أحلامى

أحلم أن أستيقظ يومأ فإذا الشمس تبدد كل ظلام الكون وإذا الحب يهيمن ويدمر أصنام الحقد أحلم أن تبزغ فى لمحة عين كل بذور الأمل المدفون تحت جدار الخوف

هل هجر المسلمون القرآن فعلاً ؟

إستنباط معنى قوله تعالى ( لم يخروا عليها صماً وعمياناً )

 

كيف يكون القرآن الكريم مهجوراً لدى أغلب المسلمين رغم هذا الكم الهائل من مئات الملايين من  المصاحف المطبوعة على أعلى مستوى من التقنية الحديثة ، وهذا الكم الهائل من الأشرطة المسجلة لعشرات الآلاف من المقرئين ما بين ترتيل وتجويد ، وهذه الأعداد اللانهائية من السى دى هات التى تحمل كل سى دى منهم آيات القرآن العظيم ما بين مكتوب ومقروء بعشرات الأصوات الرخيمة والباكية والشجية ، حتى أن الموبايلات ( التليفونات المحمولة ) غدت مكتظة بآيات القرآن الكريم ذهاباً ورواحاً ، وكلما ذهبت هنا أو هناك واجهتك الأشرطة المسجلة فى سيارات الأجرة والميكروباصات والمحلات والمطاعم والمقاهى والكوفى نيت ومحلات بيع الأشرطة وأماكن أخرى كثيرة وكلها قرآن يتلى على المسامع والآذان فى كل لحظة من لحظات الحياة ، فكيف يتهم الرسول الخاتم صلوات ربى وسلامه عليه قومه  يوم القيامة بأنهم بعد كل هذا الزخم قد إتخذوا كتاب الله تعالى مهجوراً ؟؟؟؟

 

ألا يدفعنا ذلك لتدبر وفهم قول الله تعالى

:

 ((وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا )) ألفرقان   30   ؟؟

 

كيف هجروه وهو معهم أينما ذهبوا وأينما عادوا ؟ كيف هجروه وهو فى أحضانهم ليل نهار ، بل ويضعونه فى جيوبهم لقراءته فى المواصلات وفى أوقات الفراغ على مكاتب العمل ؟ كيف هجروه وهم يستمعون لإذاعة القرآن الكريم ليل نهار ويدفعون الغالى والنفيس فى شراء الأشرطة والإسطوانات المسجل عليها القرآن والخطب الوعظية ؟ كيف هجروه وهم يضعونه تحت الوسائد وفى غرف النوم لحفظهم من كيد الشيطان الرجيم ويضعونه معلقاً أو فى صندوق حريرى فخم على تابلوه السيارة لحفظهم من الحوادث ؟ كيف هجروه وهم يعملون منه الأحجبة لمرضاهم النفسانيين ولأطفالهم لحفظهم من عيون الحاسدين ؟ كيف هجروه وهم يتلونه على موتاهم بين القبور طلباً للرحمة والعفو والمغفرة من الله تعالى ؟؟

 

ما هذه التهمة المفزعة والتى يجب أن تقض مضاجع من كان لهم قلوب أو ألقوا السمع وهم شاهدون ؟ المسلمون بعد كل هذا الجهد الجهيد من حفظ القرآن فى المدارس والمعاهد وتفسيره على  يد المئات من العلماء والمجتهدين وعمل المعاهد والجامعات المختصة فقط بالقرآن ، وتعطى شهادات علمية تخصصية فى فقه القرآن وعلومه وآدابه ونحوه وصرفه وبلاغته موع ذلك ينتظرهم هذا الإتهام الذى هو فى الحقيقة ليس إتهاماً ولكنه واقع أكيد لا فرار منه مهما كان من وسائل إهتمام بالقرآن كما سبق وأسلفت أعلاه ، فما هى الحكاية وما هو الموضوع وما هى الحقيقة ؟ تعالوا بنا نطوف ونتدبر قول المولى عز وجل وهو يعدد صفات عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ، يقول عز من قائل من ضمن صفات عباد الرحمن الذين هم النموذج الأمثل والأعلى الذى يحبه الله تعالى لعباده يقول عنهم :

 

((وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا )) الفرقان 73

 

