أحلامى

أحلم أن أستيقظ يومأ فإذا الشمس تبدد كل ظلام الكون وإذا الحب يهيمن ويدمر أصنام الحقد أحلم أن تبزغ فى لمحة عين كل بذور الأمل المدفون تحت جدار الخوف

تأملات مشروعة فى قصة قرآنية (2)

بعيداً عن هؤلاء الذين يقدسون البشر ويرفعون من شأنهم لدرجة العبادة  وأنهم لا يأتيهم الباطل ، فهذا مقال موضوعى من خلال القرآن الكريم يؤكد وجود فئات كبيرة من المنافقين الذين حاربوا الله ورسوله سراً بينما كانوا يجهرون بإيمانهم وتقواهم ،ويشاركون النبى فى صلاته وجلساته ومعاركه لصد المعتدين ،  ولولا أن الله تعالى قد أنبأ نبيه بذلك لما عرفهم ولما عرف دنائتهم  ورغبتهم الشديدة فى تدمير دعوة الحق والحب والسلام التى بعث من أجلها والتى طبقها بشكل عملى فى دولته الناشئة الصغيرة ، دولة المدينة المنورة فى عهد النبى الخاتم عليه السلام .

 

هذه جولة تأملية فى بعض آيات من سورة الأحزاب نقف فيها على حقائق مهمة جداً من خلال القرآن الكريم وهى أن هناك رجال كانوا حول الرسول الخاتم فصدقوا ما عاهدوا الله عليه بينما كان هناك آخرون منافقون مندسون ليس لهم هم سوى القضاء على الدعوة الإسلامية التى قوضت أحلامهم وخيبت آمالهم فى السيطرة الدائمة على السلطة والثروة .

.

 

بخصوص صحابة النبى عليه السلام  فقد قال الله تعالى عن الصالحين منهم :


(( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَه .. الآية )) الفتح 29


ثم قال الله تعالى عن الذين بايعوا النبى على الإيمان :


(( لقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا )) الفتح 18


ولكن رضا الله هنا ليس وثيقة أبدية بمعنى أن لو أحد المبايعين للرسول أخل بشرط من شروط البيعة فلا رضى له من الله وفى هذا يقول الله تعالى :


  )) 
إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا )) الفتح 10


أى أن مسألة أن الله تعالى رضى عن المؤمنين الذين بايعوا الرسول تحت الشجرة ليست مسألة منتهية عند حد المبايعة ولكنها تمتد لتشمل الإلتزام بهذه البيعة وهو دوام الإيمان بالله تعالى وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر والإخلاص لله تعالى ورسوله سراً وعلانية ، وعدم مناصرة الذين يحاربون الله ودينه ورسوله .. ألخ   فإذا تحققت تلك الشروط فيمن بايع فقد فاز برضى الله تعالى ،أما لو أخل بهذه الشروط أو بواحد منها فقد فسدت بيعته  .


واقرأ معى قول الله تعالى عن صنف آخر من الصحابة كانوا يجلسون مع النبى الكريم ( ص) ولكنهم خانوه ونافقوا وظاهروا عليه أعداءه فهل هؤلاء صحابة مخلصون ؟ وهل يستحقون أن نحترمهم كما نحترم الصالحين الطيبين الذين بذلوا النفس والمال فى سبيل نصرة الله ودينه ورسوله ؟ إقرأ معى ماذا قال الله تعالى عن هؤلاء :


  ))
ومِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ )) التوبة 101 .


ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل وصل بهم الأمر للهروب من مواجهة المعتدين الذين يكيدون لله ودينه ورسوله يقول تعالى عنهم فى سورة الأحزاب حيث يحكى القرآن العظيم عن واقعة الأحزاب ويصور العدد الهائل والعدة والعتاد لجيوش الكافرين فيقول تعالى :


))
إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا {10(


ثم يصور الله تعالى التغيرات النفسية التى اصابت المحاربين فى هذه الأثناء فيقول جل من قائل :


  ))
هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً {11}
وفى هذه اللحظات بالذات يظهر المعدن الحقيقى للإنسان ويظهر الذين عاهدوا الله ورسوله بصدق أم بنفاق ويتضح الفرق بين المؤمن الحقيقى والمنافق يقول تعالى :


 ))
وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً {12} وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً {13}


ثم يذكر الله تعالى عهدهم السابق وإلتزامهم بالكفاح والجهاد ضد المعتدين والوقوف بكل قوتهم مع رسول الله نصرة لدين الحق ولكنهم – أى المنافقون والذين فى قلوبهم مرض – نكثوا عهدهم مع الله ورسوله يقول تعالى :


 ))
وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولاً {15}‏ قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً {16} قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً {17}


لم يقف حد البعض منهم عند النفاق الداخلى ولكنه خرج من القلب إلى اللسان فراحوا يحاولون إقناع الآخرين بعدم نصرة الله ودينه ورسوله يقول تعالى :


 ))
قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلاً {18} أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً {19} يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُم مَّا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلاً {20}


ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو القدوة الحسنة لكل صالح ومؤمن تقى إلى قيام الساعة يقول تعالى :


 ))
لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً {21}


وهؤلاء هم المؤمنون الحقيقيون الذين نصروا الله ودينه ورسوله يقول عنهم الله تعالى :
((  وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً {22}‏


ولذلك يستخدم الله تعالى حرف (( من )) لكى نعرف أنه ليس كل مؤمن صادق فى إيمانه ولكن بعض المؤمنين صادقون فى إيمانهم والبعض الآخر غير صادق فكيف نسوى بينهم فى الحكم والحب والإقتداء والتأسى ؟؟ يقول قيوم السماء والارض

 :
))
  مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً {23}


ولذلك يقول تعالى أن الصادقين من المؤمنين لهم أجر عظيم عند مولاهم تعالى وأما الكاذبون فهم منافقون ولا وزن لهم عند الله تعالى يقول سبحانه :


 ))
لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً {24}


ومع ذلك وبعد هذا الإختبار الرهيب لإيمان الناس فى عهد النبى (ص) فقد أذل الله المعتدين وأخزاهم وردهم وانتصر منهم يقول تعالى :


 ))
وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً {25}


ثم أذل الخونة من أهل الكتاب الذين نصروا المعتدين وأيدوهم ضد الله ورسوله رغم كل الخير والعدل والسلام الذى عاشوا فيه فى كنف النبى محمد ( ص) العادل الصادق الأمين وصحبه الكرام فى المدينة قبل تلك المعركة ، ولكنهم بسبب خيانتهم نالوا جزاءهم العادل يقول تعالى :


))
وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً {26} وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً )) الأحزاب 11 : 27


وكلنا نعرف قصة بعض الصحابة الذين تمنوا أن يغنيهم الله فضله وعاهدوا الله تعالى لئن أعطاهم الله من فضله فسوف يتصدقون على الفقراء والمساكين والمحتاجين وينفقون فى سبيل الله تعالى بغير حساب فلما أعطاهم الله المال والجاه بخلوا به ونقضوا عهدهم مع الله تعالى فاستحقوا غضب الله عليهم فى الدنيا والآخرة يقول تعالى عن ذلك :


 ))
وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ {75} فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ {76} فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ {77})) التوبة 75 :77


مما سبق نجد نوعين من صحابة الرسول عليه الصلاة والسلام ، نوع صادق فى إيمانه ونوع منافق.

 
وعلى أى حال فصحابة الرسول بشر ويجرى عليهم ما يجرى للجميع وهم ليسوا فوق النقد بشرط عدم التجريح أو التعرض بالإهانة ، ولكن يكون النقد بناءاً وله هدف نبيل وهو الوصول إلى الحق ومعرفة الحقيقة .


ولكن يبقى سؤال مهم جداً :
هل الذين دونوا تاريخ صحابة النبى صادقون فيما كتبوا ؟ يعنى هل كل خبر وصلنا من التاريخ هو خبر حق وصدق لا يأتيه الباطل ؟ أم أن هناك أخبار مدسوسة ضد صحابى معين بسبب أن طائفة معينة تكرهه فأضافت لتاريخه ما ليس فيه ؟ وهنا يحدث لبس ولغط عظيم إذا أصدرنا أحكاماً أو سطرنا اراءاً حول أناس توفاهم الله تعالى منذ اربعة عشر قرناً من الزمان حيث أن الرأى السديد والحكم الأكيد يكون مبنياً على رؤية العين وشهادة الشهود فلماذا نضع أنفسنا فى مأزق خطير مع الله تعالى مالك الملك ؟؟


عندما تقاتل المسلمون فى معركة الجمل و صفين أو غيرها ، هل وصلت أخبار هذه المعارك عن طريق القرآن أم عن طريق التاريخ ؟؟


لو كانت جاءت فى القرآن – وهو مستبعد حيث أنها حدثت بعد انقطاع الوحىلكنا سلمنا بكل كلمة جاءت عنها ، ولكنها جاءت ايضاً برواية الرواة وأخبار التاريخ والمؤرخين ، والمؤرخون بشر يصيبون ويخطئون ، فكيف نأخذ بكلامهم كأنه مسلمات ؟؟ لابد أن الفتن والأهواء الشحصية قد لعبت دوراً كبيراً فى التأريخ كما لعبته فى تزييف أحاديث كثيرة نسبت ظلماً للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام .


ومن هنا اقول أن الصحابة بشر مثل أى بشر وليسوا معصومين من الخطأ وليسوا فوق النقد بشرط تحرى الدقة فى المسائل التاريخية والبعد التام عن أسلوب التجريح والإهانة أو التحقير أو التقليل من شأنهم ، وهذه أخلاق نحن مطالبون بها ليس تجاه الصحابة وحسب ، ولكن تجاه بعضنا البعض ، بل وتجاه الذين يخالفوننا الدين والفكر والعقيدة ، فالملك لله تعالى الواحد القهار ، ونحن مجرد بشر لا نملك لأنفسنا ولا لغيرنا نفعاً ولا ضرراً ولا موتاً ولاحياة ولا نشورا ً .

