أحلامى

أحلم أن أستيقظ يومأ فإذا الشمس تبدد كل ظلام الكون وإذا الحب يهيمن ويدمر أصنام الحقد أحلم أن تبزغ فى لمحة عين كل بذور الأمل المدفون تحت جدار الخوف

صفحات من الذاكرة 2 .. ميت على أى حال

 

لم أشأ أن أطيل عليه فى الكلام حيث كان مرهقاً إلى أبعد الحدود رغم قوته الجسمانية وذكائه الحاد وعنفوان شبابه , كانت الكلمات تخرج من فمه كأنها دماء تنزف من جرح وكانت الحروف تتحشرج فى حلقه مثل حشرجة خروج النفس من الجسد وبلوغها الحلقوم , فقد طفح الكيل عنده وأصبح لا يطيق شيئاً حتى مجرد الكلام مع الأهل والأحبة والأصدقاء الذين دأب على ملاطفتهم والتحدث إليهم فى كل ما يخصه فى إسهاب شديد ودون أدنى مواربة .

 

لقد مرت سنوات سبعة على تخرجه  من كلية العلوم حيث قضى فترة الخدمة العسكرية على أكمل وجه وكان يحدوه الأمل فى مستقبل مشرق وغد أفضل يحقق فيه أمله المنشود كشاب يريد أن يعيش الحياة وينهل من معينها الصافى , يريد أن يكون له شقة يتزوج فيها من إبنة الحلال التى طالما حلم بها وراودت خياله , ويريد أن تكون له وظيفة يعمل بها بجد واجتهاد ويعيش حياة حرة كريمة على دخلها ويريد أن يشعر بوجوده وكنهه كإنسان جاء إلى هذه الحياة بحلوها ومرها وفرحها وحزنها وصعبها وسهلها .

 

لمحت فى يده جواز سفره ومبلغاً من المال لم أعتد على رؤية مثله معه , دفعنى فضولى لكى أسأله عن نيته فاضطر للتحدث معى , كان قد جهز نفسه للرحيل ولكنه لا يدرى إلى أين فاستخرج جواز سفر وأقنع أباه وأمه برغبته فى السفر لتحقيق حلم حياته , فاضطروا لتصديقه من كثرة دموعه التى لا تنقطع وشروده الذى لا ينتهى فقد فشل عشرات المرات فى الحصول على وظيفة محترمة يبنى عليها مستقبل حياته وهو الذى عاش متفوقاً حتى تخرج من كلية العلوم بتقدير جيد جداً , ولكن كل الآذان صمت فلم تسمعه وكل العيون عميت فلم تره وكل الألسن خرست فلم تنصفه وكل القلوب جدبت فلم تعطف عليه , وكل الايادى الرحيمة  بترت فلم تمتد له أى منها وكل الأرجل الحنونة خسفت فلم تسع له واحدة للوقوف إلى جواره فى محنته .

 

أضطر ابوه لبيع الجرن الخلفى من منزله بمبلغ لا بأس به , وقام بدفعه لأحد سماسرة الموت الذين يتاجرون بآلام الشباب وشقائهم وأحلامهم ورغباتهم , دفع تحويشة العمر وثمن الجرن الخلفى من منزل أبيه لذلك السمسار الذى كان قد اتفق معه ومع خمسين آخرين على تسفيرهم إلى ايطاليا عن طريق ليبيا  وأوهمهم أن لديه خطة رهيبة لا تفسد أبداً وأنه قد سفر المئات من قبل وصاروا اليوم مليونيرات فى إيطاليا , وهكذا زين لهم ذلك الشيطان  عملهم وأضل تفكيرهم فأصبحوا يرون جحيمه جنة وعذابه نعيماً ووعوده التى تبدو فى ظاهرها كأنها حقيقة أصبحوا يرونها الأمل والمخرج من مأزق الفقر والذل والعوز وضيق ذات اليد الذى يعيشه هذا الشباب الغض فى بداية حياته بعد أن نكس فى الشهادة العلمية التى أنفق عليها أهله دماء قلوبهم واصبحت تلك الشهادة مصدراً للحسرة والعذاب اليومى .

