أغنياء ) فشتت الله شملهم وأذلهم وفرقهم بددأ وجعل الدائرة عليهم لأنهم بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار .

وكان نبى الله يعقوب أو إسرائيل قد حرم على نفسه بعض أنواع الطعام باجتهاد خاص منه وبلا وحى من الله يقول الله فى ذلك :

 ((كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)) آل عمران 93

وكان آخر نبى أرسل من بنى إسرائيل هو عيسى بن مريم عليه السلام يقول تعالى :

((وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)) آل عمران 49

*   كان لابد من سرد قصة يوسف وإخوته لأنهم أبناء إسرائيل أو يعقوب عليه السلام , وكان حتماً علينا أن نتعرض لقصة يوسف وإخوته فى عجالة حتى إستقدامه لأبيه وأمه وإخوته من البدو إلى مصر ليكونوا فى مصر ما عرف بعد ذلك باسم بنى إسرائيل الذين عاشوا فى مصر حقبة زمنية كبيرة حتى أذلهم ملوك الفراعنة واستعبدوهم وقتلوا أبناءهم واستحيوا نساءهم إنتقاماً منهم وحقداً عليهم لما حصلوا عليه من جاه وعز فى أيام يوسف وبعده فكان أن أرسل الله موسى وهارون لتخليص بنى إسرائيل من بطش الفراعنة والخروج بهم من مصر إلى سيناء ثم قصتهم المعروفة بعد وفاة موسى عليه السلام مع أنبيائهم وحتى آخر نبى فيهم وهو المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام .

مما نسبق نخلص إلى أن إسرائيل هو نبى الله يعقوب عليه السلام ولكن كلمة إسرائيل ليست لساناً عربياً لأنها كلمة عبرية بمعنى عبد الله .

 

الروح القدس هو جبريل عليه السلام

لقد بحثنا واجتهدنا فى كون الروح هو جبريل عليه السلام ردحأ من الزمن واستقر الإجتهاد على أن الروح القدس هو جبريل عليه السلام ونستطيع إثبات تلك الحقيقة من خلال الإستنباط القرآنى والبحث والتقصى فى آيات الله الكريمة كما يلى :

أولأ : قال الله تعالى ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً )

عندما سأل القوم رسول الله (ص) عن الروح إنتظر رد الله تعالى فكانت الآية السابقة التى تؤكد أن الروح من أمر الله تعالى  وأنها من الغيبيات التى لا يستطيعون الإلمام بعلمها لأنهم لم يتدبروا كتاب الله تعالى بعد ولم يمنوا به حتى يستطيعوا إستقراءه واستباط الحقائق الدينية من آياته الكريمات  وأن علمهم القاصر لم يصل لفهم ذلك بعد .

 

 ثانيا ً : لقد جاء القرآن العظيم مؤكداً أن القرآن ينزل على قلب الرسول الخاتم عن طريق ملاك الوحى الذى خصص الله  تعالى من ضمن أعماله إنزال الرسالات السماوية على رسله الكرام يقول تعالى :

(( وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ {192} نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ {193} عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ {194} بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ {195})) الشعراء 193 : 195

ولأن الكتب السماوية يقوم جبريل عليها السلام بإنزالها على قلوب المرسلين فقد أطلق الله تعالى إسم ( الروح ) على كتبه السماوية لانها تتعلق مباشرة بجبريل عليه السلام يقول تعالى :

(( فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ {14} رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ {15}))غافر

ولقد أطلق الله تعالى إسم الروح على القرآن الكريم بسبب علاقته المباشرة بجبريل عليه السلام حيث أن الله تعالى قد كلفه بإنزال القرآن على قلب الرسول الخاتم (ص) يقول تعالى  فى سورة النحل :

(( و َإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ {101} قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ {102}‏))

ثم قال عز من قائل  فى سورة الشورى :

: ((وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ {51}‏ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ {52}))

ثم يقول تعالى فى سورة غافر :

((فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ {14} رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ {15}))

ثالثاً    :   وعندما كتب الله تعالى لمريم عليها السلام أن تحمل فى السيد  المسيح عليه السلام أرسل لها روحه ( أى عبده جبريل ) لكى يلقى كلمة الله تعالى لمريم والتى ستكون المسيح عليه السلام يقول تعالى :

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً {16} فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً {17} قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً {18} قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً {19} قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً {20} قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً {21} فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً {22}مريم

ويقول تعالى فى سورة الأنبياء :

 الروح القدس هو جبريل عليه السلام

(( وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ {91}))

ويقول تعالى فى سورة التحريم :

((وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ {11} وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ {12}‏))

وروحنا هنا معناها عبدنا جبريل

ولأن جبريل عبد من عباد الله تعالى فإن لحياته نهاية ويبعث يوم القيامة مع من يبعث من الملائكة والجن والإنس يقول تعالى سورة النبا :

((يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً {38}))

هذا ما رأيناه فى إجتهادنا فى هذا الأمر والله وحده من وراء القصد وهو السميع البصير .