تأملات مشروعة فى قصة قرآنية

هل كان العبد الصالح الذى قابله موسى مخلوقاً بشرياً أم ملاكاً مطيعاً من ملائكة الله تعالى تجسد لموسى على شكل بشر بحيث لا يراه بعد الله تعالى غير النبى موسى ؟؟

أميل لكون هذا العبد كان ملاكاً وليس بشراً وسوف اسوق أدلتى لأثبت وأؤكد أنه لم يكن من البشر ولم يره غير موسى ولم يدرك أفعاله سوى موسى أثناء قيامه بها ، لأنه لو أدرك الآخرون أفعاله ورأوها لكانت هناك ردود افعال شديدة لما قام به من خرق لسفينة مساكين وقتل لغلام برىء وإقامة لجدار على وشك السقوط فى قرية البخلاء ، وتعالوا بنا نغوص فى أعماق هذه القصة القرآنية الحقة ونستخرج ما استطعنا منها من عبر .

 

بالتأمل فى قصة النبى موسى مع العبد الصالح الذى قابله فى إحدى رحلاته التأملية فى الكون ، تحكى القصة أن الله تعالى قد شاء لعبده ونبيه موسى أن يلتقى بعبد لله يتمتع بصفات لا يتمتع بها موسى النبى نفسه وهى أن الله قد آتى هذا العبد رحمة من عنده وعلمه من لدنه علماً ، وتحكى القصة القرآنية أن موسى هو الذى بادر بطلب التبعية لهذا العبد المعلم حيث دار هذا الحوار :

موسى : هل أتبعك على أن تعلمنى مما علمت رشداً ؟

العبد المعلم : إنك لن تستطيع معى صبراً ..

موسى : صامتاً

العبد المعلم : وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً ؟

موسى : ستجدنى إنشاء الله صابراً ولا أعصى لك أمرا

العبد المعلم : فإن اتبعتنى فلا تسألنى عن شىء حتى أحدث لك منه ذكراً ..

وانتهى الحوار هنا وبدأت الرحلة .

 

يجب أن نتذكر ان موسى كان بصحبة فتاه ( اى الغلام الذى يخدمه ) وحين قابل العبد المعلم كان هذا الفتى لا يزال بصحبة موسى لقوله تعالى ( فوجدا عبداً من عبادنا ) أى بصيغة المثنى ، ولكن موسى عليه السلام لما طلب من العبد المعلم أن يتبعه قال له ( هل أتبعك ) ولم يقل ( هل نتبعك ) مما يدل على أن موسى سار وحده مع العبد المعلم ، فلما مشيا معاً وصلا إلى شاطىء بحر بدليل انهما ركبا سفينة ، قام العبد المعلم فور ركوب السفينة بخرقها ( أى عمل بها ثقباً يسمح بدخول الماء ) مما يهدد راكبيها بالغرق المؤكد والفناء المحقق ، فلم يتمالك موسى نفسه وطفق يسأل الرجل :

( أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً )

فرد العبد عليه :

 ( ألم أقل إنك لن تستطيع معى صبراً )

فرد موسى :

 ( لا تؤاخذنى بما نسيت ولا ترهقنى من أمرى عسراً )

 

 ...نلاحظ هنا تسرع موسى عليه السلام ونسيانه للوعد الذى قطعه على نفسه وهو أنه سيصبر على أعمال الرجل ولن يعصى له أمراً ، ولكن العبد المعلم تجاوز هذه المرة وسار مع موسى ، ويبدو أنهما من سياق القصة قد غادرا السفينة وسارا معاً على اليابسة ، وصادف سيرهم غلام فقام العبد المعلم بقتله على الفور دون سابق إنذار مما اثار حفيظة النبى موسى وسارع سائلاً :

( أقتلت نفساً ذكية بغير نفس لقد جئت شيئاً نكراً )

فرد عليه قائلاً :

( ألم اقل لك إنك لن تستطيع معى صبراً ) ؟

 فقال له موسى ( إن سألتك عن شىء بعدها فلا تصاحبنى قد بلغت من لدنى عذراً ) ،

 

 وسامحه الرجل للمرة الثانية وانطلق  معه حتى وصلا قرية يبدو أن أهلها جميعاً بخلاء ونفهم ذلك من سياق القصة ( حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها ) أى طلبا الطعام من أهل القرية لكونهما جائعين ( فأبوا أن يضيفوهما ) أى رفضوا جميعاً تقديم واجب الضيافة للرجلين .

 

وسار موسى مع العبد المعلم حتى وجدا جداراً قديماً يكاد يسقط على الأرض بفعل مرور الزمن وعوامل التعرية ( فوجدا جداراً يريد أن ينقض فأقامه ) فقال له موسى ( لو شئت لاتخذت عليه أجراً ) فرد العبد المعلم ( هذا فراق بينى وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً ) .

