أحلامى

أحلم أن أستيقظ يومأ فإذا الشمس تبدد كل ظلام الكون وإذا الحب يهيمن ويدمر أصنام الحقد أحلم أن تبزغ فى لمحة عين كل بذور الأمل المدفون تحت جدار الخوف

فضيحة جديدة من فضائح الكفيل السعودى ضد طبيب مصرى

وصلتنى هذه الرسالة وأحتفظ بإسم صاحبها وعنوانه ورقم تليفونه وإسم الكفيل السعودى وعنوانه ورقم تليفونه :

السادة الأفاضل تحية طيبة :

سافرت عام 2006 بعقد عمل للسعودية قبل موسم الحج بأربعين يوماً ، ولما وصلت هناك تعبت نفسياً جداً وزاد تعبى حدوث ظرف طارىء لأحد أبنائى مما جعلنى أبكى ليل نهار ولا أستطيع العمل ولم أكن قد قضيت هناك أكثر من شهر عملت خلاله بصعوبة بالغة ، وقد قام المستوصف بإعطائى قيمة تذكرة الطيران من القاهرة إلى جدة لأننى كنت قد دفعت ثمنها من مالى الخاص لحين الوصول إلى هناك ، ولكنهم طلبوا منى التوقيع على سند إستلام مطبوع ومكتوب كالآتى :

مستوصف كذا كذا ..
سند إستلام
إستلمت أنا / ..... (1100) ريال ألف ومائة ريال
ثمن تذكرة مصر للطيران من القاهرة إلى جدة .
التوقيع
إسمى مدير المستوصف

***************************************
ثم طلبت سلفة بمبلغ ألف وخمسائة ريال فوافقوا ولكن بإيصال مثل السابق مكتوب كما يلى :
مستوصف كذا كذا
سند إستلام
إستلمت أنا/ ...... مبلغ (1500) ريال...................
عبارة عن سلفة يتم تسديدها خلال الشهرين القادمين .
التوقيع
إسمى مدير المستوصف
*********************************************
بعد ذلك رق قلب الكفيل ووافق بناءا على ظروفى الخاصة أن يعطينى تأشيرة سفر وعودة مدتها شهر واحد ، وأخذت تأشيرتى وذهبت لكى أحجز ولكننى لم أجد أى وسيلة مواصلات بسبب أن وقفة عرفات باقى عليها خمسة ايام فقط ، فكانت فرصتى أن أذهب لأحد اقاربى وأنوى من جدة لفريضة الحج والحمد لله تعالى أديت الفريضة وحجزت وذهبت لبلدى مصر .

بعد وصولى بأسبوع واحد إتصل بى الكفيل لكى يسألنى متى سأعود ولكننى إعتذرت له بكل أدب بسبب مرض إبنى وأننى لن أستطيع العودة للعمل فى السعودية ، فاشتاط غضباً وشتمنى وأقسم أنه سيؤذينى ويرفع على قضايا بالإيصالات التى معه .

الغريب فى الأمر أننى فوجئت بمحامى مصرى يتصل بى ويخبرنى أن الكفيل السعودى قد طلب منه رفع قضايا ضدى وأخذ هذا المحامى يبتزنى ويطلب منى مبلغاً كبيراً من المال حتى يعمل معى صلح وأنا مذهول منه وأقول له أى صلح تطلب منى ولماذا؟ هل أخذت منهم شيئاً ؟ فقال أنت وقعت على إيصالات أمانة فقلت أين هم فحدثنى عن الإيصالين السابقين فقلت له الإيصال الأول الخاص بفلوس تذكرة الطيران هو سند إستلام وهم يعيدون لى حقى لأننى الذى اشتريت التذكرة من مالى الخاص ، والإيصال الثانى هو سلفة بألف وخمسائة ريال وقد أستردوها من مرتب الشهر الذى عملته معهم حيث عملت شهراً بمبلغ 3500 ريال وهو مجمل مرتبى فى العقد فخصموا منى 1500 ريال بحجة أنهم فى نهاية العام المالى ثم أعطونى الباقى ، ولكن المحامى لم يهتم بكلامى وقام برفع قضايا ضدى وفوجئت بعدها بأربعة شهور بأنه يكلمنى فى تليفونى الأرضى ويخبرنى أنه أخذ على حكماً غيابياً بالحبس شهر فذهبت لمحامى من مدينتى وعملت له توكيلاً وشرحت له كل شىء وأعطيته صورة من عقد العمل الذى معى وصورة من تأشيرة المغادرة وعدة أشياء أخرى . قام المحامى الخاص بى بنقل القضية إلى محافظتى لعدم الإختصاص ثم قام بتصويرها وجاء لى بصورة الإيصال الأول ولكن بالشكل التالى :
مستوصف كذا كذا ..
سند إستلام
إستلمت أنا / ..... (1100) ريال ألف ومائة ريال
وديعة ثمن تذكرة مصر للطيران من القاهرة إلى جدة .
التوقيع
إسمى مدير المستوصف

أى أن المحامى قام بإضافة كلمة ( وديعة) على جانب الإيصال لكى يعطيها الصيغة القانونية ولكنها مكتوبة بخط غير الخط الذى حرر به صلب الوصل بشكل شديد الوضوح وكذلك بتاريخ لاحق لا يقل عن ستة شهور من تاريخ تحرير الصلب .
قمت بالطعن بالتزوير فى كلمة ( وديعة ) وتم تحويلى لخبير الخطوط بالطب الشرعى وتم استكتابى وأنتظر النتيجة حتى الآن فأرجو أن أطمئن .

ثم فوجئت منذ شهر وقبل الحكم فى القضية الأولى بأنه قام برفع قضية أخرى بالإيصال الثانى وقام المحامى الخاص بى بنقلها إلى محافظتى لعدم الإختصاص ثم قام بتصوير السند وإذا به قد شكى بالإيصال الثانى ولكن زوره كما يلى :

مستوصف كذا كذا
سند إستلام
إستلمت أنا/ ...... مبلغ (150000) ريال مائة وخمسون ألف ريال سعودى
عبارة عن سلفة يتم تسديدها خلال الشهرين القادمين .
التوقيع مدير المستوصف

قام بإضافة صفرين للرقم 1500 لكى يجعله مائة وخمسون ألف ثم قام بتفقيط المبلغ بالصورة أعلاه بتاريخ لاحق لا يقل عن عام ونصف من كتابة الصلب ، علماً بأن صلب الإيصالين المذكورين أعلاه بخط مدير المستوصف أما الزيادات مثل كلمة ( وديعة ) فى الوصل الأول ، و( الصفرين المضافين والتفقيط فى الوصل الثانى) فقد كتبت بخط آخر مختلف تماماً عن خط مدير المستوصف .

