أحلامى

أحلم أن أستيقظ يومأ فإذا الشمس تبدد كل ظلام الكون وإذا الحب يهيمن ويدمر أصنام الحقد أحلم أن تبزغ فى لمحة عين كل بذور الأمل المدفون تحت جدار الخوف

دراسات قرآنية : إستنباط معنى كلمة (لبث) من القرآن الكريم و ســــــــــــ24ـــــــــــــــاعة موت

 

يعتقد كثير من  الناس (إعتقاداً لا ينبنى على تأسيس قرآنى ) أنهم  عندما يموتون فإنهم سيشعرون بفترة موتهم وبالقرون الطويلة التى تمر عليهم والتى قد تصل لآلاف القرون فهل هذا صحيح أم ضرب من ضروب الخيال البشرى والوهم الإنسانى ؟

 

من خلال آيات القرآن العظيم ( الكون المقروء ) سوف نتدبر تلك المعانى الهامة والتى تؤرق معظم – إن لم يكن كل – البشر منذ وعيهم على الحياة الدنيا وإدراكهم لكنههم وتأكدهم من قدوم موعد موتهم إن آجلاً أو عاجلاً .

 

وسوف نمر فى عجالة على كلمة ( يلبث – لبث ) نتدبر معانيها من كتاب الله تعالى ثم نبدأ كلامنا عن الموت الذى لا يستغرق فى الحس البشرى الإنسانى ( عند لحظة البعث )  أكثر من 24 ساعة .

 

جزء أول : إستنباط معنى كلمة ( يلبث – لبث ) من آيات الذكر الحكيم :

 

كلمة لبث تأتى فى القرآن الكريم بمعانٍ  فرعية شتى  ولكنها تأتى بمعنى ثابت فى كل مرة وهو البقاء أو المكوث  فى مكان ما سواء كان الإنسان حياً أو ميتاً أو نائماً كما يلى :-

 

(1)            يلبث بمعنى يحيا أو يعيش :

 

*   قوله تعالى عن الرسول الخاتم ص (قُل لَّوْ شَاءَ اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ  )يونس 16

ويفهم منها أن الرسول الخاتم ص كان يعيش بينهم قبل الرسالة فلم يكن يقرأ ولا يكتب حتى بعثه الله فيهم نبياً ورسولاً .

 

     *   وقوله تعالى عن نبى الله ورسوله إبراهيم ص (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا   إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ  ) هود 68

ويفهم منها أن نبى الله ورسوله إبراهيم ص بقى بعيداً عن ضيوفه ولم يرجع لهم إلا ومعه العجل السمين المطهى لأنه ص كريم ويعرف كرم الضيافة ولكنهم لم يأكلوا منه ولم تمتد أيديهم إليه لأنهم فى الحقيقة ملائكة لا يأكلون ولا يشربون .

 

*    وقوله تعالى عن نبى الله ورسوله يوسف ص (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ  ) يوسف 42

ويفهم منها أن نبى الله ورسوله يوسف ص عاش وبقى فى السجن عدة سنوات حتى تذكر صاحبه الذى كان مسجوناً معه وخرج ليعمل ساقياً للملك خمراً فلما تذكر يوسف بسبب رؤيا رآها الملك تم إخراج يوسف على أثر ذلك من سجنه والقصة معروفة .

 

*    وقوله تعالى عن نبى الله ورسوله موسى ص (إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى  ) طه 40

ويفهم منها أن موسى عاش مع أهله فى مدين عدة سنوات وهى المدة التى عمل فيها لدى  صهره كمهر لإبنته التى تزوجها موسى وبعد قضاء هذه الفترة ( من 8 إلى 10 سنوات ) عاد ومعه زوجته من مدين إلى مصر .

*     وقوله تعالى عن موسى أيضاًُ على لسان فرعون (قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ  ) الشعراء 18

 

ويفهم منها أن الفرعون يبكّت موسى ويعيره بأنه عاش وتربى فى قصره قبل ذلك  قبل أن يقتل نفساً ويهرب من بطشهم إلى مدين بعد أن تاب الله عليه وغفر له ذنبه .

 

*     ويقول تعالى عن نبيه ورسوله نوح ص (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ  ) العنكبوت 14

ويفهم منها أن نبى الله ورسوله نوح ص عاش فى قومه وبين ظهرانيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم لعبادة الله الأحد ولكنهم حاربوه وهددوه وعاندوا حتى أغرقهم الله بكفرهم .

 

(2)            يلبث بمعنى يموت  :

 

*    يقول الله تعالى عن  ذى النون ( يونس ) نبى الله ورسوله ص (لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) الصافات 144

ويفهم منها أن الله تعالى لو لم يرحم يونس ويغفر له ذنبه لمات ومكث  فى بطن الحوت حتى قيام الساعة ولكن يونس استغفر ربه وأناب إليه فتاب الله عليه وأمر الحوت أن تلقى به إلى الشاطىء وبقية قصته عليه السلام معروفة .

