أحلامى

أحلم أن أستيقظ يومأ فإذا الشمس تبدد كل ظلام الكون وإذا الحب يهيمن ويدمر أصنام الحقد أحلم أن تبزغ فى لمحة عين كل بذور الأمل المدفون تحت جدار الخوف

لقد كان فى قصصهم عبرة لأولى الألباب (3)قصة إبنى آدم عليه السلام

 

 

(أ)  مما لا شك فيه أن الله تعالى ليس لديه وساطات ولا محسوبيات ، وأنه سوف يحاسب كل إنسان على أعماله التى قدمها فى حياته الدنيا إن خيراً فخير وإن شراً فشر ، ولقد كان لكل نبى أو رسول أهل وأقارب وأصدقاء وجيران ، وكان لكل منهم معاملاته الخاصة من تجارة إلى زراعة إلى صناعة إلى غير ذلك من المعاملات الحرفية واليومية ، وكان لكل رسول أحباب ومؤيدون مؤمنون برسالته كما كان لكل رسول أعداء حاقدون عليه مناؤئون لرسالته ومحاربون له بل ومعتدون عليه وعليى أتباعه .

 

الغريب أن تجد من هؤلاء الأعداء من هم أقرب الناس لهذا الرسول أو ذاك ، فأحياناً تجد أبناء الرسول يعادى بعضهم بعضاً كما حدث مع غبنى آدم  ، وأحياناً تجد عدو النبى هو أحد ابنائه ( كما حدث مع نوح عليه السلام ) ، وتجد عدوه هو زوجته وأم عياله ( كما حدث مع نوح ولوط عليهما السلام ) ، وتجد عدوه هو أبوه ( كما حدث مع إبراهيم عليه السلام ) ، وتجد عدوه هو عمه ( كما حدث مع خاتم النبيين عليهم السلام ) .

وسوف نتوقف اليوم للتدبر والتفكير فى قصة إبنى آدم عليه السلام :

 

 

 

إنهما إبنا آدم عليه السلام والمفترض أنهما مثال يحتذى فى الخلق الكريم والسلوك القويم ، فهما إبنا آدم أبى البشرية كلها والمفروض أنهما عرفا قصة أبيهما وقصة عصيانهما فى الجنة لأمر ربهما وقصة طردهما من الجنة ونعيمها إلى الحياة الدنيا وشقائها ، ومع ذلك نجد أن أحد إبنى آدم يحقد على أخيه لأنهما تقربا بقربان إلى الله تعالى فتقبله الله من أحدهما ( بسبب تقواه وصلاحه) ولم يتقبله من الآخر ( بسبب قلة تقواه وقلة صلاحه) ، وبدلاً من أن يبحث الأخ المخطىء عن خطئه لكى يصلحه فإذا به يزداد حقداً على أخيه الصالح ثم يتمادى فى غيه ويتوعده بالقتل ، ثم ينتصر الشيطان الرجيم ويفلح فى إفساده ويجعله يقتل أخاه يقول تعالى :

 

((وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [27] لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [28] إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ [29] فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ [30] فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ [31] )) المائدة

 

ونلاحظ هنا التناقض الرهيب والمفزع بين أخلاق الشقيقين مما يوحى وينذر وقتها بمستقبل مخيف لهذا المخلوق المسمى ( إنسان) وبأن وجهة نظر الملائكة فيه  كانت صحيحة حين قالوا لله تعالى ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) ، ولكن الله سبحانه له حكمة فى خلقه وفى ملكه لا يصل الملائكة للإحاطة بها علماً .

 

 ما هذا التناقض العجيب ؟ أخ يهدد أخاه بالقتل ( لأقتلنك) فيرد أخوه ( إنما يتقبل الله من المتقين ، لئن بسطت يدك إلى لتقتلنى ما أنا بباسط يدى إليك لأقتلك ) ، هل فى هذا الرد أى إستفزاز ؟ هل عندما قال له ( إنما يتقبل الله من المتقين ) يكون قد استفزه وتفاخر عليه بأنه تقى وصالح لذلك قبل الله تعالى قربانه ؟ وهل يكون ذلك التفاخر سبباً للقتل  ؟ وهل هو تفاخر بالتقوى فعلاً أم دعوة من الأخ التقى لأخيه الغير تقى لكى يحذو حذوه ؟؟ .

 

وهل قول الأخ الصالح لأخيه ( إنى اريد أن تبوأ بإثمى وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين ) .. أليس فى هذا الرد إستفزاز ؟ أخوه يقول له : أنا أريدك أن تقتلنى فتكسب إثماً بقتلى وتحمل إثمى معك فتلقى فى جهنم لأنك من الظالمين ؟؟؟   هل هذا الرد اثار الأخ واستفزه فصمم وعزم على قتل أخيه ونفذ الجريمة ؟؟ ..هل لو رد عليه بشكل آخر يستدر عطفه وحنانه والإخوة التى تربط بينهما ألم يكن ذلك أفضل ؟؟  هل هناك ردود تزيد الحاقد حقداً ؟ ...وهل هناك ردود تحرق الحقد وتستدر العطف وتحول العداوة إلى حب وإخلاص ومودة ؟ ألم يقل الله تعالى ( إدفع بالتى هى أحسن السيئة ) وقال تعالى ( إدفع بالتى هى أحسن فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم)  ؟؟ هل ابناء آدم لم يكن لديهم كتاب سماوى يستقون منه هذه الأخلاقيات القرآنية العظيمة ؟؟ وكيف لا يكون لديهم كتاب أو موعظة سماوية وهم ابناء أول نبى ورسول للبشر وهو آدم أبو البشر عليه السلام ؟؟؟      أسئلة مطروحة للتفكر والتدبر ..