الغريب أن الصفرين اللذين أضافهما كبيران بشكل مفزع ووواضح وكذلك تفقيط المبلغ تم بعد أكثر من عام ونصف من تحرير الصلب ، ثم هل معقول أن يعطينى الكفيل السعودى مائة وخمسون ألف ريال فى أول شهر من وصولى لكى أسددها من مرتبى ( 3500 ريال ) على شهرين متتاليين ؟ومن أين أسددها ؟ والأعجب أن المحضر المكتوب ضدى قد ذكر فيه المحامى الذى كتبه أن الكفيل السعودى قد أعطانى مبلغ المائة وخمسون ألف ريال فى بلدى مصر يوم 13/من ذى القعدة 1427 هجرية رغم أننى كنت فى السعودية فى هذا التاريخ كما هو ثابت فى جواز السفر وفى تأشيرة دخول السعودية يوم 4 من ذى القعدة 1427 هجرية وخروجى منها يوم 16 من ذى الحجة 1427 هجرية !!!

هذه القضية الثانية لم يأت موعد جلستها الأولى بعد نقلها فمارأى حضراتكم فى موضوعى ؟ وماذا أفعل ؟ كيف آخذ حقى من الكفيل الذى يطاردنى وأنا فى بلدى ظلماً وبهتاناً وبإيصالات مزورة ليس لها أى صفة قانونية ؟وكيف يعاونه محامى مصرى وهو متأكد من التزوير بل إننى أتهم المحامى أنه الذى يقوم يتزوير هذه الإيصالات.
أرجو رأيكم وبارك الله فيكم .

تعقيب :

سوف ينصفك قضاء مصر العادل إنشاء الله تعالى ، ونتمنى أن يتم إلغاء نظام الكفيل من جميع دول الخليج لأانه أبشع نظام إستعباد للبشر إبتليت به البشرية .

 

لقطات من الحياة

 

(1)            الرصيد :

 

وقفت السيدة  فى طابور البنك وسط زحام شديد ، كان الطابور خاصاً بالسيدات فقط ، وإلى جانبه يوجد طابور الرجال ، الزحام شديد وكل شخص ينفث همومه للآخر ، قال أحدهم أن إبنه أرسل له مئة دولار من الإمارات لينفق منها على نفسه وراح يدعو له بالرزق وطول العمر ، وقال آخر أنه حضر لصرف المعاش ، وقالت سيدة فى منتصف العمر أنها جاءت لكى تلغى دفتر التوفير الخاص بها ، فدفعنى فضولى لسؤالها : لماذا يا سيدتى ؟ قالت لأن فوائده ربا وحرام .. قلت ومن أفتاك بذلك ؟ قالت شيخ المسجد ، ثم اردفت تقول : لقد أصبت بالأمراض المختلفة أنا وزوجى منذ فتحنا هذا الدفتر المشئوم .. ولقد قررنا إلغاءه لأنه نذير شؤم علينا .. لقد ظننت أن مبلغ الدفتر ضخم ويدر عليهم فائدة كبيرة ينفقون منها على أنفسهم وأولادهم طوال الشهر .. فقلت لها ألا تخافين من سرقة المبلغ حين تخرجين به من البنك وتركبين المواصلات العامة ؟ فقامت بفتح الدفتر أمامى ولم يكن به سوى صفحة واحدة مكتوب بها سطر واحد هو كل رصيدها .. لقد وجدت الرصيد خمسين جنيهاً !!!!!!  

 

سألتها وهل لهذا المبلغ الضئيل أى فائدة ؟ قالت لا

فقلت لها أين الربا إذاً يا سيدتى ؟

فقالت : نحن نخشى من الرصيد أن يزيد ويصبح فائدته ربا وحراماً علينا ..!!!

 

(2)            إنكسار

 

أراه كل يوم فى الشارع ، أطيل النظر إليه حتى يغيب عن نظرى ، لا أعرف لماذا يحزننى منظره ، أتوقع دائماً أن يكون أحد أولادى مكانه ويعانى ما يعانيه ، إنه صبى فى الثالثة عشر من عمره ، يعمل حمالاً فى أحد المحطات ، عيناه منكسرتان وعندما ينظر لى كأنه يمد يد الإستغاثة ويطلب النجدة مثل الغريق الذى يقاوم الموت ، أحاول إعطاءه أى مساعدة ولكنه يرفض ، لديه كبرياء عجيب ، ملابسه رثة ولكنه عزيز النفس ، لا يأكل واقفاً بل يجلس فى أحد المطاعم الفقيرة ويجلس على أريكة متهالكة كبقية الأرائك ويطلب طبق الفول وطبق الطعمية والسلطة ، رأيته عدة مرات ولمحنى ، هو لا يعرفنى ولكنه متعود على شكلى ، أشعر وهو يضع اللقمة فى فمه أنه يشكو العالم كله والناس كلهم ، يطلب حقه كطفل ، حقه فى اللعب والتنزه والفسحة والنظافة والنوم فى مكان مريح والتعليم والفهم ودفء الأسرة وحنان الوالدين ولذة الإنتماء .

 

كنت مسافراً مبكراً ورأيته نائماً على أريكة المحطة وعليه غطاء قديم متهالك .. يظل وجهى عبوساً ويومى حزيناً ، ليس من أجله فقط .. بل من أجل كل طفل مشرد فاقد للأهل وللإنتماء للعائلة ... أتمنى أن يسارع المجتمع بإيجاد حل لهؤلاء الأطفال المساكين ، حلاً يكفل لهم كرامة الإنسان ويوفر لهم وسائل التعليم وأقل درجة من الرفاهية والسعادة ، حتى يكبرون محبين لمجتمعهم ولا يكونوا قنابل موقوتة تنفجر على شكل لصوص وتجار مخدرات ومتطرفين دينياً .