*     وقوله سبحانه وتعالى (يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً  ) الإسراء 52

ومعنى لبثتم هنا هو متم أى مكثتم فى قبوركم ميتين حتى لحظة البعث.

 

*    وقوله تعالى (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ  ) الروم 56

وكلمة لبثتم هنا معناها متم وقبرتم فى الأرض حتى بعثكم الله تعالى

والآيات فى هذا المعنى كثيرة جداً

 

(3)            لبث بمعنى نام :

 

يقول تعالى عن أهل الكهف الذين ناموا فى كهفهم عدة قرون :

 

(وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا )الكهف 19

 

وكلمة لبثتم هنا معناها نمتم حتى لو كان نومهم يشبه الموت ولكن الله كان يقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ويجعل الشمس تزاور عن كهفهم ذات اليمين وتقرضهم ذات الشمال .

 

 

 

 

 

جزء ثانى : ســـــــ24ـــــــاعة موت :

 

أولاً أحاسيس الأموات الذين بعثوا من موتهم فى حياتهم الدنيا وماذا قالوا :

(1)    يحكى القرآن العظيم عن أهل الكهف وكلنا يعرف حكايتهم فهم مجموعة من الشباب كانوا يعبدون الله تعالى وحده بلا شريك ورفضوا وثنية قومهم وشركهم بربهم فلما شعر بهم الناس وشعر بهم ملوكهم بدءوا فى البحث عنهم لمحاكمتهم على جريمة عبادة الله وحده , فما كان منهم سوى أن فروا بجلدهم من بطش المجرمين وحقد الكافرين وأووا إلى كهف فى أحد الجبال وعندما ناموا من شدة التعب والشقاء الرهيب والخوف المميت رحمهم ربهم سبحانه فضرب على آذانهم فى الكهف ثلاثمائة وتسعاً من السنين ثم بعثهم ليريهم آياته فيهم فقاموا من نومهم الطويل ( موت مؤقت)  سائلين كم لبثم فقال أحدهم : لبثنا ( نمنا ) يوماً أو بعض يوم فرد آخر : ربكم أعلم بما لبثتم .

 

وما يعنينا فى إستنباطنا هنا هو التقدير البشرى الإنسانى للموت لحظة الخروج منه وهو ( يوم أو بعض يوم) مما يؤكد أنهم لم يشعروا بأكثر من ثلاثة قرون مضت عليهم وهم نيام أو أموات , ولأن اليوم منذ بدأ الخليقة هو 24 ساعة فإن القرون الثلاثة مرت على أهل الكهف  كأنها 24 ساعة أو أقل وهذا هو ما يهمنا .

 

وقد يسأل سائل : ولكن أهل الكهف كانوا نائمين ولم يكونوا ميتين فنرد عليه بأن النوم موت مؤقت  وقد أثبت الله تعالى ذلك فى قرآنه العظيم حين قال جل شأنه ( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتى لم تمت فى منامها ) ويفهم من هذا أن النوم موت مؤقت , كما أن الله تعالى حين أيقظ أهل الكهف سمى  ذلك الإيقاظ ( بعثاً ) لقوله تعالى ( وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم ) .

 

(2)    يحكى القرآن العظيم عن رجل كان يمتطى حماراً ويذهب لبعض غرضه وفى طريقه مر على قرية مدمرة وبيوتها مهدمة على من فيها وقد بدا له من هذه القرية بعض جثث الموتى وجثث الكائنات التى كانوا يستأنسوها فى حياتهم ورأى العظام النخرة فتعجب قائلاً ( أنى يحيى هذه الله بعد موتها ) .. وهو سؤال عابر قد يسأله أحدنا إذا مر على جثث وعظام بعض الموتى فى أى مكان ولكن الفرق شاسع بين من يسأل هذا السؤال وهو متأكد من قدرة الله تعالى على إحياء الموتى فى أى وقت , وبين من يسأل نفس السؤال وهو متشكك ومذبذب ولم يصل بعد إلى مرتبة اليقين , ويبدو أن صاحب القصة كان من النوع الأخير فجاءته آية ربه على الفور بالموت الفجائى ( فأماته الله مائة عام ) ولأن الله تعالى يعلم الخير وطهر القلب وحسن السريرة فى هذا العبد فقد أراد له الخير ووضعه الله فى إختبار رهيب فبعثه بعد موته ( ثم بعثه قال كم لبثت ) ؟ فرد العبد الطيب ( لبثت يوماً أو بعض يوم ) فقال له مولاه تعالى ( بل لبثت مائة عام ) ثم أثبت له بالبرهان الربانى العملى وأراه طعامه وشرابه  الذى ظل على حاله مائة سنة ( لم يتسنه )  بتدبير رب العزة ثم أراه حماره الذى مات وتحلل ثم أراه كيف يحيى الموتى ورأى عظام الحمار تتكون أمام عينيه ثم تكسى لحماً ( وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحماً ) واللحم هو العضلات وألأعصاب وألأوعية الدموية وخلافه ,  فلما تبينت الحقيقة جلية أمام الرجل قال ( أعلم أن الله على كل شىء قدير ) , والقصة كلها رائعة كما كانت قصة أهل الكهف رائعة وكلها منابع لتقوية إيمان المؤمنين والربط على قلوبهم , ولكن يهمنا هنا أن المائة سنة التى مرت على الرجل وهو ميت قد عبر عنها بحسه البشرى الإنسانى بعد بعثه  بأنها ( يوم أو بعض يوم ) أى 24 ساعة أو اقل.