 

وبدأ يشرح لموسى أسباب قيامه بهذه الأفعال وهى بالطبع أسباب غيبية لا يعلمها إلا الله ولكن الله تعالى كلف هذا العبد بذلك لتكون عظة وعبرة لموسى وللمعتبرين من بعده ، فماذا قال :

1-   عن السفينة

 

 قال ( أما السفينة فكانت لمساكين يعملون فى البحر وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً ) . وهنا يتبادر إلى الذهن عدة أسئلة ... هل خرق السفينة سبب كاف لكى يتركها القرصان اللص الذى يأخذ كل سفينة غصباً ؟ ألا يمكن أن يأخذها ويقوم رجاله البارعون بإصلاحها ... كيف تأكد العبد الصالح أن هذا الملك ( القرصان ) سيترك السفينة لمجرد أن بها عيباً بسيطاً كهذا الثقب قام به شخص واحد ولم ينتج عن حادث فظيع مثلاً ؟ وهناك سؤال آخر : كيف قام الرجل بخرق السفينة وهى ملك لبعض المساكين الفقراء وكيف تركوه يخرقها دون أن يوقفوه عن ذلك الفعل الذى سيتسبب فى غرقهم أو على أقل تقدير فقدانهم للسفينة التى يأكلون منها عيشهم ؟هل قام بإخبراهم أنه مرسل من عند الله وأنه سيخرق السفينة من أجل إنقاذها من القرصان ؟ وهل صدقوه وآمنوا بكلامه أم أن الله تعالى هداهم للصمت على ذلك والسكوت حتى يمر القرصان دون أن يأخذ السفينة ؟ والسؤال الأخير هل يمكن أن يكون العبد الصالح ملاكاً لا يراه سوى النبى موسى لذلك فقد خرق السفينة بطريقة لا يدركها أصحابها ثم قام بعلاج الثقب بعد مرور القرصان ؟

2-   عن الغلام الذى قتل

 

إن قتل إنسان هو بلاشك جريمة نكراء ، فكيف قتل الرجل الصالح هذا الغلام فى بلده ؟ وهل تركه الناس يقتله ويمضى ؟ اليس هناك شرطة أو بوليس يقبض عليه ؟ وأكثر من ذلك ما هو موقف أبويه الصالحين من عملية قتل فلذة كبدهما ؟ وخصوصاً أنهما لم يعلمهما الله تعالى من لدنه علماً كما فعل مع العبد الصالح أى أن الموضوع بالنسبة لهما هو جريمة قتل مكتملة الأركان ؟ ولو كان العبد المعلم ومعه النبى موسى قد تركا البلدة التى قتل فيها الغلام ومشيا ، فمن الطبيعى أن يعثر الناس على جثة الغلام القتيل ويذهبوا لأهله ويخبروهم بذلك فيسرع أهله باكين نحو الجثة ، وخاصة أن هذا الغلام كان سيرهقهما طغياناً وكفراً فيما بعد أى أنهما لم يريا منه طغياناً وكفراً حتى تاريخ قتله فما هو موقفهم ؟ وهل سيتهمون أحداً من اهل القرية بقتله ؟ هل ستكون هناك إتهامات ومعارك وثأر ؟ أم أن الله تعالى يمكن أن يكون قد أوحى إلى أبوى الغلام بما سيحدث لإبنهما فرضيا وسكتا لأنهما على علم بما سيكون من أمر قتل إبنهما على يد العبد المعلم ؟ والسؤال الأخير هل يمكن أن يكون العبد الصالح ملاكاً لا تراه العيون وقام بعملية القتل دون إراقة دماء وبدا للناس ولأبويه كأنه مات موتة طبيعية لا دماء فيها ولا عنف ؟ وخصوصاً أن القصة لا تذكر ابداً أن الرجل قد قتل الغلام بسكين ولا بعصا ولا بأى أداة مما يمكن أن تستخدم فى القتل ، وهذا ما أميل إليه وهو أن العبد الصالح كان ملاكاً لا يراه غير موسى وكان يفعل هذه الأشياء دون أن يراه أحد غير الله وموسى وقد يسأل سائل وكيف طلبا طعاماً من أهل القرية ؟ هل تأكل الملائكة ؟ والجواب هو أن الطعام كان لموسى وفتاه ( أى الخادم الذى كان معه) وأن موسى سار مع غلامه بصحبة العبد الصاالح ( الملاك المعلم من ربه )

 

3-   الجدار

 