 

جلست معه محاولاً إقناعه بالرجوع عن قراره والإحجام عنه ولكن دون جدون فلقد اتخذ قراره ولم يبق غير التنفيذ  , حكيت له عن مئات الشباب الذين غرقوا فى البحر الأبيض المتوسط وكيف خدعهم هؤلاء السماسرة وحكيت له عن بعض السماسرة المجرمين الذين قتلوا بيدهم بعض الشباب وألقوا بالبعض الآخر فى عرض البحر ليصبح طعاماً للقروش , قصصت له الكثير عن الضحايا ضحايا وهم السفر الغير شرعى إلى أوروبا , ولكنه لم يسمعنى ولم يرنى ولم يهتم بوجهة نظرى  فقد اتخذ القرار , ذهبت إلى أبويه وتكلمت معهما , عرفت أنهما لا حيلة لهما معه وأنهما أضطرا لإرضائه لأنه كل يوم يهددهم بقتل نفسه بالسم أو أى  وسيلة , خافوا عليه فباعوا جرن المنزل ( وهو الجزء الفضاء الخلفى من منزلهم ) للجيران وأعطوه الفلوس ليسافر بها ,

قلت لهم ليته يفتح بهذا المبلغ مشروعاً صغيراً حتى ولو كشك بيبع فيه بعض الأشياء سوف يمشى الحال وتتحسن الظروف فحكوا لى عن قصته منذ أربع سنوات مع مشروع مشابه وكيف أن الروتين والإجراءات الحكومية والضرائب والتأمينات أجبرته على التراجع وعدم المضى وذاق وقتها مرارة الفشل وأشرف على الإنتحار .

 

كانا يتحدثان معى وعيونهما تقطر دماً لا دمعاً حتى أبكيانى معهما , وشعرت بالعجز لأول مرة فى حياتى وكرهت الحياة تساءلت ولا زلت أتساءل اين يذهب هذا الشاب بعد قصة طويلة من التعليم والنجاح والتفوق ؟ وماذا يفعل أبواه المسكينان الفقيران بعد أن يريا فلذة كبدهما يضيع أمامهما هذا الضياع وقد شارف عمره على الثلاثين وهو لا يملك قرشاً ولا يعرف أن يطعم نفسه من عرقه ؟

 

كانت الجملة الوحيدة التى قالها لى حين كنت أحاول أقناعه بالعدول عن السفر هى ( أنا ميت على أى حال ) ...

 

لم يمض أكثر من عشرة ايام حتى رجع مع عشرات من اقرانه جثثاً هامدة بعد أن غرق بهم مركب الموت والخداع كما غرق بمئات قبلهم , وكانت جنازته مهيبة تجمدت فيها الدموع فى العيون وكبتت الكلمات فى الصدور , ولم يترك لأبويه وأهل قريته غير حزن وحسرة وقلوب حزينة على فراقه وفراق أقرانه ضحايا الغدر والظلم والفقر .

أمومة

الأم مدرسة إذا أعددتها
أعددت شعباً طيب الأعراق

دراسات قرآنية : من تجليات إسم الله ( المهيمن ) ..

 

 

 

 

 

 

من أسماء الله العلى القدير ( ألمهيمن ) وهو إسم الفاعل لفعل ثلاثى الأصل هو ( همن) ومعناه القائم على خلقه و ألذى يحكم سيطرته بشكل تام على مانراه وما لا نراه وعلى ما ندركه وما لا ندركه وعلى ما نعلمه وما لا نعلمه  ومعناه أيضاً ( أمن ) ويفهم منه أن الله تعالى قد أمن عباده من أن يظلمهم فقال عن نفسه ( ولا يظلم ربك أحداً ) وقال العرب أن الفعل ( همن ) يقال عن الحزام والرباط إذا شد بقوة حول الظهر لحمايته وتأمينه ,  ولذلك فإن الله تعالى خلق هذا الكون المترامى الأطراف بقدرته من العدم وسيطر عليه ( هيمن عليه )  وقال له كن فيكون فى فترة زمنية حددها الله تعالى بستة أيام لتقريب المعنى للعقل البشرى الذى لا يستطيع أن يستوعب ملكوت الله وقدرته , إلا من خلال القدرات الربانية التى أودعها الله تعالى فى هذا العقل .