 

ثانياً : تمر القرون على الإنسان وهو ميت ثم يشعر بها عند البعث يوم القيامة  كأنها يوم أو بعض يوم :

 

والآيات القرآنية فى ذلك كثيرة جداً تؤكد أن الإحساس البشرى بالزمن ينقطع بمجرد الموت ( بالنسبة للميت نفسه )  يستوى فى ذلك كل الناس ما عدا من استثناهم ربهم من هذه الرحمة والنعمة وهم فرعون وملؤه وقوم نوح وسوف نحاول التوضيح :

 

(1)    عندما يبعث الله سبحانه وتعالى الخلائق يوم القيامة يسألهم ( كم لبثتم فى الأرض عدد سنين ) فيكون الرد الطبيعى التقليدى والذى علمه لنا القرآن الكريم  هو قولهم  :   ( لبثنا يوماً أو بعض يوم ) .. ولكن المؤكد أن أولى العلم يعلمون أن كل من مات لبث فى الأرض إلى يوم البعث ولكنه فقد الشعور بعامل الزمن ( البعد الزمنى ) فيقول الله تعالى :

 

( وقال الذين اوتوا العلم والايمان لقد لبثتم في كتاب الله الى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون ) الروم 56 ,

 

 ويحكى ربنا جل شأنه عن بعض المجرمين بعد بعثهم وقد سأل بعضهم بعضاً عن الفترة التى لبثوها ميتين فيقول تعالى :

 (يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا *يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْرًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْمًا )طه 102- 104

 

ومن هنا نفهم أن أقصى تقدير بشرى لمرحلة الموت هو عشرة أيام وأدنى تقدير بشرى إنسانى للفترة البرزخية هو يوم واحد أى 24 ساعة أو أقل لقولهم المتكرر ( أو بعض يوم ) والبعض أقل من الكل فيكون التقدير البشرى الإنسانى  ( طبعاً لمن مات وبعث )  لفترة الموت البرزخى – وهى الفترة المحصورة بين لحظة الموت ولحظة البعث – هو يوم أو بعض يوم أو بتعبير حسابى 24 ساعة فأقل .

 

وهناك آية كريمة تقول ( ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة ) وهذا تقدير بشرى إنسانى آخر يؤكد أن بعض البشر من المجرمين حين يبعثوا سيقسمون ( لتأكيد وجهة نظرهم ) أنهم ما لبثوا ( ماتوا ) غير ساعة واحدة رغم مرور الزمن عليهم والذى قد يتخطى مئات الألوف من السنين .

 

والتقدير البشرى بالحس الإنسانى للفترة البرزخية يتكرر فى آية أخرى يؤكد البشر فيها أنهم ما لبثوا غير ساعة وذلك فى سورة يونس 54 (ويوم يحشرهم كان لم يلبثوا الا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين ) وأرى أن هذه الآية الكريمة تتحدث عن فترة حياة الإنسان على الأرض وأن الإنسان بعد البعث يشعر أن حياته الدنيا – مهما طالت – كانت كأنها ساعة من النهار يتعارف فيها على الناس أى أن هذه الآية الكريمة تتحدث عن مكوث الإنسان حياً على الأرض ولا تتحدث عن مكوثه ميتاً فى قبره .

 

(2)    يستثنى القرآن العظيم بالإسم من هذه الرحمة والنعمة وهى نعمة عدم الإحساس بالبعد الزمنى أثناء الموت يستثنى المولى عز وجل قوم نوح وفرعون وملأه فيقول تعالى :

 

*     عن قوم نوح : ( مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا ناراً ) ويفهم منها فقدانهم للشعور بأى عامل زمنى يفصل بين لحظة غرقهم ولحظة إلقائهم فى جهنم ( يعنى أقل من فمتو ثانية )  وذلك بما كفروا وعصوا وأجرموا وحاربوا رسل الله تعالى وكتبه , وقوم نوح قصتهم معروفة فقد لبث فيهم نبى الله ورسوله نوح عليه السلام قرابة ألف عام يدعوهم لعبادة الله الأحد فسخروا منه وحاربوه وهددوه بالقتل والطرد , ومن العجب أنه عاصر عدة أجيال كانوا يولدون ثم يكبرون فيتوسم فيهم الخير ثم يفاجأ بكفرهم وتشبههم بآبائهم المجرمين دون أى اختلاف يذكر حتى اضطر النبى أن يدعو ربه ( رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا * إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً ) فاستجاب له ربه وأمره بصناعة الفلك بوحى الله وعلمه سبحانه فكان قومه يسخرون منه وهو يصنع الفلك فوق الرمال ولا يوجد ماء يسبح فيه فيقول لهم نوح ( إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون ) ..ثم جاء أمر الله تعالى وفار التنور وأغرقهم الله بظلمهم ونجى نوحاً ومن معه من المؤمنين قليلى العدد ( وما آمن معه إلا قليل ) .. ثم ألقاهم الله فى جهنم حيث أفقدهم عامل الإحساس بالزمن الفاصل بين لحظة غرقهم ولحظة دخولهم جهنم .