 

الأمر العجاب هو ذلك التصميم الأكيد من القاتل على قتل أخيه ، ويبدو أنه فكر جيداً مع نفسه وراجع الأمر عدة مرات ولما اقتنع تماماً نفذ جريمته ( فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين ) ...

 

ولأنها كانت أول جريمة قتل فى تاريخ البشرية ، بل وعلى ما يبدو أول حالة وفاة مما يدل على وجود آدم وحواء عليهما السلام أثناء هذه الجريمة أقصد وجودهما أحياءاً ولا أقصد وجودهما فى مسرح الحادث ، وأدلل على ذلك بعدم معرفة الأخ القاتل لفن دفن الميت ، لدرجة أنه قتل أخاه ولم يعرف ماذا يفعل بهذه الجثة أو السوءة كما سماها ...ويظهر هنا سؤال آخر .. كيف لم يعرف إبن آدم فن دفن الميت وقد علم الله تعالى آدم الأسماء كلها ؟؟ أليس من المفترض أن يقوم آدم وحواء بتعليم إبنائهما وبناتهما كل شىء تعلماه من الله تعالى ؟؟هل الله تعالى علم آدم الأسماء كلها ولم يعلمه الأفعال وكيفية القيام بها وتركه للتجربة والإستدلال والإستنباط ؟؟؟

 

 أسئلة مهمة تحتاج لإعمال العقل فيها والتدبر بهدوء وتؤدة .

 

 وجاءه الحل من السماء عندما بعث الله تعالى غراباً يحفر بمخالبه  فى الأرض بحثاً عن فريسة من الحشرات أو الديدان لدرجة أنه صنع حفرة بمخالبه ورآها الإبن القاتل فقال يا ويلتا أليس لدى عقل أفكر به مثل هذا الغراب ؟ لقد تعلم من الغراب كيف يحفر حفرة ويضع فيها جثة أخيه القتيل ( قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوارى سوءة أخى فأصبح من النادمين ) ....

 

ولماذا سمى جثة القتيل سوءة ؟؟ وهل السوءة هى فعلاً جثة الميت ؟ أم جسم الإنسان سواءاً كان حياً أم ميتاً ؟؟ لقد قال الله تعالى عن آدم وحواء عليهما السلام عندما أغواهما الشيطان الرجيم فى الجنة وأكلا من الشجرة التى نهاهما ربهما عن الأكل منها فقال تعالى :

 

( فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ  ) الأعراف 22

 

ما معنى السوءة فى هذه الآيات الكريمة :

 

1-   هل معناها الجسم بعد الموت كما ورد فى قصة إبنى أدم ( فأوارى سوءة أخى ) لوكانت كذلك لما أطلقت على سوءة آدم وحواء وهما أحياء فى الجنة

 

2-   هل معناها أن آدم وحواء أكلا من شجرة فانية فكان لها رواسب خرجت على شكل إستخراج بشرى على هيئة بول وبراز وعرق فكان هذا هو السوءة ، وندلل على ذلك بأنهما طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة لكى يخفيا هذه الأشياء القبيحة السيئة .

3-   لو كان المعنى هو الجسم الحى حيث كان آدم وحواء لا يستطيعان ا مشاهدة أجسامهما كما يقول البعض وأنهما لما ذاقا شجرة العصيان ظهرت لهما أجسامهما فراحا يغطيان جسميهما من ورق الجنة ؟؟ وهذا الرأى غير صحيح وذلك لأن الله تعالى حين خلق آدم وحواء وأسكنهما فى الجنة قال لهما :

4-    

(إنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119) ) طه

 

وهذا الوعد الإلهى معناه أنهما ( آدم وحواء ) سيأكلا ويشربا ويلبسا ملابس الجنة أى أن كلمة ( لا تعرى ) وعد من الله تعالى أن جسميهما لن يتعريا طوال كونهما فى الجنة بمعنى أن الله سيضمن لهما  الملبس كما ضمن لهما  المأكل والمشرب وكذلك سيضمن لهما  عدم الإحساس بالبرد أو الحرى ( ولا تضحى )

 

....ومعنى ذلك أن آدم وحواء كانا لهما جسمان ويرى كل منهما الآخر ، ولم يكونا ملكين بدليل أن الشيطان الرجيم فى أثناء إغوائه لهما كان يقول لهما :

 

 ( ما نهاكما ربكما عن تلكما الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين )

 

وهذا دليل قاطع أنهما لم يكونا ملكين فى الجنة لأنهما لو كانا ملكين لما كان لهما جسد مادى من طين وماء فى البداية ثم لحم ودم وعروق وعظام فيما بعد .