أهل القرية التى بها الجدار بخلاء وطالما هم بخلاء فلا أخلاق لهم ولا إنسانية عندهم ، وقد رفضوا تقديم واجب الضيافة لهما ، فكيف بأهل هذه القرية وقد رأوا بأم رأسهم رجلين غريبين يدخلان القرية ثم يقيمان جداراً على وشك السقوط .. أليس من العقل أنهم سيسألون موسى والرجل عن سبب قيامه بترميم هذا الجدار ؟ ألا يمكن أن يشك أحدهم فى أهمية هذا الجدار ثم يقوم بنقضه وسرقة الكنز بعد أن يقوم الرجلان بمغادرة المكان ؟ وهذا تقريباً يؤكد ما أميل إليه وهو أن هذا العبد الصالح كان ملاكاً لا يراه غير موسى ويقوم بهذه الأفعال بسرعة البرق دون أن يدركه الآخرون ، فقط موسى وبتقوية من الله ودعم له يرى ما يقوم به هذا الرجل الصالح ولا يراه سواه من البشر وإلا فإن كل التساؤلات التى طرحتها يجب أن توضع للتحليل الميكروسكوبى الدقيق ، أما لو كان ملاكاً فتكتمل معجزة هذا العبد الصالح مع موسى ويصبح الموضوع قدراً إليهاً غيبياً لنبى ورسول من رسل الله تعالى ليزداد قلبه هدى ويتعلم الصبر ويعلم العبر التى رآها ومرت عليه فى قصته مع هذا العبد الصالح .

 

ومما لا شك فيه أن صفات العلم اللدنى ( أى الإلهى ) قد وضحت فى التصرفات الثلاثة التى قام بها العبد الصالح وكذلك الرحمة ، فقد علم أن السفينة لمساكين ( علم ) وأن وراءها قرصان لص يسرق السفن إغتصاباً ( علم ) فقام بخرقها لإنقاذ أصحابها المساكين ( رحمة ) ومما لا شك فيه أنه اصلحها بعد مرور القرصان أو ارشدهم على طريقة سهلة وسريعة لإصلاحها ، وكذلك عرف أن أبوى الغلام صالحان ( علم ) وأن الغلام عندما يكبر سيكفر ويطغى ( علم ) فقتله فأنقذ الغلام من عذاب جهنم ( رحمة ) وأنقذ أبويه من عذاب الغلام لهما طول عمرهما بسبب الكفر والطغيان اللذان كانا سيسيطران عليه ( رحمة ) ، وبالنسبة للجدار فقد عرف أن تحته كنز لغلامين يتيمين ( علم ) وأن أباهما كان صالحاً (علم ) فقام بترميم الجدار وإقامته مرة أخرى ( رحمة ) ومن المؤكد أن الله تعالى سيحفظ الجدار للغلامين حتى يكبرا ويستخرجا كنزهما .

 

 

 

تأملات فى الإيمان والكفر

 

1-

 

الإيمان والكفر هما صفتان خفيتان من مكنونات القلب البشرى لا يطلع عليهما إلا الله تعالى الذى ( يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور) ، ولذلك لم يكن رسول الله وخاتم أنبيائه - عليهم الصلاة والسلام جميعاً – يعلم أسماء المنافقين الذين يصلون معه ويصومون معه ولذا فقد قال له العلى القدير( وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم) ، وعلى ذلك فإننا نحن البشر ليس من صفاتنا علم الغيب لأن علم الغيب من عظائم الأمور التى اختص بها ربنا جلّ وعلا نفسه فهو وحده القادر على علم خفايا القلوب ومكنوناتها يقول علام الغيوب على لسان النبى :     (قل لا اقول لكم عندي خزائن الله ولا اعلم الغيب ولا اقول لكم اني ملك ان اتبع الا ما يوحى الي قل هل يستوي الاعمى والبصير افلا تتفكرون)  ،  وقد قال تعالى   لكل مؤمن ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا ) ، أى أن الإنسان المسالم الذى لا يضر الآخرين ولا يؤذيهم ويعيش بينهم فى محبة وسلام هو مؤمن ومسلم لا يحق لأحد تكفيره أو تصغيره أو التقليل من شأنه مهما كانت عقيدته التى يعتنقها أو فكره الذى ينتهجه .

 

 

 

لو أعلن إنسان  كفره بالله تعالى فليس من حقى أن أعاقبه أو أقتله أو حتى أسجنه ، فحسابه عند الله تعالى فى يوم الدين ، وليس من حقى كإنسان ضعيف لا أملك لنفسى ولا لغيرى نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً أن أحاسب الكافر بالله تعالى على كفره ولا أن أكافىء المؤمن على إيمانه ، فليس لى هذا الحق ولا أملكه ولا يتأتى لى التدخل فى شأنه ، فلو فعلت ذلك فقد اشركت نفسى مع الله تعالى وضعت ضياعاً أبدياً لا رجعة فيه إلا بتوبة نصوح عما ارتكبت من جرم وما اقترفت من إثم ، ولا أملك له سوى نصيحة مخلصة لوجه الله تعالى فإن قبلها فمرحباً وإلا فهو حر وحسابه على الله .

 

2-

يهمنى من أخى الإنسان ( عموماً) أن أأمن جانبه ، فلا يهدد حياتى ولا يهدد أموالى وممتلكاتى ولا يهدد أبنائى وأحبابى  ، ولا يقض مضجعى ، ولا يحرمنى من حريتى أو حتى ذرة من حريتى ، وأن يعاملنى بكرامة ويبادلنى إحتراماً بإحترام وتقديراً بتقدير ، وعندئذ فهو – أى هذا الإنسان – هو النموذج الأمثل والمثال الأعظم للإنسان ، مهما كان دينه الذى يدين به ، أو عرقه الذى ينتمى إليه ، أو لون بشرته أو لغته التى يتكلم بها .