من بين صفات عباد الرحمن الصالحين أنهم إذا ذكروا بآيات ربهم سواء عن طريق تلاوتها بأنفسهم أو قيام آخرين بتلاوتها عليهم ، فإنهم لا يستمعوا إليها وهم يلعبون أو يلهون أو يستهزءون ، ولكنهم – عباد الرحمن -  يعطون لآيات الله تعالى حين يقرؤها أو يسمعوها كل عقولهم وقلوبهم وآذانهم مسخرين كل هذه الحواس لفهمها وتدبر معانيها والتوصل إلى عميق حقائقها والوقوف على أسبابها وأهدافها وأوامرها ونواهيها ، وتحسس ما بها من دعوة لأخلاق حميدة ونهى عن أخلاق ذميمة ، والسعى خلف معانيها لتلمس ما بها من أنوار تضىء القلوب بذكر الله وكلماته التامات ولذلك يقول جل من قائل :

 

)) وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (( الأعراف 204

 

فالإستماع للقرآن مجرد إستماع لا أهمية له ولكن الإنصات هو الأساس ، لأنك بإنصاتك لقول الله تعالى تتمكن من تدبر آياته وفهم معانيها من خلال سياقها فى السورة فلا يصح أن تقتطع آية من سياقها دون فهم ما قبلها وما بعدها كأن تقول مثلاً ( فويل للمصلين ) ثم لا تتبعها بقوله تعالى ( الذين هم عن صلاتهم ساهون ) ، أو تقول (ولا تصل على أحد منهم مات ابداً ) دون أن تذكر ما قبلها وما بعدها ليعرف المستمع أن الله تعالى ينهى رسوله ص عن الصلاة على المنافقين لأنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون ، ولا يصح أن تقول واصفاً رسول الله ص ( وما ينطق عن الهوى ) دون أن تذكر قوله تعالى ( إن هو إلا وحى يوحى ، علمه شديد القوى ... الآيات ) لكى يعلم المستمع الحصيف أن رسول الله ص لا ينطق هذا القرآن الكريم عن هواه أو من تلقاء نفسه ولكنه ينتظر وحى الله تعالى إليه فينطق به بعد نزول الوحى .

 

وعندما تنصت ( لا تستمع فقط ) فإنك ستعى وتفهم ماذا يريد الله تعالى أن يعلمك من قرآنه العظيم ، وستعلم الفرق بين الحق والباطل وبين النور والظلام وبين الضلال والهدى  ، وستعرف بإنصاتك لكلام الله تعالى كيف تتدبر آياته لتصل إلى معنى معين تريد فهمه ، أو تشريع تريد الوقوف عليه أو أمر أو نهى من أوامر الله تعالى ونواهيه التى يعلم بها عباده كيف يستقيمون فى هذه الحياة ويصبح كل منهم  مثلاً يحتذى ونبراساً يقتدى به الناس ويقلدونه فيما يفعل من تعلم وتدبر آيات الذكر الحكيم .

 

إن قول الله تعالى :

 

((وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا )) الفرقان 73

 

هو مفتاح آية هجران القرآن ) الفرقان 30 ) التى تنتظر الكثيرين من المسلمين رغم ما بها من رعب يجب أن يصيب قلب كل مؤمن يخشى الله تعالى بالغيب ، ويريد أن يمرق من هذه التهمة خوفاً من أن تلبسه فى يوم القيامة فيكون والعياذ بالله تعالى كالذى خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح فى مكان سحيق ، هذه الآية الفرقان 73 هى فى الحقيقة مفتاح آية هجر القرآن لو فهمناها وعقلناها وتدبرناها بصبر وتؤدة وأعطينا لأنفسنا وعقولنا الفرصة لفهمها فى هدوء .

 

ولكى نفهم آية ( لم يخروا عليها صماً وعمياناً ) يجب أن نبحث فى معانى كلمات ( يخروا – صماً – عمياناً ) حتى تنجلى لنا الحقيقة ونعرف المعنى المقصود من هذا القول الكريم .

 

أولاً كلمة يخروا :

 

وهى من الفعل ( خرر) لأن الراء مضعفة ومعناها هوى أو سقط من أعلى وندلل على ذلك بقوله تعالى ( يخرون للأذقان يبكون ) ومعناها أنهم عندما يستمعون وينصتون لكلام الرحمن يسجدون فوراً خاشعين لخالقهم وتلمس أذقانهم الأرض وهم يستغفرون ويسبحون رب الأكوان ، كما ندلل على رأينا أيضاً بقوله تعالى عن الذى يتخذ مع الله تعالى إلهاً آخر ( ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح فى مكان سحيق) وهى آية شديدة الوضوع تبين أن كلمة ( خر) معناها سقط من أعلى إلى أسفل ،وكذلك قوله تعالى عن يوسف وقومه حين استدعاهم للحياة فى مصر يقول عنهم ( وخروا له سجداً ) ومعناها ايضاً أنهم بعد أن كانوا واقفين جلسوا على ركبهم ( جمع ركبة وهو مفصل الركبة ) وهو نوع من سجود التبجيل والإحترام للحكام وليس للعبادة وهو دليل آخر أنهم كانوا واقفين فسجدوا مما يؤكد أن الفعل ( خر) معناه هوى من أعلى أو هبط أو سقط .