 

ولما أراد الله تعالى أن يجعل للقرآن وصفاً نهائياً مقارنة بكتبه السماوية السابقة للقرآن فقد قال الله تعالى عن القرآن وعلاقته بما سبقه من وحى سماوى ( ومهيمناً عليه ) أى شاهد عليها و قائم على ماسبقه من كتب بالحجة الدامغة القوية وكذلك هذا القرآن يؤمن كتب الله السابقة من أى تحريف وقد قيل أن كلمة ( مهيمن ) قد تنطق ( مؤأمن ومؤيمن ) فقلبت الهمزة الأولى هاءً والثانية ياءً ,  ومعناها ضمان الأمان والأمن من التحريف لكل كتاب سابق أى يستطيع القرآن بما فيه من ميزان إلهى أن يكشف أى زيف أو تحريف فى الكتب السماوية السابقة  إذا قيست عليه ووزنت بميزانه الحق .

 

 

ومن مفردات الهيمنة الإلهية على مخلوقاته أننا نتحرك حركاتنا الديناميكية سواء حركات الجسم الخارجية أو حركات الأعضاء الداخلية كالقلب والدم والكليتين والكبد والمعدة وغيرها لا تحدث تلك الحركات إلا بقدرة الله تعالى الذى يحرك الأشياء كلها ويسيرها بهيمنته ومقدرته وعلمه بداً من دورات الجسيمات الميكروسكوبية ( مثل الإلكترون واالنيوترون والبوزيترون ) داخل الذرة وليس إنتهاء بحركة النجوم العظيمة والكواكب العملاقة حول الشمس فى مجرتنا وغيرها من المجرات الأخرى .

 

 

كل ذلك يتحرك بقدرة الله تعالى وقد وضح لنا ربنا فى كتابه العزيز ذلك حين قال ( وهو الذى يسيركم فى البر والبحر ) , وهذا لا علاقة له  بالسلوك الشخصى للإنسان وهو السلوك الذى يعتمد على القرار الشخصى لفعل كذا أو عدم فعله وهو ما يسمى بالإرادة الإنسانية الحرة والتى سيحاسب الإنسان بناءاً عليها يوم القيامة حيث تأتى كل نفس تجادل عن نفسها ويود الكافر والمجرم لو يفتدى يومئذ من عذاب ربه بصاحبته و بنيه وأمه وأبيه وفصيلته التى تؤيه ومن فى الأرض جميعاً ثم ينجيه .

 

يذكر القرآن العظيم أمثلة عديدة توضح للمتدبر فى آياته أن الله تعالى يسير البشر والحجر والبحار والأنهار والسماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى بقدرته جل وعلا , وسوف نقتطف بعض هذه الأمثلة التى جاءت بكتاب الله العزيز دليلاً على هيمنته سبحانه على الكون من الذرة إلى المجرة :

 

أولاً : النهر يسمع ويطيع :

 فى قصة نبى الله ورسوله موسى ص عندما حكى القرآن الكريم عن طغيان الفرعون على قومه يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيى نساءهم إنه كان من المفسدين ولأن الله تعالى يريد أن يمن على الذين استضعفوا فى الأرض ويجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين , ويمكن لهم فى الأرض ويرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون , فإن الله تعالى يدبر ويمكر وهو خير الماكرين سبحانه ويسخر لتدبيره كل ما ومن شاء بهذا الكون لتنفيذ ما دبره مالك الملك جل وعلا , ولما كانت قصة إنقاذ بنى إسرائيل من براثن الفرعون وملئه تبدأ بميلاد موسى عليه السلام فقد أوحى الله تعالى لأم موسى أن تضعه فى صندوق ثم تضعه فى النهر حتى لا يقتله جنود الفرعون ثم نرى هنا من تجليات هيمنة الله على كونه تسمع أمر الله تعالى للنهر  حين كان الصندوق يسبح فوق مياهه حاملاً الطفل الرضيع موسى فقال الله تعالى للنهر (أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ) طه 39,