 

(3)            معاش

 

عم منصور رجل طيب جداً ، خرج على المعاش منذ عام ، كان شديد الإخلاص فى عمله ، يستيقظ مبكراً فى السابعة صباحاً ولا يعود قبل الثالثة مساءاً ، له زوجة وولدان ، أكبرهما لم لا يزال فى الجامعة لأن عم منصور تزوج متأخراً نوعاً ما بسبب ظروفه المالية ، هو يعمل بوزارة الصحة كان يحلم بمكافأة تعوضه عن أربعة وثلاثين عاماً من العمل والشقاء فى الوزارة ، ولكنه لم يجد سوى دراهم معدودة وكانوا معه من الزاهدين ، فحصل على راتب أربعة شهور ، وراح يضرب كفاً بكف .. كيف ذلك وهو لم يحصل على أى إجازة إعتيادية طوال عمره الوظيفى وأنه يجب أن يقبض ثمن هذه الإجازات والتى تتجاوز الألف وخمسمائة يوم على آخر مرتب صرفه ، نصحه زملاؤه الذين خرجوا قبله على المعاش أن يوكل محامياً ويرفع قضية للحصول على باقى مستحقاته ، لم يكذب خبراً وأخذ بنصيحتهم ورفع القضية منذ عدة شهور .

 

كان عم منصور يعالج من الكثير من الأمراض مثل إلتهاب ةالكبد الفيروسى والضغط والسكر ، وكان ينفق الكثير من دخله الضئيل على مرضه ، عم منصور توفى منذ شهر حيث دهمته سيارة وهو يعبر الطريق ، رحمك الله يا عم منصور فقد تركت دنيا النفاق ودنيا الضلال وذهبت فى رحاب الحى القيوم الذى لا تأخذه سنة ولا نوم .

 

وإلى لقاء قريب فى لقطات أخرى من الحياة .

فن الإعتذار

 

قدرة الإنسان على الإعتذار هى أحد أنواع الفنون البشرية التى لا يتمتع بها الكثيرون ، نعم فهى مقدرة تتطلب علماً وثقافة وأدباً وذوقاً وحلماً ورشداً وفكراً سديداً ، ليس من السهل أن يعترف كل إنسان بخطئه ويعتذر عنه لمن كان ضحية لخطئه فهو أمر جد كبير وجد عظيم وجد جميل ، كبير لأنه إنتصار على النفس الأمارة بالسوء والتى تأمر صاحبها بالتعالى وعدم الإعتراف بالخطأ ، وعظيم لأنه إنهزام أمام شهوات الدنيا وبريقها الأخاذ وألوانها الزاهية المغرية ، وجميل لأنه إرتفاع إلى مرتبة التواضع التى تجعل من الصغير كبيراً ومن المجهول معلوماً ومن المنسى مذكوراً .

 

فن الإعتذار هو قيمة عالية من قيم الإنسان الراقى المثقف ، فهو بمنطقه الفذ ولغته السامية يستطيع أن يعتذر لضحيته دون أن يتنازل عن شىء من كرامته وفى نفس اللحظة يشعر من أمامه بالرضا والتشبع والراحة النفسية ، ولو بادر كل مسىء لإرضاء ضحية الإساءة لانصلح كثير من الأحوال ونجح كثير من الأعمال ، وماتت الأحقاد واندثرت الضغائن ، ولكن الواقع هو أن الكثيرين تأخذهم العزة بالإثم فلا يعتذرون ولا يريحون ضحاياهم بكلمة ود ولحظة  صفاء تمحو بيدها الحنون آثار الألم الذى ألمّ بهم جراء إلإعتداء عليهم بكلمة أو غمزة أو لمزة يكون من أهم نتائجها زرع الحقد فى النفس وبث الكره فى القلب ، وهى أمور كريهة كان من الممكن تلافيها بكلمة حب وتبرير حكيم لما بدر وشرح صادق لما صدر .

 

يصبح الإعتذار وساماً على صدر صاحبه ودليلاً على طيبة قلبه وسلامة نيته ونبل قصده ، ويصير الإعتذار أكبر وأعظم حين يأتى من قوى لضعيف ومن غنى لفقير ومن رئيس لمرؤس ومن قائد لجندى ومن أستاذ لتلميذ ، يصبح هنا الإعتذار فناً حقيقياً ونبراساً جلياً ، فإذا حدث هذا واعتذر القوى للضعيف فإنه يصنع من ضعف الأخير قوة ومن فقره غنى ومن إحساسه بالنقص إحساساً بالكمال ، فيكون له عند مالك الملك أعظم الأجر وأحسن الثواب .

 

وما أجمل الإعتذار حين يأتى من دولة معتدية إلى دولة معتدى عليها فإنه – أى الإعتذار- يقلب كل الموازين ويشفى جراح القلوب ويغمد السيوف ويطفىء النيران المؤججة ، ويجعل دعاة الحرب يسكتون ، فما أجمل أن تقوم دولة بالإعتذار لدولة حتى ولو على شىء مضى عليه عقود أو قرون ، فإن ذلك كفيل بتضميد الجراح – جراح الإحتلال مثلا – وشفاء الصدور وبناء علاقات بين الدولتين على أساس من الحب والإحترام المتبادل والعدل والسلام .

 

فى مكانين قريبين منى كان هناك واقعتان متناقضتين ، فقد قام أحد الشباب بإحدى القرى بمعاكسة طالبة ثانوى بألفاظ خادشة للحياء ، وبكت البنت بسبب ذلك ولما رجعت قصت لأبيها ما حدث فخرج وسأل وعرف إسم الشاب وقريته ، وعاد وأعد العدة لمعركة خطيرة ولكن أحد العقلاء طلب الإنتظار لساعتين فقط ، ثم ذهب إلى أهل الشاب المعتدى وأوضح الأمر لأبيه ، لم يهدده ولم يقل له أن فلاناً سيأتى بأسرته لكى ينتقم منكم بل قال إنهم فى حالة غضب شديد ، صاح الرجل بإبنه : هل قلت كذا وكذا لبنت عمك فلان ؟ قال نعم فقام على الفور وأخذ إبنه وذهب به  مع رسول القرية الأخرى إلى هناك ، وسلم على الحاضرين وتأسف لوالد الفتاة واعتذر له وطلب من إبنه الإعتذار لوالد الفتاة وتعهد أمامهم بعدم  تكرار ما حدث ، فقبل الجميع الإعتذار وسعدوا جداً بشهامة  الرجل وأدبه وسماحته ، وانتهت المشكلة بخير وسلام .

 

المصيبة الأخرى حدثت عندما كانت هناك قصة شبيهة ولكن والد الشاب المعتدى تكبر وتغطرس وأخذته العزة بالإثم ولم يعتذر ولم يهتم بالأمر ، ولم يقدر مدى الجرح الذى سببه غباء إبنه وقلة أدبه لأهل الفتاة ، فاشتعلت المسائل وقامت المشاكل وتطورت بين القريتن حتى صار هناك قتلى وجرحى ، ولم تنتهى إلا بتدخل قوات الأمن والقبض على المعتدين من الطرفين .