 

 فإذا عدنا إلى قوله تعالى (لم يخروا عليها ) لعرفنا أن هؤلاء الذين يستمعون القرآن لاعبين  يظهرون كأنهم يحبونه حباً شديداً ويشعر من يجلس معهم وكأنهم يفهمونه ويعلمون مقاصده ، وتراهم يتمايلون عند سماعه ويرتجفون رعباً صناعياً مفتعلاً ، ويتمتمون بكلمات غير مفهومة كأن عليهم مساً من الجن ، ويريدون توصيل رسالة سطحية جداً لمن حولهم مفادها  أنهم يحبون القرآن ويحبون الله وأنهم رجال الحق ولا يريدون شيئاً من زينة الحياة الدنيا ، ولكن الحقيقة المؤسفة  أنهم لا يعقلون القرآن ولا يفهمون ما يسمعون ولا يتدبرون آيات الله تعالى ولا يقتطعون وقتاً مخصصاً كل يوم من حياتهم لفهم كلام الله وتدبره وتطبيقه على أنفسهم ، ورغم أنهم يستمعون للقرآن  بما يوحى لمن حولهم أنهم خاشعون ولكنهم فى الحقيقة إستمعوه كأنهم صم ومرت عليهم معجزاته كأنهم عمى ، فرغم إظهار الخضوع والسجود ( يخروا ) إلا أنهم لم يكلفوا أنفسم عناء الفهم والتدبر ومشقة الفقه والتمعن ، ولم يتلذذوا بالخوض فى بحار القرآن الكريم ليرجعوا منها باللالىء والجواهر الربانية التى يحرم منها اللاعبون العابثون الذين يستمعون القرآن وهم يلعبون لاهية قلوبهم .

 

ثانياً    كلمة صم :

 

ومعروف أن الصمم هو عدم القدرة على السمع وقد يولد الإنسان أصماً أو يصاب بمرض يؤدى إلى الصمم ، وهذا النوع غير مقصود على الإطلاق هنا ولكن المقصود هو الذى يصطنع الصمم لنفسه رغم سلامة أذنيه وقدرته على تلقف المعلومة ، ولكنه يسخر كل ذلك لشهواته وملذاته وحياته الدنيا ومكاسبه الزائلة فإذا قرىء القرآن عليه أهمله ولم يعطه أذنه ولم يهتم بفهمه ، معتمداً على أن هناك من سيفهمه له ( العلماء من وجهة نظره ) ثم يشرحه له ، ومع ذلك فلو تعرض لهذا الشرح لما سمعه أيضاً ولأهمله ولاصطنع الصمم ولذهب بعقله وخياله هناك حيث دنياه وملذاته ومكاسبه ، ويظل يخر أصماً على كتاب الله تعالى حتى يدركه الموت وهو لم يفهم منه شيئاً ولم يفقه شيئاً ، فعاش ومات كمثل الحمار يحمل أسفاراً وبئس المثل لكل إنسان يتعامل من القرآن بلا مبالاة فهو بذلك يخسر آخرته ويكسب دنياه .

 

يقول تعالى عن من يهمل اذنيه ولا يستمع لقول الحق القرآنى العظيم :

 

((وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ))الأعراف 179

 