 

*     وعن فرعون وملئه يقول تعالى ( النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) , وقصة فرعون الملعون معروفة فقد جعل من نفسه إلهاً يعبد وقتل من يرفض ذلك وقسم الناس إلى شيع يستضعف طائفة منهم يذبح ابناءهم ويستحيى نساءهم إنه كان من المفسدين وقد طغى وتجبر وتكبر وعلا فى الارض ظلماً وجوراً ونشر فيها الفساد , ولقد ارسل الله له رسولين هما موسى وهارون عليهما السلام فسخر منهما وتكبر عليهما فأرسل الله عليه الكثير من العبر والآيات ( مثل الجراد و القمّل والضفادع والدم والطوفان )  عله يتعظ هو وقومه ويثوبون إلى رشدهم ويتبعوا الرسل ولكن هيهات فقد حقت عليه كلمة العذاب فأغرقه الله وقومه كما أغرق كفار قوم نوح ( نفس العقوبة ونفس طريقة الموت وهى الغرق  ) ولكن الله تعالى قرر له ولملئه الكافرين عذاباً نفسياً رهيباً مخصصاً لهم وهو أنهم يرون موقعهم فى جهنم صباحاً ومساءاً اثناء وجود الحياة الدنيا وأما فى الآخرة فلهم شأن آخر والعياذ بالله تعلى منهم ومن كفرهم .

 

نجد فى قوم نوح أن الله تعالى أفقدهم عامل الزمن الفاصل بين الموت والعذاب بشكل قطعى نهائى ( أغرقوا فأدخلوا نارً )

 

أما فى حالة فرعون وملئه فإن عذابهم النفسى يطول ويطول ( يعرضون عليها غدواً وعشياً  ) ويمتد أثناء الحياة الدنيا بطولها ثم يوم القيامة مصيرهم جهنم وبئس المصير بما كفروا بالله وملؤوا الأرض ظلماً وجوراً وكفراً وعصياناً وطغياناً .

 

وقد يسأل سائل : ألم يأت بعد قوم نوح وبعد فرعون وملئه ظلمة مثلهم ومجرمون يستحقون نفس العذاب لأنهم ظلموا وبطشوا وتجبروا وملؤوا الأرض طغياناً وفساداً ؟

 

أقول نعم جاء ظلمة ومجرمون عذبوا الخلائق ونهبوهم وظلموهم وأجرموا فى حقهم ولكن شخصاً واحداً فى التاريخ نازع الله تعالى فى الألوهية فقال لقومه أنا ربكم الأعلى وقال لهم ما علمت لكم من إله غيرى ,,,,لم يفعل تلك الجريمة البشعة فى حق مالك الملك سوى الفرعون الملعون ..فاستحق هذا النوع المخصص من العذاب أعاذنا الله منه .

   (3) ثم يستثنى القرآن العظيم صنفاً عظيماً من البشر وهم الذين ضحوا بأنفسهم فى سبيل الله تعالى من أجل إعلاء كلمة الله والدفاع عن دينه ضد المعتدين الآثمين فكان مصيرهم القتل فى سبيل هذا الغرض النبيل ولذلك فإنهم لا يموتون بل يخلدون ولا يذوقون طعم الموت وينتقلون لجنة الخلد بمجرد موتهم فلا يذوقون موتاً ولا يشعرون بفترة برزخية يقول تعالى عنهم ( ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله )

 

وأخيراً ومن خلال آيات القرآن الكريم نفهم أن الفترة البرزخية – وهى الفترة الزمنية المحصورة بين لحظة الموت ولحظة البعث- تمر على الإنسان كأنها 24 ساعة أو أقل وذلك بحسه البشرى الإنسانى وباعترافه شخصياً بعد بعثه , يستوى فى ذلك الذين أحياهم الله من موتهم فى الدنيا ( أهل الكهف والذى مر على القرية الخاوية ) والذين يبعثهم الله تعالى يوم القيامة بعد فترة موت قد تصل لآلاف القرون  , وليس هذه وحسب بل يستوى فى هذا الإحساس الإنسان الصالح والإنسان الطالح وقد رأينا كيف يقسم المجرمون – وهم أحق الناس بالعذاب – أنهم بعد بعثهم ما لبثوا ميتين فى قبورهم أكثر من ساعة ...والله تعالى من وراء القصد .

 

سؤال يسأل نفسه بإلحاح : أين يوجد عذاب القبر فى كل ماسبق  لو كانت هذه هى الحقائق القرآنية  الواضحة الجلية ؟ .