 

عصا موسى وعصا فرعون

كثيرون هم من يفضلون العنف منهجأ  , والتخويف مسلكأ لقهر الآخر وفرض رأيهم عليه قوة واقتدارأ  ,  ومن أسف أن نجد الموروثات الإجتماعية تؤيد هذا المبدأ المرفوض وتؤكد عليه , فكلما غدوت و عدت قابلتك ثقافة لها العجب تعتمد القوة منهجأ , والتخويف مسلكأ للوصول لما يريدونه ,  وتحقيق ما يحلمون به , فانظر معى لتلك الأمثلة وتفكر معى فى نشأتها وكيف انتشرت فى مجتمعاتنا وتشربها الناس تشرب الظمآن للماء :

1-    ناس تخاف ما تختشيش :

لا يمكن لأحدنا أن ينكر أنه يسمع هذا المثل يوميأ عدة مرات فى عدة أماكن ,  ومفاده أن الناس الذين يتعامل معهم لن يحترموه ولن يؤدوا طلباته ,  ويحققوا أهدافه إلا إذا خافوا منه بأى وسيلة من وسائل الخوف , كأن يوحى لهم بأنه يملك اقارب ذوى سلطان كبير فى البلد , وبيدهم أن ينفعوا ويضروا فيخشى منه الطرف المقابل    ,  ويخضع لما يريد ,  أو يخيفه بأنه يستطيع أن يضربه فى مكان ما أو يدفع لمجموعة متشردين للإقتصاص منه إذا لم يحقق المطلوب منه   ,   أو يوحى له أنه تربطه علاقة قرابة أو صداقة مع شخص مؤثر يمكن أن يفصله من عمله , أو يدخله فى سين وجيم لا ينتهى منها , والغريب أن الإنسان الذى يستعمل هذا المنهج يؤمن به جيدأ وهو فى قرارة نفسه متأكد أنه لو لم يستخدم أسلوب فرد العضلات أو قرص الأذن ,  أو تخويف الطرف الآخر بأى أسلوب يروق له فلن يحصل على مراده من خدمات أو علاوات أو ترقيات أو حتى أشياءاً ليست من حقه  ,   وبعد ذلك يردد هذه الحكاية فى كل مكان ويتبعها بما آمن به ( ناس تخاف ما تختشيش ) .

2-   بين له العين الحمرة :

يأتى شخص ما من مكان معين يحكى لصديقه أو زميله قصة معينة مع شخص آخر ويرى أنه كان مظلوماً فيها فيرد عليه صاحبه أو أخوه أو زميله قائلأ ( بينت له العين الحمرة ؟ ) يعنى كشرت عن أنيابك وأنت تتكلم معه ؟ أم كلمته بأدب ؟ فإذا اتضح أنه كلم المذكور بأدب .. صاح فيه ناصحه : روح بين له العين الحمرة وعرفه مقامه وهو يخاف منك ويعمل لك ألف حساب وتحصل على مرادك وبدون العين الحمراء ستنداس تحت الأقدام , أنت لا تدرى كيف يفكر هؤلاء دول ناس مايجوش بالأدب والذوق دول ييجوا بالعين الحمرة .

3-    عصاية موسى وعصاية فرعون :

وهى سياسة العصا والجزرة وتستخدمها الدول ضد بعضها وكبار السياسيين فى المؤتمرات والمؤامرات ,  والأنكى أن يستخدمها الناس العاديون فى الشوارع وفى الشركات وفى أماكن العمل فيستخدمون حيلة ذكية بها حوافز وتشويق ( الجزرة أو عصا موسى كما يدعون ) فيقدمون رشوة مالية أو دعوة على سهرة مية مية , فإذا لم تفلح هذه الطريقة كان البديل هو الإرهاب والتخويف بقطع لقمة العيش أو خطف الأبناء أو الضرب بيد بعض المأجورين أو حتى الإغتيال إذا لزم الأمر وهذا ما يطلقون عليه ( عصا فرعون ) لما تميز به فرعون من كفر وجبروت وبشاعة وإجرام لم يشهد لهما التاريخ مثالأ .ومما لا شك فيه أن هناك اشخاص يطبقون العدل فى حياتهم فلا يهتمون بالرشوة ولا يوافقون على السهرة  , ولا يخشون التهديد ,  ولا يعملون حساباً للوعيد حتى لو فقدوا مناصبهم أو حياتهم  ,  يموتون فى سبيل كرامتهم والدفاع عن مبدأهم غيرا عابئين بأى تهديدات او إغراءات .