 

 يخضع النهر  لأمر ربه ويقول سمعاً وطاعة يا ربى ويقوم بزحزحة الصندوق حتى يرسو على شاطىء النهر  ويصل تحت قصر الفرعون فيمتثل الجميع لهيمنة الواحد الأحد ويقوم الخدم بإخراج الصندوق ليجدوا الطفل ويعرفوا أنه من بنى إسرائيل حيث لا يمكن أن يفعل هذا الفعل غيرهم خوفاً على أبنائهم من القتل على يد جنود الفرعون , ثم عندما يهموا بقتله تصرخ إمرأة الفرعون : 

 

(وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ  ) القصص 9

 

 فيمتثل الفرعون السفاح القاتل لطلب زوجته ( وهى المرأة الصالحة التى ضرب الله بها مثلاً للذين آمنوا مع مريم إبنة عمران ) ويدخل الطفل موسى قصر الفرعون ويتربى فيه كأمير ملكى له خدم وحشم ورعاية خاصة , ثم يشاء الله ( المهيمن) أن يرفض موسى كل المرضعات حتى يشيع الخبر أن الطفل الملكى لا يرضع فتذهب أخته التى كانت تتحسس أخباره  لحظة بلحظة بأمر أمها :

 

 (وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ  ) القصص 11

 

وتعرض عليهم مرضعة ممتازة  أقنعتهم بها ,  سيسعد بها الطفل (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ )  القصص 12  ,       ثم يصدر الأمر الملكى بإحضارها تنفيذا لأمر الله تعالى المهيمن على كل القلوب حتى قلوب الكافرين  :

 

 (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) القصص 13    

 

.. وهكذا تكتمل منظومة الهيمنة الربانية على قصة الطفل موسى لينجو بأمر ربه من القتل ويشترك الجميع فى تنفيذ فعل الهيمنة التى أرادها الله تعالى لتنفيذ أمره تعالى فاشترك فى ذلك أم موسى ( بوحى ربها ومشيئته) والصندوق الذى حمل موسى ثم موج النهر  الذى أطاع أمر ربه ونفذه بدقة بالغة ( فليلقه اليم بالساحل ) ثم الخدم الذين أخرجوا الصندوق من النهر ثم إمرأة الفرعون ( المؤمنة بربها سراً ) ثم الفرعون الذى أصدر قراراً بعدم قتل موسى ثم أخت موسى التى راقبت الموقف كاملاً دون أن يشعروا بها ثم الفرعون مرة أخرى عندما قرر إحضار المرضعة الجديدة والتى كانت أم موسى , وكل ذلك تنفيذاً وطاعة وامتثالاً لأمر الله الحى القيوم الذى لا تأخذه سنة ولا نوم وليكتمل فعل من أفعال الهيمنة الإلهية .

 

ثانياً : النار تسمع وتطيع :

 قصة خليل الله إبراهيم ص عندما ولد طفلاً ونشأ صبياً ذكياً لأب يصنع الأصنام ويبيعها للناس لكى يعبدوها , ونشأ فى قوم يسجدون للحجارة ويقدمون لها القرابين ليل نهار ويعبدونها فى خشوع وخضوع , فتعجب من أمرهم ولم يقتنع بضلالهم وشعر أن هناك خطاً جسيماً وقع فيه أبوه وقومه فراح يعمل عقله فى ملكوت الله ويبحث عن الله فى كل مكان حتى تابع حركة النجوم والكواكب والشمس والقمر , وظن لوقت قليل أن الله قد يكون واحداً من هؤلاء ولكن فى كل مرة كانوا يأفلون جميعاً فأسلم وجهه للقوة الأعظم التى خلقت بقدرتها اللانهائية كل هذا الكون المديد وقال  :

 (فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ  *  إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) الأنعام 78,79,