5-   هل السوءة هى المعصية ولقد حاولا إخفائها بورق الجنة ؟؟

 

 نريد ـن نضع ايدينا على معنى السوءة ، فلدينا آيات كريمات أكدت أن السوءة هى جثة الميت ( سوءة أخى ) وخاصة بعد أن بدأت تتعفن ويصبح لها رائحة كريهة أبشع من رائحة مستخرجات الإنسان؟؟ وهل بهذه الصفة صارت الجثة سوءة ؟؟  ،،،، وهناك آيات كريمة نفهم منها أن جسدى آدم وحواء خرج منهما شىء بسبب الأكل من الشجرة الفانية ( شجرة من شجر الدنيا ) وأن هذا الشىء الخبيث هو السوءة ( مستخرجات الإنسان ) وبذلك يستقيم هذا المعنى مع المعنى السابق فتكون السوءة هى الشىء ذو الرائحة الخبيثة ؟؟

 

6-   هل هى الأعضاء التناسلية ؟؟ لقد حاول الشيطان الرجيم تنبيه آدم وحواء أن لهما أعضاءاً تناسلية مخفية لا يستطيعان رؤيتها يقول تعالى :

 

( يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ  ) الأعراف 26

نفهم منها أن الله تعالى جعل اللباس لمداراة الجسم بما فيه من أعضاء تناسلية .

ولكن الشيطان الرجيم لن يسكت فها هو يوسوس لآدم وحواء فى الجنة ويزين لهما لذة هذه الشجرة وروعتها وأنهما لو أكلا منها فقد يصبحا ملكين أو يصبحا من الخالدين ، ولم يكتف بالتزيين بل قام بنزع تلك الملابس عنهما ليريهما الأشياء التى أخفيت عنهما وبالطبع وبالعقل هى الأعضاء التناسلية يقول تعالى :

 

(يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ  ) الأعراف 27

 

إقرأ : ينزع عنهما لباسهما ( أى ملابسهما ) ليريهما سوءاتهما أى أجزاء من جسديهما لم ينتبها لها ولم يرياها من قبل ولكن الشيطان كان يراها لما له من قدرات منحها له الله تعالى ( إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ) ..

 

 

 

 

(ب) فى الآية التالية مباشرة لهذه القصة يقول الله تعالى

 

 (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ [32])) المائدة

 

سؤال يطرح نفسه : لماذا اختص الله تعالى بنى إسرائيل وكتب عليهم أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً ؟؟؟ هل لأن بنى إسرائيل هو الأكثر فساداً وإفساداً فى الأرض ؟ نحن نعلم أن إسرائيل تعنى نبى الله يعقوب عليه السلام وهو حفيد خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام ، وبنو إسرائيل هم ابناء يعقوب وأحفاد إسحاق وإبراهيم عليهم السلام و سبقهم اقوام كثيرون على الأرض مثل قوم نوح وقوم عاد وقوم صالح وقوم هود ، وأقوام قبلهم وبعدهم لم يذكرها القرآن الكريم .. فلماذا اختص الله تعالى بنى إسرائيل بهذه الآية ؟؟

 

ألا يدعونا ذلك للتفكر والتدبر ؟؟

 

لو تتبعنا  آيات سورة المائدة لرأينا أن الله تعالى يتحدث عن صفات بنى إسرائيل وطبائعهم وعصيانهم لنبى الله موسى عليه السلام عندما قالوا له ( إذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ) .. فحرم الله عليهم الأرض المقدسة وحكم عليهم بالتيه فى الأرض أربعين سنة ، ثم جاءت الأية 27 من سورة المائدة كجملة إعتراضية يحكى بها الله تعالى قصة مشابهة من قصص التمرد والعصيان وهى قصة إبنى آدم حيث قتل أحدهما الآخر ، ومن واقع هذه القصة أنزل الله تعالى لنبيه موسى حكماً فى التوراة ( كتبنا على بنى إسرائيل) أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً وهو حكم رهيب يضيع الإنسان الواقع تحت سلطانه ضياعاً ابدياً لا رجعة فيه ، ومثل هذا الحكم قد تكرر فى القرآن العظيم حين قال تعالى لرسوله الخاتم عليه السلام ( ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها ولعنه الله وأعد له عذاباً عظيماً ) ...

ولأن الله تعالى كرم بنى آدم وحملهم فى البر والبحر ورزقهم من الطيبات وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلاً ، فقد اعتبر الله تعالى أن الإنسان الذى يقتل إنساناً بريئاً ( بغير نفس أو فساد فى الأرض) فكأنه قتل الناس جميعاً ، ومن أنقذ النفس الطيبة البريئة من الموت فكأنه أحيا الناس جميعاً ، فأى تكريم للإنسان أعظم من هذا ؟ وأى ذنب بشع وقع فيه إبن آدم حين قتل أخاه ؟ ولا يزال أبناء آدم يقتل بعضهم بعضاً ويعذب بعضهم بعضاً بغير ذنب ولا جريرة ولا يهتمون بموقفهم أمام الله تعالى يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شىء ، لمن الملك اليوم ؟؟؟ لله الواحد القهر ....