4-   دبحت لها القطة ليلة الدخلة ؟؟:

حتى العروس المسكينة ليلة زفافها  ,  تواجه بهذا التخلف فى معظم البيئات العادية حيث يكون لدى زوجها فكرة مسبقة أنه يجب أن يذبح لها القطة ليلة الدخلة حتى تعرف أنه قاسى ومش سهل وواد فتك ودموى فلا تمتطيه ولاتركبه حمارأ وتدلدل ساقيها على ظهره قائلة  ( حاه يا حمار ) .. فيمسك لها ليلة الدخلة على أهيف شىء  لكى يضربها  علقة  سخنة  فتعرف أنه الفتى الهمام والفارس المقدام  ,  فتعيش خائفة منه خاضعة له طول العمر .. وينجح البعض فى إرهاب المرأة بهذه الطريقة فترة زمنية معينة ولكن فى أغلب الأحيان تنتهى حياتهم الزوجية إما بطلاق  ,  وإما بتقطيعه فى أكياس بلاستيك وتوزيعها على صناديق الزبالة .. ولكن موضوع ذبح القطة ليلة الزفاف لا ينجح فى أغلب الأحوال حيث تمتطى المرأة رجلها ويعيش العمر رهن إشارتها ويلقى تحقيراً وتوبيخاً من الأهل والأقارب كلما غدا أو راح ويسمونه ( حمار المرأة ) أي أنه لا يستطيع السيطرة عليها ولا يرهبها ولا تخشى منه .. أو باختصار يحبها و يحترمها ويقدرها كإنسان ويزن رأيها  فى كل أمور حياته  .. ولكن الكثير من البيئات المتخلفة يعتبرون ذلك عيباً كبيراً فى الرجل إذ لا يزالون ينظرون للمرأة كمخلوق من الدرجة الثانية تابع خاضع للرجل بلا رأى أو فكر .

5-    الطيب فى الزمن ده يقولوا عليه ضعيف :

الكثيرون طيبون ومسالمون يحبون الحياة ويحبون السلام ويسعون خلف الإستقرار والطمأنينة , ولكنهم , وبحكم الظروف يتعرضون لمواقف صعبة وقاسية ومحرجة فى الشارع والمواصلات وأقسام الشرطة ومصالح الحكومة ومع جيرانهم وزملائهم في  العمل , ولأنهم طيبون فإنهم تغلب عليهم طيبتهم ويتعاملون بالحسنى  ,  فمن الناس من يقدر أدبهم وإخلاصهم وطيبتهم  ,  ومن الناس من يعتقد أنهم ضعفاء , فإذا ذهب الواحد منهم وقص إحدى قصصه فى الطيبة والأدب والتسامح سمع الناصحين اللئام يقولون له : الطيب فى الزمن ده يقولوا عليه ضعيف  ,  فيحاول قدر الإمكان أن يتخلى عن طيبته ويتخذ القسوة سبيلاً حتى لا يقال عنه أنه ضعيف .. ولقد عاصرت آلاف الأمثلة الحية لهؤلاء الطيبين الذين تحملوا الكثير بسبب أدبهم وطيبتهم ولكنهم ملوا الظلم والذل خاصة أن معظم المتعاملين معهم من نوعية ( ناس تخاف ما تختشيش ) كما أسلفنا , فيحدث لهم تحول تدريجي فى مكوناتهم الشخصية وينطبق عليهم المثل القائل ( إتق شر الحليم إذا غضب ) .

6-   الكف السابق سابق :

مثل سىء جدأ , وفيه دعوة قبيحة للبدء بالاعتداء وهو ما يخالف كل الشرائع السماوية والقوانين الإنسانية العادلة  ,  ويعتقد مروجو هذا المثل أن من يبدأ بالضرب أو العدوان يكسب المعركة مهما طاله من ضرب من الطرف الآخر  ,   ومهما حاق به من خسائر , وهى نظرة قاصرة وتافهة إذ أنها تلغى وجهة نظر الآخرين فى البادئ بالاعتداء حيث يظل دائما هو الأقل خلقاً والأدنى منزلة ولدينا مثل مهم جدا وصحيح جدا هو ( البادئ بالشر أظلم ) وطبعاً يستحق هذا البادئ  بالشر كل ما يحدث له بعد ذلك ولا يجد من يؤيده أو يسانده أو يقف إلى جواره .

7-    خدوهم بالصوت لا يغلبوكم :

مثل تافه أيضاً يدعو أحد الظلمة أو المعتدين لرفع صوته جدا بالتهديد والوعيد ضد من يطلب حقه منه معتقداً بذلك أنه سيخيف المطالب بحقه ويقهره ويرغمه على التنازل عندما يرفع له صوته بشكل حاد ويغير من ملامح وجهه ببضعة حركات بهلوانية توحي للطرف المطالب  بحقه أن يسكت ويصمت ويكف وإلا ناله عقاب خطير من هذا الحقير .

 

إستخدام القوة والعنف سواء بالتصريح أو التلميح للحصول على ما نريد هي ثقافة اجتماعية غاية في السوء والاندحار الأخلاقي وهى موروثة من جيل لجيل ,  نتمنى التخلص منها لتسود ثقافة المحبة والتسامح ويحصل كل إنسان على حقه الطبيعي بأدب وشرعية وكرامة .



<<الصفحة الرئيسية