 

أنظر هنا لقوله ( للذى ) فلم يكن يعرف قبل ذلك إسم الله تعالى ولا أى إسم من أسمائه الحسنى ولكنه توصل بفطرته السليمة وقلبه الطاهر إلى إسم الله ( الفاطر) أى الخالق , ثم ذهب بفتوة الشباب وقد عرف الحق وعرف أن للكون خالقاً عظيماً خلقه وقدره بعلمه وأن قومه ضالون ضائعون مضلون فذهب إلى معبدهم وكسر أصنامهم إلا كبيراً لهم   لعلهم إليه يرجعون  , فلما أصبح الصبح وذهبوا لعبادة أصنامهم وجدوها محطمة أجزاءاً صغيرة ( قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين ) فرد آخرون ( سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ) فأحضروه بسرعة فائقة وسألوه ( أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم ) فقال ساخراً منهم ( بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون ) وفى هذه اللحظة رجعوا إلى أنفسهم وتحدث بعضهم لبعض قائلين ( إنكم أنتم الظالمون ) ثم لحق بهم الشيطان الرجيم وأعادهم إلى الكفر والضلال فقالوا لإبراهيم ( لقد علمت ما هؤلاء ينطقون ) .. فقال لهم الفتى النبى الرسول الصادق (قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ  *   أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) الأنبياء66-67     

 

      فكان قرار الكفار هو

 (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ)الأنبياء 68 

 

 ولكن قرار الله المهيمن على كل شىء كان قد سبق قرارهم

 

 (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ   *  وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ) الأنبياء 69-70

 

فأمر الله تعالى النار أن تتحول إلى برد وسلام على إبراهيم ( وقلنا يا نار كونى برداً وسلاماً على إبراهيم ) وهكذا نرى تجليات فعل الهيمنة ونرى كيف يسيطر الله تعالى على كل مخلوقاته وتخضع لأمره وتطيع وتنفذ صاغرة ذليلة متقربة إلى ربها بالطاعة فتخضع النار وتطيع خالقها سبحانه وتتحول بقدرة الله تعالى إلى برد وسلام على إبراهيم النبى الرسول الطيب الصالح الذى عبد الله وحده بلا شريك وكان يريد الخير لأبيه وقومه ولكنهم قوم لا يعقلون , فتركهم إبراهيم ص مهاجرا إلى ربه واصطحب معه لوطاًُ ص وهاجرا إلى الله تعالى لنشر الحق والفضيلة والخلق الكريم على ربوع الأرض الطيبة

(وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ )الأنبياء 71.

 

ثالثاً : الحوت يسمع ويطيع :

  قصة نبى الله يونس ص مع قومه وكلنا يعرفها حيث أرسله الله تعالى فى قومه ليدعوهم إلى عبادة الله الأحد وعدم الإشراك به ويدعوهم للتحلى بالخلق الكريم والمبادىء السامية والمثل العليا , ولكنهم استكبروا فى الأرض وأبوا أن يؤمنوا وتهكموا من يونس ورسالته فحزن منهم حزناً شديداً وغضب عليهم ثم ترك لهم القرية وهرب من ضلالهم وكفرهم بعد أن يئس منهم  

 

( وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ  ) الأنبياء87 ,  

 

  وبعد أن هرب ركب فى الفلك ليسافر مبتعداً عنهم وهو ضجر منهم قانط من إيمانهم فلما ركب فى الفلك قامت رياح شديدة وكانت على وشك الغرق فقام ربان السفينة بالمساهمة أى الإقتراع بين الركاب فمن يقع من الإقتراع يكون مصيره أن يلقى بنفسه فى البحر ليفتدى الآخرين , ومن العجب أن الله المهيمن قد ساق يونس لهذا الإختبار العسير وكان مطلوباً منه أن يشترك فى المساهمة فوقع عليه الإختيار فألقى بنفسه فى الماء فداءاً للآخرين فالتقمه حوت عملاق وابتلعه داخل معدته فظل يونس يحمد ربه ويستغفره ويتوب إليه ويسبح له وهو فى بطن الحوت فشمله الله برحمته التى وسعت كل شىء وأمر الحوت أن تلقى بيونس من بطنها على الشاطىء فاستجاب الحوت لأمر مولاه العزيز القدير المهيمن على كل صغير وكبير وأخرجت يونس ص من بطنها وألقت به تحت شجرة من يقطين فلما افاق أكل منها واستظل بها حتى استرد عافيته