 

الأستاذ سين وحكايته مع التدخين

الأستاذ س رجل محترم وموظف بالحكومة ، يعانى من حساسية الصدر ولكن حظه العاسر يوقعه دائماً فى طريق المدخنين الذين لا يرحموه وتدفعهم أنانيتهم القذرة لمواصلة التدخين جواره ، يحكى لى عن إحدى رحلاته إلى القاهرة بعد أن أنهى مهمة فى عمله بأحد مراكز محافظة الشرقية بمصر ، وسوف أعيد قصته لكم , وسأرمز له بالرمز س ولغيره بالرمز ص أو حسب سياق القصة :

 

س : لو سمحت أين سيارات الأجرة المتجهة إلى القاهرة ؟

ص : إنها فى ميدان عرابى بالزقازيق

س : شكراً .. تاكسى .. ميدان عرابى لو سمحت

السائق : تفضل

س : لو سمحت السيجارة التى تدخنها تخنقنى لأن عندى حساسية

السائق : معلهشى أنا لسة مولعها ومش ممكن أطفأها الآن .. هل تريد النزول ؟

س : نعم أريد النزول

السائق : مع السلامة

س: يقول لنفسه : سأركب السيرفيس أفضل

س : يشير بيده للسيرفيس فيتوقف أمامه

س: ميدان عرابى

السائق : ماشى

س: يركب ويجلس جوار شخص يدخن

س : لو سمحت أنا عندى حساسية ولا أستطيع تحمل سيجارتك

المدخن : يا أستاذ ابقى خذ تاكسى خصوصى علشان تبعد عن التدخين

س : ينظر إليه فى تعجب ويقول : لو سمحت أنا أختنق من السجائر

المدخن : يا أفندى مش عاوزين عكننة على الصبح .. إنتقل إلى كرسى آخر

س : يقوم ويترك الكرسى ويذهب بعيداً ولا يجد كرسياً خالياً فيضطر للوقوف حتى يصل إلى المحطة التى يريدها .

س: يسأل سائق البيجوه هل أنت ذاهب إلى القاهرة

السائق : نعم

س: هل تسمح بالتدخين فى سيارتك ؟

السائق : لا طبعاً

س : اشكرك

تتحرك السيارة وبعد عشر دقائق يشعر س بضيق فى نفسه فينظر فى كل الإتجاهات ليجد أحد الركاب يدخن سيجارة فى السيارة البيجوه التى تحمل سبعة ركاب غير السائق ، وحيز الفراغ فيها ضيق جداً ، وقد أغلق كل الركاب النوافذ المجاورة لهم لأن الهواء يدخل عليهم بعنف .

فقال للسائق : الم تقل أنك لا تسمح بالتدخين فى سيارتك؟

السائق : طبعاً

س : كيف ذلك ويوجد بالخلف رجل يشعل سيجارة تكاد تخنقنى

السائق : الأخ الذى يدخن سيجارة لو سمحت تطفأها

المدخن : ليه هو احنا فى المركز عند المأمور ؟ ماتخلقشى اللى يخلينى أطفىء السيجارة .

السائق : يوجد فى السيارة شخص عنده حساسية بالصدر ويوجد سيدة معها طفلان

المدخن : وأنا مالى ، يبقوا يأجروا لهم عربية مخصوص ، أما أنا لن أطفىء السيجارة حتى لو انقلبت السما على  الأرض .

س : لو سمحت يا أسطى نزلنى لأننى أكاد أموت

أحد الركاب للمدخن : يا أخ أطفىء السيجارة طالما هناك من يتضرر منها

المدخن : وانت أيش أخششك يا افندى ؟ خليك فى حالك

يرد الراكب : يعنى ايه خليك فى حالك ؟ خلى عندك زوق بنقول لك واحد عيان وفيه أطفال ، هو مفيش إحساس ؟

المدخن : أنت بتشتمنى يا تافه يا عديم الكرامة ..

السائق يوقف السيارة
وينزل الركاب وتحدث مشادة كلامية وشتائم ، ويقتنص س الفرصة لكى يتنفس ويكح خارج السيارة ثم يقول للمدخن : يعنى هو من الأخلاق انك تدخن فى السيارة ؟

المدخن : أنا أخلاقى أحسن من أخلاقك وأنا أحسن منك

س : يقول للسائق لن أستطيع مواصلة الطريق معك

السائق : كيف ذلك ؟ أنت ركبت معى من المحطة ومحسوب على العربية راكب يعنى لو عاوز تنزل تدفع الأجرة

س : أدفع الأجرة ازاى وانت ما وصلتنيش ، وما أقدرشى أركب فى سيارة فيها مدخنين وقد اشترطت عليك فى المحطة وأنت أكدت لى أنك لا تسمح بالتدخين فى سيارتك .