ومن هنا نفهم أنهم لهم قلوب ( عقول )  لا يستعملوها فى فقه دينهم ، ولهم أعين ترى فقط ما يلذ لهم من شهوات الدنيا ، ولهم آذان تستمع لكل المتع فإذا جاءت نحو القرآن أصيبت بالصمم واستمعت إليه وهى تلهو وتتراقص وتتمايل مدعية العلم والإيمان ومعرفة الحقيقة والواقع عكس ذلك تماماً ، فلو جلست مع أحدهم لتختبره فى آية قرآنية واحدة لوجدته فارغاً من داخله كالخشب المسندة ، ولرأيته أمامك منظراً مهيباً لإنسان خطير ولكنه تافه قرآنياً ولا يفقه شيئاً ولا يحاول أن  يفهم ، ولو حاولت تفهيمه أو نقاشه لنهرك وسفهك وسبك بأقذع الألفاظ ، بل واتهمك بالجنون وأنك تتعالم عليه ، ثم يسألك : هل أنت عالم دين ؟ هل أنت خريج كلية دينية ؟ أليس هناك تخصصات فى الطب والهندسة والصيدلة ؟ هناك أيضاً علماء للدين وأنت لست واحداً منهم حتى لو كنت أفنيت عمرك فى البحوث القرآنية والتأصيل القرآنى والإجتهاد لفهم كتاب الله تعالى ، ولذلك فإن الله تعالى يختصر عليك الوقت ويصفهم بأنهم مثل البهائم ولا غاية ترجى منهم مهما تشدقوا بالإيمان وادعوا – كذباً وزوراً – معرفة الحقيقة يقول تعالى عنهم فى نهاية الآية السابقة :

 

 (أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) .

 

ثالثاً كلمة عمياناً :

 

وهى كما هو واضح جمع أعمى وليس لها أى علاقة من قريب او من بعيد بشخص ولد أعمى أو اصابه العمى الحسى ( فى نظره ) بسبب مرض معين ، ولكنها تعنى عمى القلب وعمى البصيرة لقوله تعالى ( إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور) ، وهنا ينفى الله تعالى صفة العمى عن العينين لأنها عميت بإرادة الله تعالى ولكنه جل شأنه يؤكد أن العمى الحقيقى المقصود هو عمى البصيرة وتعمد عدم الفهم ، وعدم السعى نحو معرفة القرآن وتدبر آياته الكريمات والوقوف على معانيه الربانية العظيمة ، ولذلك تنطبق الآية رقم 179 الأعراف على هؤلاء أيضاً الذين عميت بصيرتهم عن رؤية الحق ومشاهدة الحقيقة ، ولم يكلفوا أنفسهم أى عناء لمعرفة حقيقة الكتاب الذى بين ايديهم وهو القرآن العظيم فاستحقوا أن يعيشوا ويموتوا مثل البهائم والعياذ بالله تعالى .

 

ومن عجب أن ينادى الكفار والمجرمون فى كل زمان ومكان بإهمال هذا القرآن العظيم وعدم الإستماع له ، لأنهم يعلمون أن من يسمعه وينصت له سيهتدى قلبه ، وسيصل لحب مولاه تعالى ، ولذلك كانوا يقولون :

 

((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ )) فصلت 26

 

وهذا دليل قرآنى قاطع على غيهم وإجرامهم ورغبتهم فى التشويش على القرآن وكراهيتهم له لدرجة وصلت للدعوة العلنية لمحاربته والإعتداء عليه وعدم السماع له واللغو فيه بكل الوسائل مثل التحريف والتزييف والتقديم والتأخير والشوشرة عليه بروايات وأحاديث ما أنزل الله بها من سلطان حتى يتوصلوا لهدفهم المنشود وهو إهمال القرآن العظيم وإلقاؤه وراء ظهورهم وعدم الإهتمام به والإستهزاء بمن يهتم به ، وإلصاق التهم الجزافية له والكيد له وايقاعه فى المصائب والمصائد ، وتسليط السفهاء عليه ليرموه بكل نقيصة وكل عيب حتى يظلوا هم دائماً الوارثون الذين يرثون الدين وهو له حافظون ، والحقيقة أنهم عن القرآن بعيدون ولآياته الكريمات هاجرون وإذا استمعوا إليه إستمعوه وهو لاهون لاعبون .

 

والآن نعود إلى قوله تعالى عن عباد الرحمن :

 

((وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا )) الفرقان 73

 