 

لو فقدت فيه الإحساس بالأمن والطمأنينة ، وظل يرمقنى بنظرة تكفير وتحقير وتمييز ، وراح يصفنى بما لذ له وطاب من كلمات وألفاظ ، كل ذلك لأننى لم أخضع لرأيه ولم أنتم لوجهة نظره وكان لى رأى مخالف له وفكر مضاد لفكره ، فظن – بظلم منه – أنه على الحق وأننى على الباطل ، وسولت له نفسه الأمارة بالسوء أن يتقمص دوراً يملكه الله وحده وهو دور العلم بغيب القلوب والحكم عليها ، فضيع نفسه فى متاهات الشرك دون أن  يدرى وهو يظن نفسه جندياً  مدافعاً عن الله ورسوله ودينه ، مثل هذا الإنسان مهما كان معى على نفس الدين ونفس العرق ونفس اللون فلا يروق لى ولا أحبه ولا أحب أن يجمعنى به مكان واحد أو حتى زمان واحد ، لأننى فى معيته أفقد الإحساس بالأمن وتهرب الطمأنينة من قلبى .

 

3-

 

فالدين فى حقيقته هو مجموعة متكاملة من المعاملات الإنسانية التى لا يجوز الإنتقاص منها ،لأن ضياع جزء منها معناه ضياع كل شىء ،  مثل الصدق فى القول والإخلاص فى العمل والتفانى فى الحب ، والوفاء بالعهد والوعد ، والتحلى بمكارم الأخلاق من مروءة  وعطاء وكرم ونصرة للضعيف ، ووقوف مع المظلوم والمضطهد وإيوائه وإطعامه ، ونشر مبادىء العدل والإحسان والكرم ووصل القريب والجار والصديق والزميل ، وبعد عن كل أنواع الفواحش ما ظهر منها وما بطن وهجر للمنكر والبغى ، وغير ذلك من صفات ومعاملات هى فى حد ذاتها جوهر الدين وصورته المشرقة ووجهه الجميل الطيب .

 

ورغم أهمية العبادات ( مثل الصلاة والحج والصوم والزكاة ) ولكنها بدون التحلى بما سبق من أخلاقيات سامية وتعاملات راقية بين البشر فإنها تفقد معناها ورونقها وتتحول لمجموعة من الحركات والسكنات  التى لا يرجى من ورائها خير ، ولذلك أكد ربنا جلّ وعلا دائماً أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وأن الله ( يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى )  ، وفرض الله الصيام ( لعلكم تتقون ) ، وفرض الزكاة والصدقات ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) ... وفرض الإكثار من ذكره تعالى ( أذكروا الله ذكراً كثيراً) لا لكى نتباهى بالمسبحة والمادة التى صنعت منها بل لأن ( الذين آمنوا و تطمئن قلوبهم بذكر الله ، ألا بذكر الله تطمئن القلوب)  ولأن ذكرك لربك يجعلك فى معية دائمة معه سبحانه ( فاذكرونى أذكركم ) فلا يمكن فى هذه المعية أن تظلم أحداً أو تسرق أو تقبل رشوة أو ترتكب جرماً ، فأنت تشعر دوماً أن ربك سبحانه وتعالى معك ويراقبك ويحب أن يراك طيباً وجميلاً ومتسامحاً تفعل الخيرات وتتسابق عليها وتهجر الشرور وتهجر الأشرار فتلك هى عظمة ذكر الله تعالى وعظمة الشعور الدائم بمعيته .

 

فمن كان يصلى خمس مرات يومياً ، ويصوم رمضان ويحج بيت الله الحرام ويذبح الذبائح لوجه الله تعالى ويؤتيها للفقير والمسكين والمحتاج وفى نفس الوقت يتعامل بالربا أضعافاً مضاعفة ، أو يقبل الرشوة من الآخرين لإنجاز أعمالهم ، أو يتاجر بما يضر صحة الناس كالحشيش والبانجو وغيرهما ، أو يعمل فى التهريب فيسبب أزمات مالية لبلده ويتسبب فى زيادة الفقروالشقاء والمرض لأهل وطنه  ، أو يهمل فى عمله المنوط به ، أو يتكبر على الناس ويتعالى عليهم فينفرون منه ويكرهون لقاءه ... كل تلك الأمثلة وغيرها من الجرائم لا أعتقد أن لأصحابهم نصيب مما عملوا من خير ، فلا صلاتهم علمتهم التقوى ومراقبة الله تعالى فيما يعملون ،ولا صومهم طهرهم ولا صدقاتهم زكتهم ، فياحسرة على من اضاع العمر فى عبادات كثيرة لم تكن سبباً فى تنوير طريقه وتبصرته بالحق والعدل والسلام ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءاً منثوراً) .