يقول تعالى فى هذا :

 

(وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ    * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ   *  فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ  * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ  * فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ   *  لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ  *  فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ  *وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ  * وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ  * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ) الصافات 139-148

وأراد الله المهيمن على القلوب أن يثبت ليونس أن الله يستطيع هداية البشر أجمعين لو اراد ذلك :

 

(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ  )  يونس 99

 

ولكنه سبحانه وتعالى يترك كل إنسان يختار بحرية إما الإيمان وإما الكفر ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)  , فأرسل الله نبيه يونس بعد أن أفاق واسترد صحته المنهكة وعافيته أرسله إلى مئة ألف إنسان أو يزيدون فآمنوا له وآمنوا معه بالله رب العالمين .

 

رابعاً : السماوات والأرض والنجوم تسمع وتطيع :

يتحكم الله تعالى فى ملكه بقوة لا نهائية حكيمة مدبرة فيظل كل كوكب يجرى فى مساره المحدد الذى قدره الله تعالى له بقوى مختلفة من الجاذبية إختص الله تعالى النجوم والكواكب بنسب متفاوتة تسمح لها بالبقاء فى مسارها دون أن تحيد عنه (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ *  وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ  * لا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ  ) يس 38-40

 

ليس ذلك فحسب بل إن هيمنة الله على كونه تتحكم فى كل صغيرة وكبيرة فيه يقول تعالى :

(الم تر ان الله سخر لكم ما في الارض والفلك تجري في البحر بامره ويمسك السماء ان تقع على الارض الا باذنه ان الله بالناس لرؤوف رحيم ) الحج 65

 

ويقول تعالى :

(ان الله يمسك السماوات والارض ان تزولا ولئن زالتا ان امسكهما من احد من بعده انه كان حليما غفورا ) فاطر 41

 

وأخيرا :

هذا غيض من فيض مما فتح الله علينا به من تجليات معانى إسم الله المهيمن ولو أطلقنا للعقل العنان لما كف عن الكتابة حتى يتوفانى الله تعالى , فمن هذا الذى يستطيع الإحاطة علماً بكل معانى إسم من أسماء الله تعالى ؟؟ .

 

فسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .

صفحات من الذاكرة

الصفحة الأولى


 

كان لى صديق طبيب يعمل بالسعودية لمدة سنة واحدة  ثم رجع لمصر وفى إحدى لقاءاتى به حكى لى الحكاية التالية ( بعد إعادة صياغتها) :

 

كنت أسير فى أحد شوارع مدينة القصيم ( بريدة ) بالسعودية لشراء بعض حاجياتى بعد الدوام الصباحى الذى ينتهى الثانية عشرة  ظهراً , وكانت معى زوجتى وبسبب قرب المحل من المكان الذى نقطنه لم نركب تاكسى أو غيره ومشينا على الأقدام , وكنا نتبادل أطراف الحديث ونحلم بقرب نهاية العام لكى نعود إلى مصر للقاء الأهل والأحبة , وكم تعلمنا الغربة دائما أن مصر الحبيبة هى أمنا وأم الدنيا .

 

شعرت بأقدام تقترب منا ثم بيد قوية تمسك بكتفى وتهزه بقوة ساحقة فالتفتت بسرعة سائلاً :

 

من أنت وماذا تريد ؟ وعندما رأيته ورأيت طول لحيته وشكل جلبابه والسيارة التى نزل منها عرفت أنها سيارة هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر كما يسمونها هناك ,

 

 فقلت متعجباً : وما شأنك بى ؟

 

 قال : أنا هنا الذى يسأل وأنت تجيب فقط أين تذهب ؟

 

 فقلت أللهم اخزيك يا شيطان - فى نفسى-  وقلت أنا ذاهب مع زوجتى لشراء بعض حاجياتنا ..