 

الطيب والخبيث

 

لوحة 1 :

 

بعد يوم طويل من العمل الشاق فى خدمة الناس وتقديم العون لهم فى كل صغير وكبير والمسح على رأس يتيمهم وتقديم المعونة لفقيرهم وحث غنيهم على مثل ذلك , وبث النصيحة المخلصة والكلمة الطيبة فى كل مجلس يحضره وفى كل مكان يعبره , وبعد أن يغمر كل قلب يقابله بنظرة حب وإحترام وتقدير , عاد عم حامد الطيب مجهداً إلى منزله المتواضع بين أولاده وبناته الطيبين وزوجته الهادئة الطباع حيث يستقبلوه ككل يوم بمشاعر الشوق والحب والمودة الراقية , فيجلس وسطهم ليستريح ثم يتناول بعض الطعام الذى يسد الرمق ثم يؤدى فريضة ربه ثم يخلد للنوم بعد يوم ملىء بالعمل الصالح والجهد الطيب من أجل الإنسان فى أى مكان .

 

أولاده لا يتركوه ينام نوماً عادياً بل لقد تعود على قبلاتهم الحانية منذ كانوا أطفالاً ولم تزل هذه العادة فيهم متمسكين بها حريصين عليها فتأتى طفلته الصغيرة وتقبله وتلقى عليه السلام ثم يأتى باقى البنات والأولاد فيقبلونه ويكون فى قمة السعادة ثم يخلد فى نوم عميق .

 

هذا اليوم نام كثيراً وراح فى عالم آخر من الجمال والروعة واللذة فهاهو يرى نفسه فى غرفة مذهلة كأنها صنعت من قطع الماس وبها فرش كأنه العسجد , وأثاث لم ير له مثيلاً  فى حياته الدنيا وروائح من عطور ورياحين وورد وفل وياسمين , وزهور ونباتات غاية فى الجمال تحيط به من كل ناحية , وشجر ينبت بثمار بضة شديدة الحمرة مثل تفاح الدنيا ولكن لذته أشد وأعمق وأعناب وتمر وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة وعسل شهى مصفى ولبن لم يتغير طعمه وماء زلال غير آسن وخمر لا يذهب بالألباب , وزوجة طيبة حانية محبة أكثر بهاءاً وجمالاً من زوجته فى حياته الدنيا ,

 

كان يسأل نفسه وهو فى خضم رؤياه هل أنا مت وانتقلت إلى العالم الآخر وأدخلنى ربى جنات النعيم بعد أن غفر لى وصفح عنى ؟ ما هذا الإبداع الذى أراه وما هذا الجمال الذى يخلب الألباب ويأخذ بالعقول ويأسر القلوب ؟ ما هذه اللذات المنقطعة النظير ؟ بيت من ماس وفرش من عسجد ؟ واثاث ليس له مثيل وزوجة رائعة البهاء والسحر والجمال ؟ إننى أعرفها جيداً , إنها زوجتى وحبيبتى فى حياتى الدنيا ولكنها هنا أكثر حسناً وبهاءاً وروعة وجمالاً , سبحان ربى مالك الملك , ما هذا الذى أرى ؟ وما هذه المساحات المترامية الأطراف من الزرع والنبات بكل أنواعه واشجار الفاكهة وشتى أنواع الثمار الطازجة اللذيذة ؟ وما هذه المشروبات الجميلة التى لا يزول طعمها بل يزداد تأثيراً كلما مر الوقت ؟ هل فعلاً أنا فى الجنة ؟

وما هذه المخلوقات الجميلة الطلعة االبهية المنظر الرائعة الحسن التى تدخل علىّ  من كل باب يلقون عليّ  السلام ويحيونى  ثم يطيرون بأجنحتهم الرائعة المزركشة ويطوفون حول المكان  ؟ هل هؤلاء هم ملائكة الرحمة الذين قرأت عنهم فى القرآن الكريم وعرفت صفاتهم من آياته الكريمات ؟

 

لوحة 2 :

 

وعلى الجانب الآخر وفى نفس القرية يعيش السيد حاقد خبيث  يعود كل مساء مقطّب الحاجبين , سىء الطلعة قبيح المنظر ,  وشياطين العالم تتراقص على وجهه بعد يوم عسير من العمل الشاق فى الغش والنهب والسرقة وأكل حقوق الناس بالباطل والتهكم من الطيبين والإستهزاء بالصالحين لأنه يعتبر أن كل طيب فاعل للخير هو غبى لا يعرف مصلحته ويرى أن كل إنسان له عقل يفهم أو قلب يعقل يجب أن يستغل موقعه ومنصبه فى نهب الناس والضحك على ذقونهم والنصب عليهم لجمع أكبر قدر من الأموال ولتملك أوسع مساحة من الأرض وبناء أكبر عدد من العمائر التى تؤجر للناس أو تباع تمليك بأسعار خيالية .