أى أن عباد الرحمن الصالحين الأتقياء إذا قرىء عليهم القرآن أو قرؤه أعملوا عقولهم وآذانهم وعيونهم فتدبروا القرآن وفهموا معانيه وعقلوه وأيقنوه وطبقوه فى حياتهم اليومية تطبيقاً دقيقاً تقرباً إلى الله تعالى وخشية منه ورغبة منهم فى إصلاح أنفسهم وإصلاح من يحبون ، ولذلك فهم يخرون أى تسجد قلوبهم لله حين يقرؤن القرآن ويعملون عقولهم فيه لفهمه ولا يصيبهم الصمم ولا العمى اثناء ذلك بل لديهم رغبة قوية فى تدبر القرآن العظيم وفهم معانيه ، ولذلك فإنهم عندما يفعلون ذلك لا ينطبق عليهم قول الرسول لربه يوم القيامة ( يارب إن قومى اتخذوا هذا القرآن مهجورا) لأنهم – أى عباد الرحمن – قد حققوا حكمة الله فى فهم كتابه وتدبره والعمل به ، أما أولئك الأدعياء الكاذبون الذين يخرون على القرآن صماً وعمياناً بمزاجهم ويخدعون من حولهم ويوحون لهم أنهم أهل القرآن وأهل العلم وأهل المعرفة وهو فى الحقيقة لا يطيقون  القرآن ولا يعتبرونه غير كتاب للبركة والحفظ من عيون الحاسدين ومن الحوادث ومن مس الشياطين , ولا يستمعون إليه إلا وهم يلعبون ويتراقصون فى حفلات العزاء وغيرها ويوهمون أنفسهم أنهم على شىء والحقيقة أنهم أهل باطل وعلى الباطل طالما ظل القرآن العظيم كتاباً مهملاً فى حياتهم ومهجوراً فى دينهم ومعتقداتهم وطالما ظلوا يلغوا فيه بالتشويش عليه بكل شىء حتى أصبح بينهم غريباً مهجوراً رغم الكم الهائل من الزخم التقنى الذى يحفظون عليه القرآن من أشرطة واسطوانات وكمبيوترات ، ورغم أنهم يفتحون تلك الأجهزة بسبب وبدون سبب فى المقاهى والمواصلات والمنازل وغيرها ليخفوا نقصهم وجهلهم وليوهموا المتعامل معهم أنهم أهل تقوى وصلاح ولكن الحقيقة أن الذى يهجر القرآن ويعيش ويموت دون أن يفهمه أو يحاول جاهداً فهمه ، فإنه يعيش كالأنعام صم بكم عمى فهم لا يعقلون .

 

 

صفحات من الذاكرة 4 .. خارج نطاق المألوف

رغم أن هذه القصة حدثت فى الواقع وكان الطبيب زميلاً لى فى كلية الطب وتخرج قبلى بعدة سنوات إلا أننى من غرابتها لا زلت غير مصدق لأحداثها العجيبة وتطوراتها المذهلة ، ولكن ماذا نقول إذا كانت قد حدثت فى قرية نعرفها جيداً وحكاها الزميل بكل تفاصيلها ؟؟ ليس أمامى غير إعادة سردها بأسلوبى على حضراتكم لعلى أسمع الكثير من الآراء ووجهات النظر المختلفة فى كل ما تعرضت له القصة من تفاصيل ، ولكى لا أطيل عليكم تعالوا بنا نقرؤها ثم نفكر فى كل شىء فقد نثبت أنها خرافة وقد نؤكد أنها حقيقة ، وقد نتفق فى اشياء ونختلف فى أشياء وفى النهاية فإن إختلاف وجهات النظر لا يفسد للود قضية .

 

القصة :

 

كانت الساعة تقترب من الخامسة فجراً عندما اقتربت زوجته من فراشه لتيقظه كالعادة لصلاة الفجر التى دأب على أدائها فى وقتها جماعة بمسجد القرية الصغيرة القريب من منزلهم ، ولكنه لم يستيقظ هذه المرة ولم يستجب لأى نداء ولم تؤثر فيه الصيحات العالية التى تصدرها زوجته والتى تسببت فى إيقاظ أطفاله الثلاثة من نومهم فقاموا مفزوعين وأسرعوا منزعجين نحو صوت أمهم الذى بدأ يتزايد وصياحها الذى أخذ يتحول إلى نحيب .

 

هرع الأهل والجيران وأهل القرية الصغيرة المحدودة العدد النائية نسبياً عن موقع القرية الأم ، وذهبوا مسرعين نحو مصدر الصياح ومكان النواح فعرفوا أن ذلك الرجل الطيب قد مات فأخذوا يضربون كفاً بكف قائلين لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم ، إنا لله وإنا إليه راجعون ، وأخذوا يعددون فى صفاته الحميدة ومزاياه وطيبته وكثرة خدماته لأهل القرية ، وراح آخرون يتحدثون عن سماحته بينما صاح فيهم أحد الشباب طالباً منهم التصرف والذهاب لطبيب الصحة فى القرية الأم لكى يحضر للكشف على المتوفى وتحديد سبب الوفاة واستخراج شهادة الوفاة تمهيداً لعمل إجراءات الجنازة والدفن .