 

فكم يحقن الإعتذار الدماء وكم يطيّب النفوس وكم يشفى الغليل ، وبدون الإعتذار يظل الحدث عالقاً فى القلب محتقناً فى الصدر ويود المعتدى عليه أن يسترد حقه حتى ولو بعد حين .

 

فلماذا لا يتعلم غالبية الناس فن الإعتذار ؟ ولماذا لا يتواضعون ويعترفون بأخطائهم ويقدمون الإعتذار المناسب قبل فوات الأوان ؟ إن الإعتذار هو مفتاح التسامح وباب كبير من أبواب الحب والسلام الذى يسعى كل الطيبين لإحلالهما فى هذا العالم الذى حطمته الحروب وأحرقته المعارك ودمرته الأحقاد ، نحلم جميعاً بعالم مثالى يملؤه الحب والسلام والعدل وترفرف عليه أعلام الحرية والكرامة الإنسانية .

صفحات من الذاكرة 4 .. خارج نطاق المألوف

رغم أن هذه القصة حدثت فى الواقع وكان الطبيب زميلاً لى فى كلية الطب وتخرج قبلى بعدة سنوات إلا أننى من غرابتها لا زلت غير مصدق لأحداثها العجيبة وتطوراتها المذهلة ، ولكن ماذا نقول إذا كانت قد حدثت فى قرية نعرفها جيداً وحكاها الزميل بكل تفاصيلها ؟؟ ليس أمامى غير إعادة سردها بأسلوبى على حضراتكم لعلى أسمع الكثير من الآراء ووجهات النظر المختلفة فى كل ما تعرضت له القصة من تفاصيل ، ولكى لا أطيل عليكم تعالوا بنا نقرؤها ثم نفكر فى كل شىء فقد نثبت أنها خرافة وقد نؤكد أنها حقيقة ، وقد نتفق فى اشياء ونختلف فى أشياء وفى النهاية فإن إختلاف وجهات النظر لا يفسد للود قضية .

 

القصة :

 

كانت الساعة تقترب من الخامسة فجراً عندما اقتربت زوجته من فراشه لتيقظه كالعادة لصلاة الفجر التى دأب على أدائها فى وقتها جماعة بمسجد القرية الصغيرة القريب من منزلهم ، ولكنه لم يستيقظ هذه المرة ولم يستجب لأى نداء ولم تؤثر فيه الصيحات العالية التى تصدرها زوجته والتى تسببت فى إيقاظ أطفاله الثلاثة من نومهم فقاموا مفزوعين وأسرعوا منزعجين نحو صوت أمهم الذى بدأ يتزايد وصياحها الذى أخذ يتحول إلى نحيب .

 

هرع الأهل والجيران وأهل القرية الصغيرة المحدودة العدد النائية نسبياً عن موقع القرية الأم ، وذهبوا مسرعين نحو مصدر الصياح ومكان النواح فعرفوا أن ذلك الرجل الطيب قد مات فأخذوا يضربون كفاً بكف قائلين لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم ، إنا لله وإنا إليه راجعون ، وأخذوا يعددون فى صفاته الحميدة ومزاياه وطيبته وكثرة خدماته لأهل القرية ، وراح آخرون يتحدثون عن سماحته بينما صاح فيهم أحد الشباب طالباً منهم التصرف والذهاب لطبيب الصحة فى القرية الأم لكى يحضر للكشف على المتوفى وتحديد سبب الوفاة واستخراج شهادة الوفاة تمهيداً لعمل إجراءات الجنازة والدفن .

 

خرج رجلان من أهل القرية متوجهين إلى طبيب الصحة فى القرية الأم وقابلوا الطبيب الذى كان مقيماً فى القرية بزوجته وأولاده حيث توفر له وزارة الصحة شقة مفروشة ومجهزة بمقر الوحدة الصحية ، وقابلوه حيث كان راجعاً من كشف على مريض بأحد المنازل فى القرية الأم ، حكوا له حكاية قريبهم الذى ذهبت زوجته لإيقاظه فوجدته ميتاً فقال لهم يرحمه الله لقد كان رجلاً طيباً ودعا له بالرحمة ثم سألهم :

هل كان مريضاُ فى الأيام السابقة لوفاته ؟ 

 فقالوا له لا يا دكتور كان شديداً مثل الحصان

 فقال إذاً فقد أصيب بجلطة مفاجئة بالقلب  فقالوا قد يكون يا دكتور ألن تأتى للكشف عليه وفحصه وبيان سبب الوفاة ؟

فقال لهم عندى الآن حالة توليد سأقوم بها بعد قليل ولا أستطيع مغادرة المكان ،  وأنا أصدقكم وأثق فيكم فاذهبوا اعملوا له كل إجراءات الجنازة والدفن ثم عودوا لى أعطيكم شهادة الوفاة ، ولقد كانت هذه هى عادة هذا الطبيب والكثيرين من زملائه للأسف الشديد ، فكان أهل المتوفين يحضرون للإبلاغ عن الوفاة ثم يصرح لهم الطبيب شفوياً بالدفن فيذهبون ويدفنون ميتهم ، ثم يعودون له بعد عدة ايام لإستصدار شهادة الوفاة ، ولا يوجد ضرر قانونى فى تأخير إستخراجها لعدة ايام طالما كانت الوفاة طبيعية ولا توجد بها شبهات جنائية .

 

 فقالوا له لو تكرمت علينا  يا دكتور على الأقل تعطينا تصريحاً للدفن حتى لا يتعرض لنا أحد.

 فقال لهم : لا مانع ثم أعطاهم تصريحاً بالدفن وعادوا للقرية مطمئنين  بالتصريح واعتبروا أن هذه الفعلة  من طبيب الصحة هى من قبيل الثقة فيهم والمجاملة لهم ، وتمت إجراءات الغسل والتكفين والصلاة على الميت ثم الجنازة والدفن والعودة للقرية لعمل العزاء اللازم للمتوفى فى مضيفة القرية المعدة خصيصاً لهذا الغرض ، وجاء الناس من القرى والنجوع المجاورة للعزاء فى المتوفى ، وسماع ماتيسر من أيات القرآن الكريم بصوت الشيخ المشهور والذى يأتى خصيصاً للقراءة فى المآتم بأجر معقول .