 

يدخل حاقد خبيث  على بيته فيرفس الباب برجله ولا يلقى على أهل السلام ويلعن زوجته وأولاده ويطلب الطعام فيأتى له فى الحال أشهى أنواع الطعام فيلتهمها كأنه تمساح جائع ولا يحمد ربه ولا يعرف لله طريقاً , فهو فاسد مفسد دائماً شيطان شرير يكره الناس جميعاً ولا يطيق أن يسمع عن قصة نجاح حقيقى أو أن فلاناً قد وفق فى كذا أو كذا فما يلبث أن ينزل لعناته وغيبته ونميمته على جيرانه الطيبين وأهل بلده المخلصين ثم يقوم ليذهب إلى فراشه لينال قسطاً من الراحة بعد يوم شيطانى شاق فى الظلم والإستبداد والتخريب والتعذيب والتضييق على الخلق وبث الكراهية والحقد فى القلوب .

 

نام فى هذا اليوم نوماً عميقاً جداً فرأى نفسه مقيداً بسلاسل وجنازير من حديد ملتهب خرج للتو من نار قديمة ووجد مخلوقات عجيبة الشكل واللون والمشهد حمر العيون تخرج النيران من عيونهم ويحملون فى أيديهم مقامع من حديد يضربونه بها على وجهه وظهره ضرباً مبرحاً ثم يسحبونه على وجهه على أرض ملتهبة تنبت بالجمرات ورأى مخلوقاً مخيفاً يحضر له نبتة من شجرة إسمها الزقوم ويدخلها فى حلقه فتحرق حلقه وبطنه وتشعل النيران فى كل جسمه , ثم يطلب ماءاً فيأتيه مخلوق مخيف يصب فى فمه وجوفه ماءً يغلى كالمهل كغلى الحميم يقطع أمعاءه فيشربه باكياً متذللاً ويطلب الرحمة فلا يجيبه أحد ثم ينظر إلى أعلى بعيداً جداً فيرى جاره حامد الطيب يجلس فى قصر عظيم وحوله كل خيرات الله تعالى فيطلب منه أن يفيض عليه من هذا الماء الزلال أو الطعام اللذيذ الذى حرم منه ولم يعد يتذوق غير الزقوم والجمر والماء الذى يغلى فى بطنه كالمهل ,  فيرد عليه قائلاً أن الله حرمهما على الكافرين , ثم يرى أشباحاً عجيبة تحوم حوله وجوههم كان يعرفها فى الدنيا نعم إنهم هؤلاء الذين طغى عليهم وتجبر وظلمهم وقهرهم وعذبهم وحقر من شأنهم وسرق خيراتهم ونهب أرزاقهم , ولكنهم ليسوا هم إنهم مخلوقات تشبههم جاءوا نحوه يسومونه سوء العذاب بما قدمت يداه فى الدنيا الفانية التى غرته وغره فيها بالله الغرور .

كان يحاول أن يهرب من هذا العذاب الرهيب ولكنه كان يجد مخلوقات مخصصة للعذاب تقوم بإعادته إلى قعر جهنم فيستغيث ولا من مجيب ...ويطلب من أكبرهم قائلاً له أدع ربك يخفف عنا يوماً من العذاب فيرد عليهم قائلاً إنكم ماكثون ..

 

لوحة 3 :

 

زوجة حامد الطيب ذهبت لإيقاظه فلم يستيقظ لقد مات وقابل وجه مولاه سبحانه وتعالى , بكت بحرقة شديدة ولكن قلبها المؤمن بالله واليوم الآخر يأبى أن  تكون غير صابرة فأحاطوا بالرجل كما تحيط ملائكة الرحمة بعباد الله الصالحين ثم قاموا بعمل ما يلزم لأبيهم من غسل وصلاة عليه ودفن فى مقابر الغلابة فى لحد تحت الأرض واحتسبوه عند مولاهم ودعوا له بالرحمة والمغفرة .

 

وفى طريقهم إلى البيت بعد مراسم الدفن كانوا يقرؤن قول الله تعالى :

 

 (( وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْاْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرًا لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ

جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاؤُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللّهُ الْمُتَّقِينَ

الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ )) النحل 30-32

 

لوحة 4 :

 

زوجة حاقد خبيث  تدخل لإيقاظه ليستأنف ظلمه وجبروته ولكن الله تعالى يأبى ذلك فقد انتهت حياة حاقد الظالم ولم تعد لديه أى فرصة للتوبة إلى الله تعالى وقد عمره الله فى الأرض ما يتذكر فيه من تذكر ورأى نهاية  الذين ظلموا أنفسهم وتبين له كيف يفعل الله بالمجرمين وكيف يأخذهم أخذ عزيز مقتدر فلا يفلتهم أبداً ..

 

خرجت زوجته ونادت أولادها فى سعادة بالغة كأنها  عثرت على كنز , فجاءوا إليها مهرولين غير مصدقين أن الظالم قد فارق الحياة وقد آن  لهم الأوان أن يذوقوا طعم الحياة ولذتها ويتمتعوا بما تركه لهم من ثروة طائلة وليذهب هو إلى الجحيم وبئس المصير .