السائق : أنا مليش حكم على الركاب

س : وأنا مش حركب إلا إذا تعهدت لى بعدم السماح لأحد بالتدخين .

السائق : ما رأيكم ياجماعة ؟

أحد الركاب : بصراحة السيد س عنده حق ولا يصح لأحد التدخين فى وسائل المواصلات لأنه يلوث الجو ويزيد المريض مرضاً .

السائق : خلاص اركب يا استاذ ولك على محدش حيدخن تانى .

 

وصلت السيارة القاهرة ، ونزل س عند محطة مترو الأنفاق ، ووجد محطة المترو نظيفة جداً ، ولا أحد يدخن ، فتعجب جداً وشعر أنه فى دولة أخرى ومع شعب آخر ، وتساءل لماذا لا يتحلى الناس خارج المترو بنفس الأخلاق ، ومن شدة ذهوله كان يتساءل بصوت مرتفع ، فرد عليه رجل يقف إلى جواره قائلاً :  لأن هنا غرامة عشرة جنيهات يدفعها المدخن فوراً وكذلك الذى يرمى زبالة أو غيره يدفعها أيضاً

س : يعنى الناس خايفة من الغرامة ؟
ألمحاور : طبعاً

س : يعنى مش حكاية أخلاق ؟

المحاور : أخلاق ايه يا استاذ ، طيب ما هم هؤلاء الأشخاص لما يطلعوا خارج المترو بيدخنوا فى كل حتة وبيرموا زبالتهم فى اى مكان !!!

س : وما الحل ؟

المحاور : لا يوجد حل سوى قوانين صارمة وغرامات كبيرة ولوائح يتم تطبيقها على الأقوياء والأغنياء قبل الضعفاء والفقراء .

س: متى يتم تقنين ذلك ؟

المحاور : يمكن قبل يوم القيامة بساعتين .. ههههههههه  سلام لأن المترو وصل

س : سلام

 

لقد كان فى قصصهم عبرة لأولى الألباب (2)

 

تتردد دائمأ وبصورة يومية عبارة بين الناس هى ( ألتقوى تنفع الذرية) بمعنى أن الإنسان التقى عندما يموت فإن ما قدمه من صلاح أعمال وثبات اقوال ينفع ذريته بعده ويمكّن لهم فى الأرض بل ويمتد النفع ليشمل صلاحهم فى الآخرة فما هى الحقيقة فى هذه المسالة الأخلاقية الهامة والتى على أساسها قد ُتبنى مجتمعات وقد تُشيد آمال وتُؤسس أحلام ؟


أريد ان أتدبر هذه المسالة وأفكر فيها بصوت مرتفع دون أن يتوقع قارىء أننى أفرض رأيى أو أعرض إجتهادى كحل نهائى لهذه المسالة بل الأمر مفتوح لكل مفكر ومجتهد حتى نصل بأمر الله تعالى لحل مقنع ورأى سديد لا أدّعيه لنفسى ولا أرجو من غيرى ان يفرض رأيه أو يعتقد أن إجتهاده هو نهاية المطاف فكلنا تلاميذ فى مدرسة القرآن العظيم .


يذكر القرآن العظيم عدة آيات وأحداثأ قد يُفهم منها المعنى السابق ( أن التقوى تنفع الذرية) ولكن المتدبّر ألمدقّق فى كلام رب العزة سيجد أن التقوى إنما تنفع صاحبها فى الدرجة الأولى فى الدنيا (حيث يعيش آمنأ فى سلام) وفى الآخرة حيث يكافؤه ربه بجنة الخلد , ويعتقد البعض أنه قد يحدث بعض النفع المادى والنفسى فى الحياة الدنيا دون الآخرة قد يعود على ذرية التقى بما يكفل لهم كرامة وجاهأ فى حياتهم الدنيا معتمدين فى إعتقادهم هذا على بعض النصوص القرآنية التى لم يعطوها وقتأ كافيأ من التفكير والتدبّر كما سيأ تى فيما بعد ولكنه لا ينطبق بحال على الحياة الآخرة التى لا يتحمل فيها إنسان وزر أخيه الإنسان حتى لو كان وزر أبيه او وزر أمه او وزر أخيه حيث كل نفس تكون رهينة بما كسبت وبما قدّمت لنفسها من خير فى حياتها الدنيا ولكنهم أيضا يرون غير ذلك ويؤكدون أن الإنسان التقى ينفع ذريته فى الحياة الآخرة ولقد تناسوا أن الله تعالى ربط هذا النفع فى الحياة الآخرة بان تتبعهم ذريتهم بإحسان حتى يلحقوا بهم فيقول المولى عز وجلّ :
(
والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإحسان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناتهم من عملهم من شىء كل إمرىء بما كسب رهين ).