 

كان أهل القرية يقيمون قبور موتاهم فوق سطح الأرض منذ عدة سنوات بعد أن طالت المياه الجوفية منطقة المدافن المخصصة لأهل القرية ،  فكانوا يقيمون المقبرة مكونة من طابقين أو ثلاثة      وكان إرتفاع الطابق يكفى لدخول رجل وهو منحنى الظهر لكى يضبط نومة المتوفى من الداخل  ، ثم يضعون الميت فيها ويضعون تحته فرشاً من الرمل ثم يضعون طوبة لبنية ( طينية لم تحرق فى النار ) تحت رأسه ، ويغلقون المقبرة بالطوب الأحمر والأسمنت ، ثم يكتبون إسم المتوفى وتاريخ وفاته على وجه المقبرة من الخارج .

 

وكعادة الناس فى القرية يذهب أهل المتوفى يومياً لقراءة القرآن أمام قبره لمدة ثلاثة أيام ، ثم ينقطعون عن الزيارة حتى اليوم السابع من تاريخ الوفاة فيذهبوا لإقامة ما يسمى ب( خميس المتوفى ) وهو أول يوم خميس يمر بعد وفاة الميت ، وبالطبع فهى عادات إجتماعية موروثة ولا صلة لها بدين ولا ما يحزنون .

 

فى الليلة التالية ليوم الدفن نامت زوجته من شدة الإرهاق والتعب واستقبال المعزين ، ورأت فيما يرى النائم رؤيا غريبة جداً قامت على إثرها مفزوعة جداً ، وراحت  تقصها على أولادها وأقاربها واقارب زوجها وهى أن زوجها يناديها بصوت خفيض قائلاً : أنا لم أمت انا لازلت على قيد الحياة ، وتعجبوا جميعاً من منظر هذه الرؤيا المخيفة فمنهم من قال الله أعلم ، ومنهم من قال أنه مات شهيداً لأنه توفى بالجلطة القلبية فجأة كما سمع من بعض الشيوخ ، ومنهم من استغفر ربه وطلب منها أن تستعيذ بالله تعالى من كيد الشيطان الرجيم .

 

ولكنها – زوجته – لم تسمع لأى رأى من هذه الآراء ، وأخذت أولادها وذهبت من الصباح الباكر إلى موضع مقبرة زوجها ومعهم المصحف الشريف لقراءة القرآن حولها والدعاء لأبيهم بالرحمة والمغفرة ، ولكنهم فوجئوا بما لم يكن فى الحسبان فهناك داخل المقبرة صوت نقر على جدارها فخافوا خوفاً شديداً وتملكهم الرعب والفزع الشديد ، وهرعوا جميعاً نحو البيوت المجاورة للمقابر صارخين بأعلى أصواتهم فتجمع الناس حولهم وسألوهم عن الأمر ، ولما سمعوا منهم توجهوا جميعاً نحو المقبرة وأنصتوا وقلوبهم ترتجف والعرق يتصبب منهم جميعاً ، فتأكدوا من وجود صوت نقر على جدار المقبرة ، فأسرعوا بإحضار شاكوش كبير وفتحوا وجه القبر فتحة واسعة فكانت المفاجأة التى تسببت فى سقوط الزوجة مغشياً عليها ، وصاح الناس جميعاً قائلين : الله أكبر .. الله أكبر .. سبحان من يحى العظام وهى رميم .. وأخرجوا الشاب من مقبرته حياً يكاد يموت من العطش الشديد ونقص الأكسجين فى المقبرة  ، وأحضروا سيارة فوراً وذهبوا به إلى مستشفى المركز ، وهناك استقبلوه وأدخلوه غرفة العناية المركزة وعملوا له الإسعافات الطبية اللازمة ، وقرر الأطباء أنه كان فى غيبوبة عميقة لم يحددوا لها سبباً غير نقص حاد ومفاجىء فى كمية الدم الذى يضخه القلب نحو المخ فأدى إلى هبوط حاد ثم غيبوبة لم يكتشفها أهل القرية البسطاء ،وبطبيعة الحال فإن المصاب بهذا الهبوط الحاد يكون تنفسه خافتاً جداً ولا يسمع عن بعد بسهولة .

 

 وخرج معافاً فى اليوم التالى مباشرة ، وعاد لبيته وأهل قريته الذين قابلوه فى ذهول شديد وهنأوه بعودته من قبره سالماً ، وقال قائل منهم سبحان الله :  ( لكل أجل كتاب فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) .

 

من حسن حظ سيادة طبيب الوحدة الصحية أنه لم يكن قد أخرج لهم شهادة الوفاة ، فلما علم بالأمر إرتجف خوفاً واستأجر سيارة بسرعة وذهب إليهم وهنأهم بسلامة الميت وعودته من القبر ، ثم اشار للرجلين الذين استلما منه تصريح الدفن وطلبه منهما  فأعطوه له فمزقه على الفور ، وابتلع ريقه بعد أن  بلغت نفسه الحلقوم خوفاً مما حدث ، فلو كان قد أعطاهم شهادة الوفاة لحظة ذهابهم له لكان قد وقع فى كارثة كبيرة تؤدى لفصله من عمله  بل وسجنه بتهمة الإهمال  ، ولكن الله سلم هذه المرة ، وقد تعلم الطبيب الهمام ألا يصرح لأحد بالدفن قبل أن يرى  جثته ويفحصها جيداً ويؤكد  حدوث الوفاة ويطمئن على سبب الوفاة بنفسه ، فكان هذا درساً عظيماً له فى عمله ، كما كان درساً لأهل القرية ألا يدفنوا ميتاً قبل أن يوقع عليه طبيب الصحة الكشف بدقة شديدة .

 

 

صفحات من الذاكرة 3 ... وسقطت فى بئر النفط

فجأة وبلا مقدمات إختفت تلك الفتاة الصغيرة الجميلة من الشارع , فلم تعد تلعب مع قريناتها ألعابها المفضلة وأهمها الأستغماية ( وهى لعبة مصرية مشهورة بين الأطفال وترجمتها بالإنجليزية هى hide and seek )  ، لقد كانت تملؤ المكان ضجيجاً مع صديقاتها أثناء اللعب ولكن للحق كانت ممشوقة القوام شديدة سواد الشعر واسعة العينين رائعة الجمال ، لم تتخطى بعد عامها الرابع عشر حين حرموها من طفولتها وبتروا براءتها وزوجوها خلسة من عجوز خليجى متصاب لم يكمل بعد الثمانين ربيعاً ، حيث كان يتجول مع أحد أحفاده المتزوجين من نفس القرية وكان يسير بخطواته الواثقة كخطو المها فى صفاء الربيع ، وقعت عيناه التى تشبه عيون البوم على تلك الطفلة المسكينة الرائعة الجمال الممشوقة القوام فاضطرب قلبه المرهف حباً ، واشار إليها بالبنان وشخشخ جيبه الملآن ، ويا لأثر  بريق الذهب ورنين الفلوس حين يشخشخ بها خبير بالنفوس ومريض بالزواج كل شهر من عروس .