 

ثم قاموا بعمل إجراءت دفنه فى مقابر الأغنياء الشاهقة المحلاة بالرخام والمرمر والتى يقوم على خدمتها عدة اشخاص مقابل راتب شهرى ويذهبون كل خميس لنشر العطور حولها وتوزيع الأكل والفاكهة والفلوس على فقراء المقابر طالبين منهم الدعاء للفقيد .

 

وعند المقابر سمعوا رجلاً يتلو قوله تعالى :

 

 (( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

 

فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ )) النحل 28- 29

لون حقيقى فى لوحة مزيفة ( قصة قصيرة )

كان الأستاذ  ( حسين )    مدعواً فى حفل هام لأنه صديق صاحب الحفل , وكان يعرف أن صديقه  مهران ( صاحب الحفل ) رجلاً مشهوراً وذا ثروة ومال وسلطان ويتجمع حوله عدد هائل من أصحاب المال والثروة والسلطة لتقديم التهانى والهدايا فهم يعلمون وزنه جيداً وتأثيره فى أشياء كثيرة مصيرية تتعلق بأعمالهم التجارية ومشاريعهم ومكاسبهم .

 

إرتدى الأستاذ حسين  أحلى ما عنده وهو بدلته الوحيدة التى يحتفظ بها لهذه المناسبات ولأنه يعرف تأثير المواصلات العامة عليها فقد آثر تأجير تاكسى حتى يحافظ على هندامه وبذلته بدون تكسير أو تعرجات يخرجه عن المألوف فى حفل سيضم الكبار والمشاهير وفى الطريق كان مشغولاً جداً فهذه المرة الأولى التى يستجيب فيها لدعاوى صديقه بحضور مثل تلك الحفلات , ثم إنه غير مؤهل للتخاطب مع هؤلاء القوم بلغتهم فهم ليس لهم غير لغة واحدة هى لغة المكسب والخسارة , والتحدث عن اشهر المليارديرات فى العالم وقصصهم الأسطورية وكيف جمع كل منهم ثروته .

 

لم ينس فى طريقه أنه أيضاً موظف كبير فى وزراة المواصلات وعلى درجة مدير عام  , صحيح أن راتيه مع الحوافز تكفيه بصعوبة بالغة ولكنه كما يقولون مستور , يربى أبناءه الثلاثة فأحدهم فى الجامعة والثانى فى الثانوى والصغير فى الإعدادية , طبعاً هو حريص على تعليمهم أعلى المبادىء والقيم والمثل العليا وحريص على تذكيرهم دائماً بقراءة القرآن وإقام الصلوات الخمسة وهم طيبون مطيعون يعرفون لأبيهم وأمهم قدرهما ويكنان لهما كل الإحترام والتقدير .

 

لم يكن مشهوراً ولم يعرفه أحد من المدعوين للحفل غير صديقه الذى كان زميلاً قديماً له فى دراساته الثانوية والجامعية , ولكن هذا الزميل ( الثرى ) عرف طريقه منذ البداية فبدأ مرحلة التجارة والبزنس مذ كان طالباً بالجامعة حتى إذا تخرج منها كان لديه محلان أحدهما مطعم والآخر للملابس الجاهزة وقام برعايتهما وتزويد البضائع فيهما والسهر عليهما والإهتمام بهما حتى اتسعت تجارته وزادت ثروته وأصبحت العمارة التى كان يستأجر فيها شقة عمارته , وركب سيارة عادية تطورت مع الوقت إلى فارهة ثم استثمر أمواله بذكائه ودهائه وشطارته فتعرف على علية القوم وعمل لهم العزائم والولائم وقدم لهم الهدايا والتحايا فعملوا الواجبات وقدموا له العديد من التسهيلات حتى صار مليونيراً شهيراً ورجلاً من رجال الأعمال كبيراً .

 

أما هو فعاش محباً للعلم والثاقفة والقراءة والإطلاع عاشقاً لكل جديد فى عالم القصة والشعر والأدب الرفيع , كان يحفظ أسماء كبار ومشاهير الأدباء والمؤلفين والمفكرين وأنفق معظم ماله على شراء كتبهم وقصصهم وكان يسافر من محافظة إلى أخرى لحضور منتدى أدبى أو ندوة شعرية وكان يشارك فى بعض الأحيان ببعض إنتاجه الشعرى والأدبى ,وحصل على بعض الجوائز التقديرية فى مسابقات أدبية تقدم لها .

 

  وهكذا كانت كل تلك الأفكار تجول بخاطره ولكن ياترى هل يمكن أن يلتقى فى هذه الحفلة بمن يقدر علمه وأدبه وشعره وهواياته الثقافية ؟ هل يمكن أن يقابل شخصاً مثله عاشقاً  للقراءة والإطلاع والتعلم محباً للأدب والشعر والثقافة بكل أنواعها من تاريخ إلى فلسفة إلى كتابات دينية لمشاهير العلماء والكتاب والمفكرين ..؟؟

 