فما هى الحكاية إذن؟


ألتقوى قرآنيأ هى محبة الله تعالى والخوف منه سبحانه ومراقبته فى كل لحظة من لحظات الحياة مما يجعل الإنسان يجانب الذنوب والآثام ويكثر من صالح الأعمال ومصلح الأقوال وبتعبير آخر فالتقوى علاقة رأسية بين المخلوق (الإنسان) والخالق ( الله عز وجلّ) تنعكس على علاقة الإنسان الأفقية ( على الأرض) بينه وبين ألآخرين ( البشرية كلها على اختلاف مشاربهم ودياناتهم وجنسياتهم والوانهم وأعراقهم ) تتسبب فى انهم يطمئنون له ويأمنون جانبه ولا يخافون ضرره , ومما لا شك فيه أن هذه التقوى محلها القلب ولا يمكن لمخلوق الإطلاع عليها أو تحديد قيمتها إن كانت كثيرة أو قليلة ولكن ذلك شأن الله وحده وحكمه دون سواه ولا يشرك فى حكمه احدأ :
(
فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى) .


وقد حسمت هذه الآية الكريمة حصر علم تقوى القلوب على الله وحده دون مخلوقاته وعلى ذلك فلا يمكن لمجتمع ما أن يحدد ويعين ويؤكد الأتقياء الساكنين فيه ويعمل لهم حصرأ حتى يشار لهم بالبنان ليقال هذا تقىّ وذاك قليل التقوى , فإن ذلك يُعد تدخلأ فى غير ما يملكون , وحكمأ على غير ما يعلمون , فيسقطون بذلك فى هوّة سحيقة لا قرار لها وهى الشرك بالله عز وجل فكيف نشأ ذلك المثل الغريب الذى يؤكد على أن التقوى تنفع الذرية ؟.


يقول الله تعالى فى كتابه العظيم :


(
وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافأ خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولأ سديدا )
هذه الآية الكريمة لا يُفهم منها أبدأ ما أراده الناس من معنى بأن التقوى تنفع الذرية ولكنها يُفهم منها أن من يعيش تقيّأ يأكل من حلال فلا يكون الربا طريقأ لكسبه ولا تكون السرقة والنهب وتخريب الديار منهجأ ينتهجه ولا يشهد زورأ ضد إنسان من أجل بعض المال أو المنصب او الجاه ولا يملأ الحياة بأسباب الفحش والفساد فى الأرض مثل هذا الإنسان عندما يموت فإنه يترك لأبنائه الضعاف رصيدأ من المحبة فى قلوب الناس بسبب حسن معاشرته لهم وما قدمه لهم من حب وامن وسلام , فيقتربون من ذريته ويُحسنون إليهم ويُدافعون عنهم حتى يكبروا ويبلغوا أشدهم ويصيروا قادرين على تحمّل المسؤلية أمّا لو كان أبوهم عكس ذلك أى فاسقأ فاجرأ فاحشأ ناشرأ للدعارة أو شاهدأ زورأ أو قاتلأ نفوسأ او سارقأ أو ناهبأ او غير ذلك من أشكال الفساد ثم أدركه الموت فإنه يترك ذريته الضعاف على حال يُرثى له وقد هتك الأعراض وسرق الطريق وخرّب الديار ونهب الأموال وعاش حياته من الفاسقين الفجّار فأىّ رصيد حبٍّ وحنانٍ وتعاطف يكون فى قلوب الناس تجاه ذريته الضعفاء ؟.


ونجد هنا فى الآية الكريمة أنّ الله تعالى قد ركّز فقط على الذرية الضعيفة ولم يذكر الأبناء الأقوياء أو الذرية الشديدة لو مات عائلهم لأن هؤلاء يستطيعون الدفاع عن أنفسهم سواءأ أكان آباؤهم أتقياء أو فاسقين , أبرارأ او فجارأ , مما يؤكد عدم إرتباط التقوى بنفع عام لهم فى حياتهم الدنيا أو حياتهم الآخرى ولكن الأبّ التقىّ والأم التقيّة سيموتان مطمئنين على ذريتهما فى المجتمع طالما أنهما لم يؤذيا احدا ولم يعيثا فسادأ فى الأارض وهذا ما فهمته من الآية الكريمة.


ويعزز فهمى قول الله تعالى على لسان العبد الصالح الذى تبعه نبى الله موسى وتعلّم منه بعض الحكم فى كما جاء فى سورة الكهف وكان فى ذلك حكمتان مهمتان فى هذا المقصد وهما ما تعلقتا بقيام هذا الرجل الصالح بقتل غلام فور رؤيته ثم قيامه بتقويم جدار يوشك على السقوط (يريد أن ينقضّ ) فقال لموسى وهو يفسّر له ما لم يستطع عليه صبرا :