 

أسرع حفيده ذو النسب القديم فى القرية وأعلن أمام أهل زوجته عن رغبة جده الهمام من الزواج من تلك الفتاة اليانعة كالوردة الساطعة وأكد إستعداد جده لدفع أى مبالغ للشبكة والمهر والهدايا والتجهيزات وأكد أنه سيشترى لها شقة فى المدينة المجاورة ، وبطبيعة الحال إستقبل أهل العروس-   الطفلة -   هذا الخبر إستقبالاً سعيداً ورحبوا بالعريس ترحيباً شديداً ، وظنوا أن الله تعالى قد رضى عنهم بهذه الزيجة وفتح عليهم من خزائن النفط الخليجية بئراً من آباره ونقلهم بهذه الخطوة من فقر مدقع إلى غنى ومال وجاه لم يحلموا به من قبل ، ولم يكن صعباً عليهم أن يستخرجوا لها شهادة تسنين من مكتب الصحة مثبوت فيها أن الطفلة قد بلغت سن الزواج القانونى (16سنة ) مقابل عدة مئات من الجنيهات ووليمة طعام فاخر لطبيب الصحة وكاتبها  ، وأقيمت الأفرح والليالى الملاح وزفت الطفلة على عريسها الذى لم يتخط بعد الثمانين ربيعاً ، وبالطبع فقد خدعت الطفلة بالذهب الكثير والفساتين والهدايا وهى تظن أنها ذاهبة فى رحلة ترفيهية لفترة وجيزة تعود بعدها للعب واللهو فى الشارع مع قريناتها مرة أخرى ، ولكن ذلك لن يحدث أبداً فقد سافرت مع زوجها  الذى لم يتخط الثمانين ربيعاً بعد إلى دولته التى يعيش فيها  .

 

كانت طفلة فحرموها من طفولتها ، وكانت سعيدة فبتروا سعادتها ، وكانت تتعلم فى الصف الثانى الإعدادى فحرموها من التعليم ، كانت حرة طليقة كالعصفورة المغردة فأحرقوا حريتها وكتموا صوتها وحرموها من نعيم الحياة ، كانت طفلة صغيرة مسكينة فأصبحت فى مقام الأم لرجال بعضهم تخطى سن الستين ، كانوا جميعاً يترقبون كل خطواتها وكل كلماتها ويحاسبونها على كل صغيرة وكبيرة ، وحبسوها فى قمقم كأنه زنزانة فيها كل أنواع المتع من طعام وشراب وتلفزيون وفيديو وخلافه .. ولكنها حرمت من نعيم الحرية وجمال الحياة ولذة الطفولة ، كانت – كالآلاف من قريناتها – ضحية الفقر والجهل والتخلف وموت الضمير .

 

وبطبيعة الحال لم يمض أكثر من عدة أشهر حتى مات زوجها وتركها أرملة فى عمر الزهور حيث لم تبلغ عامها الخامس عشر ، وعادت إلى قريتها كأن شيئاً لم يكن ، فالعجوز المتصابى لا أرضاً قطع ولا ظهراً ابقى كان يعيش معها كصديق لطيف وأخ ودود ولقد قامت على خدمته بكل إخلاص حتى توفاه الله تعالى  ، عادت الطفلة ولكنها لم تصبح طفلة بل صارت كمن تخطت سن الستين من كثرة ما حملت من هموم وما صبرت على أعباء ، وصارت أرملة يتوافد على زواجها كل من هب ودب وكل طامع ذهبها وشقتها ورصيدها البنكى ، وماتت فيها البسمة وخنقت الفرحة وحلت محلهما لوعة الضياع ومرارة الإحساس بالظلم .

 

 

 

صفحات من الذاكرة

الصفحة الأولى


 

كان لى صديق طبيب يعمل بالسعودية لمدة سنة واحدة  ثم رجع لمصر وفى إحدى لقاءاتى به حكى لى الحكاية التالية ( بعد إعادة صياغتها) :

 

كنت أسير فى أحد شوارع مدينة القصيم ( بريدة ) بالسعودية لشراء بعض حاجياتى بعد الدوام الصباحى الذى ينتهى الثانية عشرة  ظهراً , وكانت معى زوجتى وبسبب قرب المحل من المكان الذى نقطنه لم نركب تاكسى أو غيره ومشينا على الأقدام , وكنا نتبادل أطراف الحديث ونحلم بقرب نهاية العام لكى نعود إلى مصر للقاء الأهل والأحبة , وكم تعلمنا الغربة دائما أن مصر الحبيبة هى أمنا وأم الدنيا .

 

شعرت بأقدام تقترب منا ثم بيد قوية تمسك بكتفى وتهزه بقوة ساحقة فالتفتت بسرعة سائلاً :

 

من أنت وماذا تريد ؟ وعندما رأيته ورأيت طول لحيته وشكل جلبابه والسيارة التى نزل منها عرفت أنها سيارة هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر كما يسمونها هناك ,

 

 فقلت متعجباً : وما شأنك بى ؟

 

 قال : أنا هنا الذى يسأل وأنت تجيب فقط أين تذهب ؟

 

 فقلت أللهم اخزيك يا شيطان - فى نفسى-  وقلت أنا ذاهب مع زوجتى لشراء بعض حاجياتنا ..

 

فقال : وكيف تسمح لزوجتك بالخروج سافرة ؟ الا تعرف أنك تخالف الشريعة بهذا السلوك ؟

 

فقلت له لا لا أعرف كل ما أعرفه أننى شخص مصرى مسلم  طبيعى ولم تغطى زوجتى وجهها  طوال حياتها ..

 

 قال آه نعم هذا هناك فى مصر ولكن هنا يوجد إلتزام ولا نسمح بمثل هذا العبث ..

 

 فقلت :  عن أى عبث تتحدث .. إننى أعيش هنا منذ عام كامل  ولم أتعرض لمثل هذا الأمر من قبل .