 

4-

 

إن الإيمان بحق الآخرين فى الحرية الدينية والفكرية  هو من صميم الإيمان بالله تعالى ، فقد أكد المولى جلّ وعلا حرية الكفر وحرية الإيمان به سبحانه لأن حساب المؤمن وحساب الكافر على الله يوم القيامة وليس فى هذه الدنيا( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)  ، لأننا لو أطلقنا العنان لأنفسنا فى تكفير بعضنا البعض فإننا نسقط بكل أسف فى مستنقع الشرك لأن الله وحده له علم الغيب وله حق الحكم على مكنونات القلوب ومحتويات العقول من دين وفكر ورأى ، أما نحن البشر فلا نملك علم الغيب ، فقد يكون الكافر من وجهة نظرنا مؤمنأ حقيقياً ، وقد يتوب الكافر الحقيقى قبل نهاية عمره ويرجع لربه ويعبده بلا شريك ويتوب إليه ، فالله وحده يعلم إذا كان شخص ما سيتوب قبل موته ويتبع سبيل ربه أم لا ( إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً ) ، والله يحب عبده التائب ويكرمه ( أولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ) فهل هناك أعظم أو أكرم من ذلك ؟؟؟؟    ...   أما نحن فليس لنا أى نصيب من علم الغيب ( إنما الغيب لله) ، ولذلك فلحكم لله وحده على ما تحتويه القلوب من إيمان أو كفر ، ونحن – كبشر ضعفاء – لا يحق لنا إصدار الأحكام العشوائية فى حق الآخرين ( إن الحكم إلا لله ) .

 

5-

 

عندما دعا خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام ربه قائلاً (واذ قال ابراهيم رب اجعل هذا بلدا امنا وارزق اهله من الثمرات من امن منهم بالله واليوم الاخر قال ومن كفر فامتعه قليلا ثم اضطره الى عذاب النار وبئس المصير) فقد أراد  ربط الرزق بالإيمان بالله تعالى ، ولكن الله تعالى العليم الرحيم لم يستجب لدعوته بهذا الشكل وقام بإضافة تغيير على متنها فقال تعالى ( قال ومن كفر فأمتعه قليلاً ) أى أن الله تعالى وعد نبيه إبراهيم أنه سبحانه سوف يرزق الكافر به كما يرزق المؤمن ، وأنه تعالى قد خلق عذاباً مهيناً للكافرين ونعيماً مقيماً للمتقين ، وكذلك فى دعوة أخرى للخليل إبراهيم حين قال له ربه ( إنى جاعلك للناس إماماً ) فطمع الخليل فى كرم ربه فقال ( ومن ذريتى ) فقال له الله العليم القدير( لا ينال عهدى الظالمين ) ، وهنا يؤكد المولى تعالى أن النسب الدموى لا يكون سبباً فى النجاة عند الله تعالى بدليل أنه سبحانه أكد أن من ذرية إبراهيم – وهو من هو – سيكون منهم ظالمون وسيكون منهم صالحون متقون ، فالمتقون سيكونون أئمة للناس الطيبين فى كل مكان وزمان أما الظالمون فلا حظ لهم فى تلك الإمامة وسيكونون أئمة فى إتجاه آخر وهو الظلم والعياذ بالله العظيم .

 

6-

 

ليس هناك وساطات عند الله تعالى ، "يعنى مفيش علشان خاطرى"  ، ولنا فى نبى الله نوح وقصته مع إبنه الكافر خير مثال وأبلغ دليل على ذلك ، فقد ظن نوح عليه السلام – الذى عبد ربه ودعا لدين الله قرابة ألف عام – أن مجرد كون إبنه من أهله ينقذه الله ويجعله يركب سفينة النجاة مع المتقين فقال ( رب إن ابنى من أهلى وإن وعدك الحق ) ، فجاءه رد السميع العليم ( قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح ) ،ثم جاءه  هذا التحذير ( فلا تسألنى ما ليس لك به علم إنى أعظك أن تكون من الجاهلين ) ثم تأتى توبة نوح عليه السلام ( قال رب إنى أعوذ بك أن اسألك ما ليس لى به علم وإلا تغفر لى وترحمنى أكن من الخاسرين ) ... وهكذا فمسألة الإيمان بالله العلى القدير لا تأتى بالعنف ولا تأتى بالقوة ولا تأتى بسبب النسب أو المصاهرة ، ولكنها إجتهاد عظيم وتفكر طويل وإعمال للعقل فى ملكوت الرحمن حتى يقتنع الإنسان بمسألة الإيمان فيؤمن بربه ويخبت له ويخشع قلبه ويدرب عقله على الصلاح والإيمان والإسلام حتى يصبح من المتقين ويكتب فى عداد الصالحين والطيبين ، فلا القرابة تجلب الإيمان بالله تعالى ولا المصاهرة ولا المال والغنى والثراء يشترى التقوى ولا كل كنوز الدنيا تجلب اليقين والصدق ، بل هى أمور لا تورث ولكن تكتسب من التفكير فى ملك الله تعالى والسير والتدبر فى آياته الكونية المرأية ( قل سيروا فى الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق )  والآيات المكتوبة فى كتبه السماوية التى ختمها الله تعالى بالقرآن العظيم مهيمناً على ما سبقه من كتب .