(
أمّا الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانأ وكفرأ فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرأ منه زكاة وأقرب رحمأ)
وهكذا نرى أن تقوى الأب والأم كانت سببأ فى قتل ولديهما وفقدانه للحياة لأنه عندما يكبر سيفجُر ويكفُر ويذيق والديه المرار والذل والعنت فعفا الله عن الأبوين الصالحين وخلّصهما من الإبن الذى سيكون فاجرأ وذلك بقدرته سبحانه وعلمه الذى لا يُطلع عليه أحدأ إلا من ارتضى من رسول , فهل نفعت تقوى هذين االعبدين الصالحين ( الرجل وزوجته) ولدهما ؟ لا لقد كانت سببأ أساسيأ فى مقتله لأن الله أراد أن يجنبهما كفره وضلاله وفجوره ولو كانت التقوى تنفع الذرية لحفظه الله من أجل سعادة والديه الصالحين ولهداه لهما بدلأ من ان يأمر عبده الصالح بقتل فلذة كبديهما خوفأ عليهما مما سيلحق بهما من أذى إثر فجوره وكفره القادمين بعد ان يبلغ اشدّه , اما القصة الثانية فهى :


(
وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين فى المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحأ فاراد ربك ان يبلغا اشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن امرى ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرأ)


فقد كان الاب هنا صالحا وكوّن ثروته من حلال وهذا مؤكّد لأن الله تعالى كنّاه بالصلاح فلا يُعقل وجود لص أو مرابى أو مرتشى أو آكل سحت يصفه الله بالصلاح حاشا لله الأحد وقد كان من فضل الله على ذلك العبد الصالح انه حافظ على ثروته لولديه الضعيفين أليتيمين , هذه الثروة ألتى كوّنها من حلال ولم يدخل فيها قرش واحد من حرام فوصلت ولديه بعد ان كبُرا وبلغا أشدهما بحكمة مالك الملك حيث أقام العبد الصالح فوق الأموال جدارأ يحميه من اللصوص والطفيليين --وكان الجدار على وشك السقوط -- حتى يصل للولدين عندما يكبرا , والسؤال هنا هل نفعت تقوى الاب ذريته ؟ والجواب لا , لأن تقوى الاب نفعته هو بأن حافظ الله على ثروته الحلال والتى تعب فى تكوينها حتى تصل إلى الغلامين بعد ان يكبُرا أمّا هذان الغلامان فقد تكون تلك الثروة سببأ فى دخولهما جهنم بما قد تجلبُه عليهما من غرور وإغترار فى الحياة الدنيا,وبما قد تسبب لهما من فساد خلقى أو جرائم بحق الآخرين , ولم يحدد القرآن مصير الغلامين من الناحية الإيمانية بل ترك الأمر مفتوحا للتوقعات أى أن هذا الكنز من المحتمل أن يضيّعهما فى الدنيا ويضيعهما فى الآخرة وعلى الجانب الآخر فقد ينشآ صالحين ويستخدما الكنز فيما ينفعهما ويعود على البشرية بالخير ولكن ذلك غير محدد ولم يُحسم ولذلك فلا يستطيع كائن من كان أن يجزم أن الأب والأم عندما يتركان ثروة لأبنائهما فإن ذلك يصلحهم بل قد يفسدهم ويضيعهم والأمثلة بالملايين .


وقد اكد القرآن العظيم على فتنة المال والولد :
(
إنما أموالكم وأولادكم فتنة)
(
المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابأ وخير أملأ )
(
يا ايها الذين آمنوا لا تُلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك منكم فاولئك هم الخاسرون)


وقد يسأل سائل لو كانت التقوى تنفع الذرية ألم يكن أولى بها نبى الله نوح الذى دعا لعبادة ربه ألف سنة إلا خمسين عامأ ؟ ومع ذلك فقد كفر إبنه وظل كافرأ حتى غرق ورفض الإنصياع لأمر والده النبى التقى عندما قال له :


(
يابنى اركب معنا ولا تكن مع الكافرين )
(
قال سآوى إلى جبل يعصمنى من الماء)
(
قال لا عاصم اليوم من الله إلا من رحم)
(
وحال بينهما الموج فكان من المغرقين)


ولم يسكت نوح النبى الصالح بل توجّه إلى مولاه سبحانه معتقدأ انه قد يشفع لإبنه عند الله بسبب ما له من رصيد إيمانى وعميق حبّ وطويل عهد مع تقوى الله فقال :
(
ربّ إن ابنى من أهلى وإن وعدك الحق وأنت احكم الحاكمين )
فماذا قال الله ؟


هل هداه من أجل تقوى والده ؟
هل اصطفاه وتاب عليه إرضاءأ لنوح النبى الرسول؟
لا والله لقد طرده الله من رحمته ولم يقبل شفاعة نوح له ودموعه المنهمرة حزنأ على ولده فلا شفاعة لمخلوق عند الله تعالى ولا واسطة ولا محسوبية بل كل نفس بما كسبت رهينة فماذا قال له الله تعالى :


(
قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألنى ماليس لك به علم إنى أعظك ان تكون من الجاهلين )


فماذا قال نوح :