 

فقال : وكيف تسمح لزوجتك بالخروج سافرة ؟ الا تعرف أنك تخالف الشريعة بهذا السلوك ؟

 

فقلت له لا لا أعرف كل ما أعرفه أننى شخص مصرى مسلم  طبيعى ولم تغطى زوجتى وجهها  طوال حياتها ..

 

 قال آه نعم هذا هناك فى مصر ولكن هنا يوجد إلتزام ولا نسمح بمثل هذا العبث ..

 

 فقلت :  عن أى عبث تتحدث .. إننى أعيش هنا منذ عام كامل  ولم أتعرض لمثل هذا الأمر من قبل .

 

قال متهكماً : ولكنك وقعت هذه المرة

 

 فلم أتحمل وقلت له بصوت عال جداً : نعم ماذا تقول ؟ وقعت ؟ لماذا هل وجدت معى زجاجة خمرة أم قطعة حشيش ؟ هل وجدتنى أمارس فعلاً فاضحاً فى طريق عام ؟ ماذا تقول يا رجل ؟

 

فأمسك بجاكت البدلة التى ألبسها بطريقة خشنة وتدعو للقرف والإشمئزاز فأمسكت بيده بعنف شديد وعصرتها فى يدى فنظر لى نظرة حقد كأننى ارتكبت جريمة أو قتلت قتيلاً وقال بلهجة متعجرفة ستدفع ثمن ذلك غالياً ,

 

 فقلت له تأدب يا هذا واحترم نفسك , أنا لم أخطىء فى حق أى أحد ولم أرتكب جرماً فى هذا البلد لكى أعامل بهذه الطريقة البربرية ,

 

 فاندفع قائلاً : تقول بربرية ؟ كل ذلك محسوب عليك ....من يريد العمل هنا يجب أن يحترم قوانين المملكة وأن ينصاع لها ولا يفعل أى شىء يخالف هذه القوانين

 

فقلت : واين هى هذه المخالفة ؟ نحن نمشى فى حالنا وفى أمان الله ولم نعتد  على أحد ولم نسرق أو ننهب أو نقطع الطريق فماذا فعلنا ؟

 

فقال : هنا إلتزام بنقاب المرأة وزوجتك لا تغطى وجهها وهذا يخالف قوانين الهيئة .. ومن لا يريد الإلتزام لا يحضر هنا .

 

قلت بعد إذنك أريد الإنصراف فضحك باستهزاء شديد قائلاً : تريد الإنصراف ؟ بعد التحقيقات إن شاءالله

 

 فقلت له : أى تحقيقات ؟

 

 فقال تحقيقات خروج زوجتك سافرة بدون نقاب وتعديك على رجال الهيئة بألفاظ غير لا ئقة .

 

 فطلبت منهم أن أقوم بتوصيل زوجتى للمسكن فسمحوا لى بذلك وذهب معى أحدهم بسيارة الهيئة  وانتظرنى حتى أدخلت زوجتى شقتنا وخرجت له .

 

لن أحكى لكم عن حالة زوجتى النفسية والعصبية وكيف انهارت فى بكاء شديد وكرهت المكان وتمنت الموت وطلبت منى مغادرة البلد فوراً والعودة لبلدنا وأهلنا وأحبابنا .

 

وحملونى معهم فى السيارة وهناك طلبوا منى أن أتوضأ وأصلى ركعتين ثم جلسوا يوجهون لى العديد من النصائح والتهديدات لو تكرر ذلك مرة أخرى وكأننى قد ارتكبت جريمة أو فاحشة من الكبائر  ثم صرفونى من مبنى الهيئة  بعد عدة ساعات وبعد أن وعدتهم بأن ترتدى زوجتى النقاب وألا أسير فى الشوارع أثناء الآذان والصلاة , ولكننى عندما رجعت لشقتى قررت مع زوجتى الرحيل وعدم العودة .



<<الصفحة الرئيسية