 

خرج رجلان من أهل القرية متوجهين إلى طبيب الصحة فى القرية الأم وقابلوا الطبيب الذى كان مقيماً فى القرية بزوجته وأولاده حيث توفر له وزارة الصحة شقة مفروشة ومجهزة بمقر الوحدة الصحية ، وقابلوه حيث كان راجعاً من كشف على مريض بأحد المنازل فى القرية الأم ، حكوا له حكاية قريبهم الذى ذهبت زوجته لإيقاظه فوجدته ميتاً فقال لهم يرحمه الله لقد كان رجلاً طيباً ودعا له بالرحمة ثم سألهم :

هل كان مريضاُ فى الأيام السابقة لوفاته ؟ 

 فقالوا له لا يا دكتور كان شديداً مثل الحصان

 فقال إذاً فقد أصيب بجلطة مفاجئة بالقلب  فقالوا قد يكون يا دكتور ألن تأتى للكشف عليه وفحصه وبيان سبب الوفاة ؟

فقال لهم عندى الآن حالة توليد سأقوم بها بعد قليل ولا أستطيع مغادرة المكان ،  وأنا أصدقكم وأثق فيكم فاذهبوا اعملوا له كل إجراءات الجنازة والدفن ثم عودوا لى أعطيكم شهادة الوفاة ، ولقد كانت هذه هى عادة هذا الطبيب والكثيرين من زملائه للأسف الشديد ، فكان أهل المتوفين يحضرون للإبلاغ عن الوفاة ثم يصرح لهم الطبيب شفوياً بالدفن فيذهبون ويدفنون ميتهم ، ثم يعودون له بعد عدة ايام لإستصدار شهادة الوفاة ، ولا يوجد ضرر قانونى فى تأخير إستخراجها لعدة ايام طالما كانت الوفاة طبيعية ولا توجد بها شبهات جنائية .

 

 فقالوا له لو تكرمت علينا  يا دكتور على الأقل تعطينا تصريحاً للدفن حتى لا يتعرض لنا أحد.

 فقال لهم : لا مانع ثم أعطاهم تصريحاً بالدفن وعادوا للقرية مطمئنين  بالتصريح واعتبروا أن هذه الفعلة  من طبيب الصحة هى من قبيل الثقة فيهم والمجاملة لهم ، وتمت إجراءات الغسل والتكفين والصلاة على الميت ثم الجنازة والدفن والعودة للقرية لعمل العزاء اللازم للمتوفى فى مضيفة القرية المعدة خصيصاً لهذا الغرض ، وجاء الناس من القرى والنجوع المجاورة للعزاء فى المتوفى ، وسماع ماتيسر من أيات القرآن الكريم بصوت الشيخ المشهور والذى يأتى خصيصاً للقراءة فى المآتم بأجر معقول .

 

كان أهل القرية يقيمون قبور موتاهم فوق سطح الأرض منذ عدة سنوات بعد أن طالت المياه الجوفية منطقة المدافن المخصصة لأهل القرية ،  فكانوا يقيمون المقبرة مكونة من طابقين أو ثلاثة      وكان إرتفاع الطابق يكفى لدخول رجل وهو منحنى الظهر لكى يضبط نومة المتوفى من الداخل  ، ثم يضعون الميت فيها ويضعون تحته فرشاً من الرمل ثم يضعون طوبة لبنية ( طينية لم تحرق فى النار ) تحت رأسه ، ويغلقون المقبرة بالطوب الأحمر والأسمنت ، ثم يكتبون إسم المتوفى وتاريخ وفاته على وجه المقبرة من الخارج .

 

وكعادة الناس فى القرية يذهب أهل المتوفى يومياً لقراءة القرآن أمام قبره لمدة ثلاثة أيام ، ثم ينقطعون عن الزيارة حتى اليوم السابع من تاريخ الوفاة فيذهبوا لإقامة ما يسمى ب( خميس المتوفى ) وهو أول يوم خميس يمر بعد وفاة الميت ، وبالطبع فهى عادات إجتماعية موروثة ولا صلة لها بدين ولا ما يحزنون .

 

فى الليلة التالية ليوم الدفن نامت زوجته من شدة الإرهاق والتعب واستقبال المعزين ، ورأت فيما يرى النائم رؤيا غريبة جداً قامت على إثرها مفزوعة جداً ، وراحت  تقصها على أولادها وأقاربها واقارب زوجها وهى أن زوجها يناديها بصوت خفيض قائلاً : أنا لم أمت انا لازلت على قيد الحياة ، وتعجبوا جميعاً من منظر هذه الرؤيا المخيفة فمنهم من قال الله أعلم ، ومنهم من قال أنه مات شهيداً لأنه توفى بالجلطة القلبية فجأة كما سمع من بعض الشيوخ ، ومنهم من استغفر ربه وطلب منها أن تستعيذ بالله تعالى من كيد الشيطان الرجيم .