 

قال متهكماً : ولكنك وقعت هذه المرة

 

 فلم أتحمل وقلت له بصوت عال جداً : نعم ماذا تقول ؟ وقعت ؟ لماذا هل وجدت معى زجاجة خمرة أم قطعة حشيش ؟ هل وجدتنى أمارس فعلاً فاضحاً فى طريق عام ؟ ماذا تقول يا رجل ؟

 

فأمسك بجاكت البدلة التى ألبسها بطريقة خشنة وتدعو للقرف والإشمئزاز فأمسكت بيده بعنف شديد وعصرتها فى يدى فنظر لى نظرة حقد كأننى ارتكبت جريمة أو قتلت قتيلاً وقال بلهجة متعجرفة ستدفع ثمن ذلك غالياً ,

 

 فقلت له تأدب يا هذا واحترم نفسك , أنا لم أخطىء فى حق أى أحد ولم أرتكب جرماً فى هذا البلد لكى أعامل بهذه الطريقة البربرية ,

 

 فاندفع قائلاً : تقول بربرية ؟ كل ذلك محسوب عليك ....من يريد العمل هنا يجب أن يحترم قوانين المملكة وأن ينصاع لها ولا يفعل أى شىء يخالف هذه القوانين

 

فقلت : واين هى هذه المخالفة ؟ نحن نمشى فى حالنا وفى أمان الله ولم نعتد  على أحد ولم نسرق أو ننهب أو نقطع الطريق فماذا فعلنا ؟

 

فقال : هنا إلتزام بنقاب المرأة وزوجتك لا تغطى وجهها وهذا يخالف قوانين الهيئة .. ومن لا يريد الإلتزام لا يحضر هنا .

 

قلت بعد إذنك أريد الإنصراف فضحك باستهزاء شديد قائلاً : تريد الإنصراف ؟ بعد التحقيقات إن شاءالله

 

 فقلت له : أى تحقيقات ؟

 

 فقال تحقيقات خروج زوجتك سافرة بدون نقاب وتعديك على رجال الهيئة بألفاظ غير لا ئقة .

 

 فطلبت منهم أن أقوم بتوصيل زوجتى للمسكن فسمحوا لى بذلك وذهب معى أحدهم بسيارة الهيئة  وانتظرنى حتى أدخلت زوجتى شقتنا وخرجت له .

 

لن أحكى لكم عن حالة زوجتى النفسية والعصبية وكيف انهارت فى بكاء شديد وكرهت المكان وتمنت الموت وطلبت منى مغادرة البلد فوراً والعودة لبلدنا وأهلنا وأحبابنا .

 

وحملونى معهم فى السيارة وهناك طلبوا منى أن أتوضأ وأصلى ركعتين ثم جلسوا يوجهون لى العديد من النصائح والتهديدات لو تكرر ذلك مرة أخرى وكأننى قد ارتكبت جريمة أو فاحشة من الكبائر  ثم صرفونى من مبنى الهيئة  بعد عدة ساعات وبعد أن وعدتهم بأن ترتدى زوجتى النقاب وألا أسير فى الشوارع أثناء الآذان والصلاة , ولكننى عندما رجعت لشقتى قررت مع زوجتى الرحيل وعدم العودة .

رد عقلى

ا

 

لعنوان مستوحى من عنوان الفيلم العربى رد قلبى والذى يحكى عن الفترة الإنتقالية بين النظام الملكى والنظام العسكرى الذى تحكم فى مصر منذ تلك الفترة الزمنية وما حدث فيه من مصائب تشيب من هولها الولدان حيث استبدلت الديكتاتورية الملكية بأخرى عسكرية تتحكم فى انحاء البلاد وفى مصائر العباد فما اكثر الذين حطمت أحلامهم وسفهت آمالهم ودمرت حياتهم وسجنوا ظلما بغير ذنب وعذبوا وشتتت أسرهم بدعوى الحفاظ على سلامة الوطن وأمنه0لم يتم رد القلب المصرى الذى فطره ظلم الإحتلال على مر مئات السنين واستباحته الملكية المستهترة وحكم الصبيان ولم يتم بل ريق المواطن المصرى الأصيل، الحافر فى الطين، الناحت فى الصخر، الصابر على ظلم الظالمين ، الراضى بأقل مما يسد الرمق ويكفى لعيش بئيس ولم يتم سد رمقه ولا كفاية جوعه ولا تحقيق معشار حلمه الدفين فى ثنايا الطين مخلوطأ بعرق ودم وكفاح السنين

لم يزل المواطن الصابر يتلقى الوعود التى لا تنفذ ويسمع التصريحات الرنانة والقرارات الطنانة بلا جدوى ولا تحقيق ولا حتى أمل صغير فى حياة كريمة لمن يسموا بمحدودى الدخل وهم لمن لا يدرى يمثلون الغالبية العظمى من الشعب فهم ليسوا مجرد شريحة ولكنهم فى الحقيقة هم الشعب المصرى الحقيقى الأصيل حين يعز الأصل، وهم الصابرون حين ينعدم الصبر، وهم المكافحون حين يندر الرجال، وهم العاملون الساهرون حين تقل التضحيات، وهم الباكون على حبات تراب هذا الوطن العظيم، هم من حاربوا الصهاينة الأشرار الملاعين وهزموهم بإذن الله تعالى فى سيناء الحبيبة وهم من رفعوا بسواعدهم السد العالى وهم حفروا بأظافرهم قناة السويس وماتوا ودفنوا فى ترابها من التعذيب والجوع

محدودو الدخل لمن لا يدرى هم مصر الحقيقية، وهم المتبرعون بدمائهم لضحايا الحوادث والأمراض عندما يهرب ذوو الملايين من مثل هذه المواقف، وهم من يطفؤون الحرائق العاتية ويواجهون السيول الجامحة والزلازل الفادحة بصدورهم وأجسادهم حيث ينامون فى مبان آيلة للسقوط وفى منازل طينية مهترئة تعيش على اثاث قديم بالى ومع ذلك يخرج منهم الطبيب والمهندس والمدرس والعامل والعالم

محدودو الدخل هم مصر يا سادة وليسوا حائط مبكى لكل من يريد ان يضيع وقته هباءأ بغير نتائج فاعلة فهم السواعد القوية، والعضلات الفتية التى تبنى حضارة مصر القديمة والحالية والمستقبلية، وهم قلوب مصر النابضة بحبها، وهم من ذهبوا لدول الخليج وليبيا والعراق وعادوا لمصر بمليارات الدولارات ورفعوا إسمها وشانها وشاركوا فى رفعة قيمتها فى كل أنحاء العالم، هم الموظفون والعاملون والعساكر فى جيش مصر وشرطتها وهم الأطباء والمدرسون والمهندسون والمحاسبون والسائقون والبائعون والصانعون والزارعون والحاصدون.فمن يرد عقلى الذى قفز خارج جسمى؟