دخل الحفلة بعد إتصال تليفونى بصديقه وهو خارج القصر المنيف فأرسل له صديقه من يستقبله ثم دخل القصر فاستقبله صديقه أحسن استقبال ودخل به الصالة الكبرى فى الحال فالتف حوله الأصدقاء معتقدين أنه  ( بزنس مان)   مثلهم وسيقدم خدماته لهم أو مسئولاً حكومياً يمكن إستمالته نحوهم والتأثير عليه بما يخدم مصلحتهم , فلما عرفهم عليه وعرفه عليهم وأدركوا فى الحال أنه مجرد موظف غلبان قليل الحيلة , لا يهش ولا ينش ,  إنفضوا عن مجلسه وتركوه وحيداً ينظر فى بهو المكان شريداً كأنه عصفور سقط فى ماء أو سمكة خرجت إلى الهواء , فجاءه الخادم ببعض الشراب والحلوى فأخذ منها قطعة صغيرة وتنفس الصعداء وقال رب نجنى من هذا البلاء .

 

وما هى إلا دقائق معدودة حتى دخل السيد المسئول صاحب الصيت والصولجان عظيم الكنه والشان فقام الجميع منتفضين والتفوا حوله مرحبين وتكاثرت عليه عبارات الترحاب وجاءه الخادم بأغلى أنواع الشراب ووقفوا جميعاً ينتظرون جلوسه لعلمهم الكامل بحجم فلوسه , ولما جلس وأشار لهم بالجلوس , جلسوا حوله بنفس محبوس , ثم انهالت عليه الكلمات الجميلة وعبارات التكريم بكل وسيلة حتى ينالوا منه نظرة أو كلمة أو لمحة قليلة , فعسى أن يأتى من وراء تلك النظرة توقيعاً  ,   يجعل بضاعتهم فى السوق  أكثر مبيعاً .

 

هذا وصاحبنا  قد طواه النسيان وذهب فى خبر كان وتأكد أنه كان فعلاً الإنسان  ,  قبل أن يحكم عليه حظه العاثر بدخول هذا المكان الذى افقده ثقته بنفسه وشعوره وحسه ,حيث وجد نفسه فى ركن بعيد لا ينظر إليه أحد كأنه جرو أجرب , ولا يلقى أحد عليه التحية فكأنه بلوة أو رزية , وشعر أنه سقط فى بحر من السخرية ولم يعد يتمالك أعصابه فحتى صديقه الذى دعاه , لم يعد يتذكره وانشغل بكبار الزوار أصحاب المناصب والأموال , وحتى الخدم لم يعودوا يأبهوا به أو يقدموا له شيئاً من واجب الضيافة , فشعر أن هناك مؤامرة حيكت ضده بتدبير من صديقه مع الشيطان , وكأن صديقه يقول له ظز فيك وفى علمك وثقافتك , فها هو المجتمع يلفظك , ولا يهتم بك وعليك أن تجمع كل كتبك وكتاباتك وأشعارك ومؤلفاتك وتبلها وتشرب ميتها , وما هى إلا لحظات مرت كأنها الدهر وكاد يسقط مغشياً عليه ,  فتلمس الابواب وخرج منها خائفاً يترقب , كأنه لص سارق أو مجرم مارق , ولكن الله ستره فلم يسأله أحد عن سر مغادرته مبكراً دون أن يستأذن من صاحب القصر .

 

عاد إلى شقته ففتحت له زوجته وكانت تنتظره بلهفة ليحكى لها عن ليلة من ألف ليلة وليلة , فلما جاءها وقص عليها حكايته بكت بحرقة على ما تبعثر من كرامته , وقالت له خيب الله صديقك إنه عدو لدود ولا يعرف أنه سيأكله الدود ,   فتنهد الرجل كأنه يودع الحياة ثم نام نوماً عميقاً وألقت عليه زوجته اللحاف وقالت له مثلك لا يجب أن يخاف فأنت رجل مبادىء وقيم ومثل عليا , عشت شريفا وستموت شريفاً ولا تعرف من أين تؤكل الكتف كما عرف صديق عمرك ورفيق دربك , كانت تتكلم وهو فى سبات عميق لا يسمعها دخل فى نوم عميق فتركته حتى الصباح عسى أن يرتاح والهم عن قلبه ينزاح , ولما استيقظ من نومه شعر كأنه كان فى كابوس مخيف أو حلم كئيب سخيف , وتاب إلى الله وأناب وعرف أنه لو كان من أولى الالباب لرفض الذهاب ولكنه القدر والنصيب حتى يعلم أين يقف واين يعيش وكيف ينظر الناس للإنسان وما  هى معايير تقييمهم له , فلا الرجولة ولا الشهامة ولا الكفاح ولا تربية الأبناء ولا خدمة البلد ثلاثين عاماً كل ذلك ليس له معيار والتقدير الوحيد يكمن فى كم المال الذى تملكه والسيارة التى تركبها والعمارات التى تملكها وملايينك فى البنوك ومناصبك الحكومية ودفاتر شيكاتك ولا عزاء للمثل العليا وقام الأستاذ حسين فتوضأ وصلى لله ركعتين وبعدها إستغفر مولاه وقال فى نفسه ما أسوأ هذه اللوحة المزيفة  .

 



<<الصفحة الرئيسية