 

ولكنها – زوجته – لم تسمع لأى رأى من هذه الآراء ، وأخذت أولادها وذهبت من الصباح الباكر إلى موضع مقبرة زوجها ومعهم المصحف الشريف لقراءة القرآن حولها والدعاء لأبيهم بالرحمة والمغفرة ، ولكنهم فوجئوا بما لم يكن فى الحسبان فهناك داخل المقبرة صوت نقر على جدارها فخافوا خوفاً شديداً وتملكهم الرعب والفزع الشديد ، وهرعوا جميعاً نحو البيوت المجاورة للمقابر صارخين بأعلى أصواتهم فتجمع الناس حولهم وسألوهم عن الأمر ، ولما سمعوا منهم توجهوا جميعاً نحو المقبرة وأنصتوا وقلوبهم ترتجف والعرق يتصبب منهم جميعاً ، فتأكدوا من وجود صوت نقر على جدار المقبرة ، فأسرعوا بإحضار شاكوش كبير وفتحوا وجه القبر فتحة واسعة فكانت المفاجأة التى تسببت فى سقوط الزوجة مغشياً عليها ، وصاح الناس جميعاً قائلين : الله أكبر .. الله أكبر .. سبحان من يحى العظام وهى رميم .. وأخرجوا الشاب من مقبرته حياً يكاد يموت من العطش الشديد ونقص الأكسجين فى المقبرة  ، وأحضروا سيارة فوراً وذهبوا به إلى مستشفى المركز ، وهناك استقبلوه وأدخلوه غرفة العناية المركزة وعملوا له الإسعافات الطبية اللازمة ، وقرر الأطباء أنه كان فى غيبوبة عميقة لم يحددوا لها سبباً غير نقص حاد ومفاجىء فى كمية الدم الذى يضخه القلب نحو المخ فأدى إلى هبوط حاد ثم غيبوبة لم يكتشفها أهل القرية البسطاء ،وبطبيعة الحال فإن المصاب بهذا الهبوط الحاد يكون تنفسه خافتاً جداً ولا يسمع عن بعد بسهولة .

 

 وخرج معافاً فى اليوم التالى مباشرة ، وعاد لبيته وأهل قريته الذين قابلوه فى ذهول شديد وهنأوه بعودته من قبره سالماً ، وقال قائل منهم سبحان الله :  ( لكل أجل كتاب فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) .

 

من حسن حظ سيادة طبيب الوحدة الصحية أنه لم يكن قد أخرج لهم شهادة الوفاة ، فلما علم بالأمر إرتجف خوفاً واستأجر سيارة بسرعة وذهب إليهم وهنأهم بسلامة الميت وعودته من القبر ، ثم اشار للرجلين الذين استلما منه تصريح الدفن وطلبه منهما  فأعطوه له فمزقه على الفور ، وابتلع ريقه بعد أن  بلغت نفسه الحلقوم خوفاً مما حدث ، فلو كان قد أعطاهم شهادة الوفاة لحظة ذهابهم له لكان قد وقع فى كارثة كبيرة تؤدى لفصله من عمله  بل وسجنه بتهمة الإهمال  ، ولكن الله سلم هذه المرة ، وقد تعلم الطبيب الهمام ألا يصرح لأحد بالدفن قبل أن يرى  جثته ويفحصها جيداً ويؤكد  حدوث الوفاة ويطمئن على سبب الوفاة بنفسه ، فكان هذا درساً عظيماً له فى عمله ، كما كان درساً لأهل القرية ألا يدفنوا ميتاً قبل أن يوقع عليه طبيب الصحة الكشف بدقة شديدة .