(
قال ربّ إنى أعوذ بك ان أسالك ما ليس لى به علم وإلا تغفر لى وترحمنى أكن من الخاسرين)
فهذا نوح ليس له علم بعمل إينه الذى عاصره وعاش معه ولم يفلح فى تشفعه لولده وفلذة كبده فكيف يعيش أصحاب الديانات السماوية على أوهام الشفاعات سواءأ كانوا مسحيين او يهود أو مسلمين فكل منهم يعتقد أن النبى المرسل إليهم سيشفع لهم عند الله تعالى علوأ كبيرأ عن ذلك فهو علام الغيوب ولا يحتاج لمن يتوسط بينه وبين عبيده لأنه ارحم الراحمين , بل لقد وجدنا ان الله تعالى سيسأل المرسلين يوم القيامة كما سيسأل المرسل إليهم :


(
فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألنّ المرسلين )
)
يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أُجبتم قالوا لا علم لنا)
(
يوم تأتى كل نفس تجادل عن نفسها)
(
وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد)


ولست ادرى كيف يتصور أهل الديانات السماوية هذه الشفاعات علمأ بأن هؤلاء الرسل والأنبياء المكرمين عليهم الصلاة والسلام قد توفاهم ربهم ولم يعاصروا فى حياتهم غير أقوامهم وذويهم ولم يروا احدأ منا ولم يقفوا على طبيعة اعمالنا وحجم ذنوبنا فكيف يتدخلون للتشفع فيما لا علم لهم به كما أننا جميعأ نؤمن ان الله تعالى هو وحده مالك يوم الدين .


ولو كانت هناك شفاعة لمخلوق عند الخالق أليس فى رفض الله تعالى لشفاعة نوح لإبنه وفلذة كبده أعظم دليل على أن الله تعالى قد ملك الشفاعة كلها ولم يعطها لمخلوق وقد أكد ذلك سبحانه فى قوله :


(
قل لله الشفاعة جميعأ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه)


إن فى قصة نوح وإبنه لأكبر عظة وأدق دليل على ان التقوى لا تنفع الذرية لا فى الدنيا ولا فى الآخرة وأكبر دليل على ان الله تعالى لا يقبل التشفع من مخلوق لمخلوق وليس عنده واسطة أو محسوبيات او (على شان خاطر فلان يُدخل علان الجنة) فتعالى الله علوأ كبيرأ الذى حسم أمر شفاعة الرسول الخاتم عليه السلام عندما قال له فى كتابه العظيم :


(
قل ماكنت بدعأ من الرسل وما ادرى ما يفعل بى ولا بكم إن اتبع إلا ما يوحى إلىّ وما انا إلا نذير مبين)
وكلنا يعرف خطاب الله تعالى لنبيه عيسى عليه السلام بعد ان رفعه الله إليه :


وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *


فيا امة الإسلام عودوا لكتاب الله الأحد وتمسكوا به فهو المنقذ من كل ضلال ولا يفرضنّ احدكم أحلامه على مالك الملك فالجنة أعدت للمتقين فى كل الأديان السماوية ولم تعد لأشخاص بعينهم فالله أرحم الراحمين , والتقوى صفة غيبية لا يعلمها غير الله الواحد القهار فلا يحشرنّ الواحد منكم أنفه فى أعمال العباد ولا يجعلنّ الواحد منكم من نفسه قيّمأ على إيمانهم وتقواهم ولا يتخذنّ الواحد منكم من نفسه وكيلأ عن الله فلو كان الله متخذأ وكيلأ لاتخذ من سائر المرسلين عليهم السلام وكلاء ولكنه قال لرسوله الخاتم :
(
وما جعلناك عليهم حفيظأ وما أنت عليهم بوكيل)


وليعبد كل منكم ربه دون أن يطلب من الآخرين ثمنأ لتقواه ودون أن يطلب منهم طاعته أو تنفيذ أوامره فالله أعلم بحقيقة تقواه وقدرها ومقدارها فى قلبه فلا يزكينّ الواحد منكم نفسه واعلموا أن الله مع المتقين الذين لا يسرفون فى الأرض ولا يبغون فيها بغير الحق وينشرون المحبة والسلام والعدل والمساواة بين خلائق الله تعالى ولا ينصبون من أنفسهم محاسبين للناس على اعمالهم فكل ذلك من أعمال الله الواحد القهار ألذى يحكم بين الناس فيما هم فيه يختلفون ولا يشرك فى حكمه أحدأ.


وهكذا نرى أن التقوى مسالة شخصية لا يعلمها غير الله تعالى ولا تنفع غير صاحبها وأكبر دليل دامغ على ذلك هو هروب الإنسان يوم القيامة من أقرب وأعز الناس لديه فى حياته الدنيا بل يود الكافر الذى حُكم عليه بالعذاب فى جهنم ان يفتدى نفسه من هذا العذاب حتى لو ضحّى فى سبيل ذلك ببنيه وأمه وأبيه وفصيلته التى تؤيه ومن فى الأرض جميعأ ثم ينجيه ولكن هيهات فإن فى هذا اليوم العظيم الذى تشيب من هوله الولدان يفر المرء من اخيه وأمه وابيه وصاحبته وبنيه لأن لكل إمرىء منهم شأن يغنيه فيجعله لايفكر إلا فى نفسه ومصيره وما سيحدث له غير عابىء بغيره لأنه من زُحزح عن النار وأُدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور .



<<الصفحة الرئيسية