 من يهدىء من روعى ومن يهدهد على كتفى حتى يهدأ غضبى وينتهى حزنى وينقشع ألمى على محدودى الدخل فى مصر.كلهم يعانى الديون الغزيرة، ودخله لا يلبى ربع حاجاته، وراتبه مصدر حسرته وحزنه وألمه وهو الذى جعله يعيش بائسأ مطأطأ الراس فى بيته وبين أبناء قومه فليس هناك فيهم شخص واحد لم يمد له اليد للإقتراض فى وقت الشدة وما أدراك ما وقت الشدة إن كل الوقت تقريبأ تحول إلى وقت شدة فالمرض مهما كان بسيطأ هو شدة، وسداد الجزار والبقال والفكهانى آخر الشهر وقت شدة، وأجر الشقة وقت شدة، والمواصلات المعطوبة الغالية السعر شدة، والملابس التافهة بالمقارنة بملابس أصحاب الفلوس وقت شدة، ويا حسرتاه لو كان لديه عيال ووا حزناه لو كان عددهم أكثر من إثنين فصدقونى يا سادة أن محدود الدخل لو لم يكن لديه حياء لجلس ومد يده امام المساجد وفى مخارج مترو الأنفاق ومداخل الأسواق هذا المصرى الصابر الشريف الذى يسمى محدود الدخل هو فعلأ محدود الدخل ولكنه ليس محدود الصبر ولا محدود الرجولة ولا محدود الفتوة ولا محدود الذكاء، وقد يكون قصير اليد ولكنه ليس قصير النظر ولا قصير الكرم، وقد قليل الحيلة بسبب قلة الفلوس ولكنه كثير الحيل للخروج من مآزقه المتكررة يوميأ ومشاكله المعروفة فهو يعرف كيف يغمز صاحب الفرن حتى يبيع له كمية اكبر من الخبز تكفى عياله وهو حلو اللسان ويستطيع أن يستحلب صبر البقال والجزار فيجعلهم أصدقاءأ له فلا يثقلون عليه فى طلب حقوقهم حتى يفرجها الله من عنده محدود الدخل يا سادة هو شخص عبقرى فى ترميم زمانه وكفكفة حيطانه حتى لا تسقط عليه وهو الذى يداعب الصعاب ويغازل الأهوال حتى يمر يومه خاليأ من مسببات الكآبة ومعطيات المرض النفسى وهو من يتعامل برفق مع موظفى الفواتير فيلاطفهم ويكلمهم بذكاء فقد يأتى الواحد منهم بفاتورة قد لا يكون معه قرش واحد من ثمنها ولكنه بذكائه الحاد يجعل الموظف يتحمله بعض الأيام حتى يوفر ثمن الفواتير وعندما يحتاج للمستشفيات فإنه يخلق صداقة جديدة بذكاء نادر بينه وبين الطبيب والممرض والعامل فيحصل بهدوء على الخدمة دون عناء أو عنت

محدود الدخل شخص حنكته الظروف وعلمته الأهوال وادبته الحياة فهو الذى يتأثر برفع سعر كيلو السكر وعبوة الشاى ولتر الجاز والبنزين وهو الذى يرتعد من الكلام عن رفع الدعم عن رغيف الخبز والدقيق والزيت ومواد التموين وأنبوبة الغاز وهو من يرتجف لو مرض احد افراد اسرته ويموت فى جلده من ثمن روشتة العلاج وسعر كيلو اللحم وكيلو الدجاج وهو من يتألم وحده ولا يراه غير الله الواحد القهار، وهو من يحمل هموم الوطن فى قلبه وعلى كتفيه بينما يتمتع اصحاب الفلوس بكل شىء وينظرون له نظرة دنيا ولو تعرض لهم بنقد بخلهم وإظهار نرجسيتهم وانا نيتهم اتهموه بالحقد والضغائن وعدم القدرة على الفهم وأن هذه طبيعة الحياة ان يكون هناك غنى وفقير هو لا يعارض فى وجود الأغنياء ولكنه ضد وجود الذين يسرقون عرقه وقوته وجهده ويهزؤن منه بإعطائه راتبأ ضئيلأ يتسبب فى ذله وفقره وحاجته لكل من هب ودب هو لا يعرف الحقد أبدأ ولكنه تعلمه من الأنانيين والنرجسيين والناظرين له من عليين هو يتمنى وجود نظام التكافل الإجتماعى الذى لا يقهر الفقير فيه ولا يطغى الغنى ولا يفترى ويتمنى تأمينأ على صحته وصحة أسرته مقابل نسبة من دخله تتناسب مع نفس النسبة من دخول أصحاب الملايين فتحدث المعجزة ويتم علاج الفقير والغنى فى نفس الجناح وتحت رعاية نفس الأطباء هو –محدود الدخل—يحلم بدولة بنفذ فيها القانون على كل الطبقات دون تفرقة بسبب المال أو الجاه أو المنصب او الدين أو اللون او العرق، ويحلم بقانون لا يقف فيه الفقير مرتجفأ اما م أهل القانون بينما يجلس الغنى أو ذو السلطان واضعأ رجلأ على رجل، ويحلم بدولة تحترم الإنسان لكونه إنسانأ وتحترم المصرى أكثر من إحترامها لكنوز العالم ويحلم بعدالة هى حقه الطبيعى لأنها ستحقق له حلمه القديم فى حياة كريمة ودخل يفى بمتطلباته وكرامة له امام السلطات وأهل السلطان، كرامة بكفالة القانون وليس بموافقة الأشخاص، يحلم بدولة يتساوى فيها البشر ولا تتم المفاضلة بينهم إلا بعظائم الأعمال التى ترفع من شأن الوطن وقيمة المواطن، يحلم بدولة ترد عقله الذى يوشك أن يغيب فى متاهات الظلم والإنتهاك والحرمان يحلم بدولة تكرمه عندما ينجح ويبدع وتعلمه عندما يخطىء كيف يتلاشى الأخطاء وتساوى فى تطبيق القوانين بين كل فئات الوطن إنه محدود الدخل الذى يبنى ويعمر ويعطى بغير حدود ويقبض القليل، إنه أمل مصر وحلمها.

 إمضاءمحدود الدخل



<<الصفحة الرئيسية