 

 

صفحات من الذاكرة 3 ... وسقطت فى بئر النفط

فجأة وبلا مقدمات إختفت تلك الفتاة الصغيرة الجميلة من الشارع , فلم تعد تلعب مع قريناتها ألعابها المفضلة وأهمها الأستغماية ( وهى لعبة مصرية مشهورة بين الأطفال وترجمتها بالإنجليزية هى hide and seek )  ، لقد كانت تملؤ المكان ضجيجاً مع صديقاتها أثناء اللعب ولكن للحق كانت ممشوقة القوام شديدة سواد الشعر واسعة العينين رائعة الجمال ، لم تتخطى بعد عامها الرابع عشر حين حرموها من طفولتها وبتروا براءتها وزوجوها خلسة من عجوز خليجى متصاب لم يكمل بعد الثمانين ربيعاً ، حيث كان يتجول مع أحد أحفاده المتزوجين من نفس القرية وكان يسير بخطواته الواثقة كخطو المها فى صفاء الربيع ، وقعت عيناه التى تشبه عيون البوم على تلك الطفلة المسكينة الرائعة الجمال الممشوقة القوام فاضطرب قلبه المرهف حباً ، واشار إليها بالبنان وشخشخ جيبه الملآن ، ويا لأثر  بريق الذهب ورنين الفلوس حين يشخشخ بها خبير بالنفوس ومريض بالزواج كل شهر من عروس .

 

أسرع حفيده ذو النسب القديم فى القرية وأعلن أمام أهل زوجته عن رغبة جده الهمام من الزواج من تلك الفتاة اليانعة كالوردة الساطعة وأكد إستعداد جده لدفع أى مبالغ للشبكة والمهر والهدايا والتجهيزات وأكد أنه سيشترى لها شقة فى المدينة المجاورة ، وبطبيعة الحال إستقبل أهل العروس-   الطفلة -   هذا الخبر إستقبالاً سعيداً ورحبوا بالعريس ترحيباً شديداً ، وظنوا أن الله تعالى قد رضى عنهم بهذه الزيجة وفتح عليهم من خزائن النفط الخليجية بئراً من آباره ونقلهم بهذه الخطوة من فقر مدقع إلى غنى ومال وجاه لم يحلموا به من قبل ، ولم يكن صعباً عليهم أن يستخرجوا لها شهادة تسنين من مكتب الصحة مثبوت فيها أن الطفلة قد بلغت سن الزواج القانونى (16سنة ) مقابل عدة مئات من الجنيهات ووليمة طعام فاخر لطبيب الصحة وكاتبها  ، وأقيمت الأفرح والليالى الملاح وزفت الطفلة على عريسها الذى لم يتخط بعد الثمانين ربيعاً ، وبالطبع فقد خدعت الطفلة بالذهب الكثير والفساتين والهدايا وهى تظن أنها ذاهبة فى رحلة ترفيهية لفترة وجيزة تعود بعدها للعب واللهو فى الشارع مع قريناتها مرة أخرى ، ولكن ذلك لن يحدث أبداً فقد سافرت مع زوجها  الذى لم يتخط الثمانين ربيعاً بعد إلى دولته التى يعيش فيها  .

 

كانت طفلة فحرموها من طفولتها ، وكانت سعيدة فبتروا سعادتها ، وكانت تتعلم فى الصف الثانى الإعدادى فحرموها من التعليم ، كانت حرة طليقة كالعصفورة المغردة فأحرقوا حريتها وكتموا صوتها وحرموها من نعيم الحياة ، كانت طفلة صغيرة مسكينة فأصبحت فى مقام الأم لرجال بعضهم تخطى سن الستين ، كانوا جميعاً يترقبون كل خطواتها وكل كلماتها ويحاسبونها على كل صغيرة وكبيرة ، وحبسوها فى قمقم كأنه زنزانة فيها كل أنواع المتع من طعام وشراب وتلفزيون وفيديو وخلافه .. ولكنها حرمت من نعيم الحرية وجمال الحياة ولذة الطفولة ، كانت – كالآلاف من قريناتها – ضحية الفقر والجهل والتخلف وموت الضمير .

 

وبطبيعة الحال لم يمض أكثر من عدة أشهر حتى مات زوجها وتركها أرملة فى عمر الزهور حيث لم تبلغ عامها الخامس عشر ، وعادت إلى قريتها كأن شيئاً لم يكن ، فالعجوز المتصابى لا أرضاً قطع ولا ظهراً ابقى كان يعيش معها كصديق لطيف وأخ ودود ولقد قامت على خدمته بكل إخلاص حتى توفاه الله تعالى  ، عادت الطفلة ولكنها لم تصبح طفلة بل صارت كمن تخطت سن الستين من كثرة ما حملت من هموم وما صبرت على أعباء ، وصارت أرملة يتوافد على زواجها كل من هب ودب وكل طامع ذهبها وشقتها ورصيدها البنكى ، وماتت فيها البسمة وخنقت الفرحة وحلت محلهما لوعة الضياع ومرارة الإحساس بالظلم .

 

 

 



<<الصفحة الرئيسية