 


 

 

لقد كان فى قصصهم عبرة لأولى الألباب (3)قصة إبنى آدم عليه السلام

 

 

(أ)  مما لا شك فيه أن الله تعالى ليس لديه وساطات ولا محسوبيات ، وأنه سوف يحاسب كل إنسان على أعماله التى قدمها فى حياته الدنيا إن خيراً فخير وإن شراً فشر ، ولقد كان لكل نبى أو رسول أهل وأقارب وأصدقاء وجيران ، وكان لكل منهم معاملاته الخاصة من تجارة إلى زراعة إلى صناعة إلى غير ذلك من المعاملات الحرفية واليومية ، وكان لكل رسول أحباب ومؤيدون مؤمنون برسالته كما كان لكل رسول أعداء حاقدون عليه مناؤئون لرسالته ومحاربون له بل ومعتدون عليه وعليى أتباعه .

 

الغريب أن تجد من هؤلاء الأعداء من هم أقرب الناس لهذا الرسول أو ذاك ، فأحياناً تجد أبناء الرسول يعادى بعضهم بعضاً كما حدث مع غبنى آدم  ، وأحياناً تجد عدو النبى هو أحد ابنائه ( كما حدث مع نوح عليه السلام ) ، وتجد عدوه هو زوجته وأم عياله ( كما حدث مع نوح ولوط عليهما السلام ) ، وتجد عدوه هو أبوه ( كما حدث مع إبراهيم عليه السلام ) ، وتجد عدوه هو عمه ( كما حدث مع خاتم النبيين عليهم السلام ) .

وسوف نتوقف اليوم للتدبر والتفكير فى قصة إبنى آدم عليه السلام :

 

 

 

إنهما إبنا آدم عليه السلام والمفترض أنهما مثال يحتذى فى الخلق الكريم والسلوك القويم ، فهما إبنا آدم أبى البشرية كلها والمفروض أنهما عرفا قصة أبيهما وقصة عصيانهما فى الجنة لأمر ربهما وقصة طردهما من الجنة ونعيمها إلى الحياة الدنيا وشقائها ، ومع ذلك نجد أن أحد إبنى آدم يحقد على أخيه لأنهما تقربا بقربان إلى الله تعالى فتقبله الله من أحدهما ( بسبب تقواه وصلاحه) ولم يتقبله من الآخر ( بسبب قلة تقواه وقلة صلاحه) ، وبدلاً من أن يبحث الأخ المخطىء عن خطئه لكى يصلحه فإذا به يزداد حقداً على أخيه الصالح ثم يتمادى فى غيه ويتوعده بالقتل ، ثم ينتصر الشيطان الرجيم ويفلح فى إفساده ويجعله يقتل أخاه يقول تعالى :

 

((وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [27] لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [28] إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ [29] فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ [30] فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ [31] )) المائدة

 

ونلاحظ هنا التناقض الرهيب والمفزع بين أخلاق الشقيقين مما يوحى وينذر وقتها بمستقبل مخيف لهذا المخلوق المسمى ( إنسان) وبأن وجهة نظر الملائكة فيه  كانت صحيحة حين قالوا لله تعالى ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) ، ولكن الله سبحانه له حكمة فى خلقه وفى ملكه لا يصل الملائكة للإحاطة بها علماً .

 

 ما هذا التناقض العجيب ؟ أخ يهدد أخاه بالقتل ( لأقتلنك) فيرد أخوه ( إنما يتقبل الله من المتقين ، لئن بسطت يدك إلى لتقتلنى ما أنا بباسط يدى إليك لأقتلك ) ، هل فى هذا الرد أى إستفزاز ؟ هل عندما قال له ( إنما يتقبل الله من المتقين ) يكون قد استفزه وتفاخر عليه بأنه تقى وصالح لذلك قبل الله تعالى قربانه ؟ وهل يكون ذلك التفاخر سبباً للقتل  ؟ وهل هو تفاخر بالتقوى فعلاً أم دعوة من الأخ التقى لأخيه الغير تقى لكى يحذو حذوه ؟؟ .

 

وهل قول الأخ الصالح لأخيه ( إنى اريد أن تبوأ بإثمى وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين ) .. أليس فى هذا الرد إستفزاز ؟ أخوه يقول له : أنا أريدك أن تقتلنى فتكسب إثماً بقتلى وتحمل إثمى معك فتلقى فى جهنم لأنك من الظالمين ؟؟؟   هل هذا الرد اثار الأخ واستفزه فصمم وعزم على قتل أخيه ونفذ الجريمة ؟؟ ..هل لو رد عليه بشكل آخر يستدر عطفه وحنانه والإخوة التى تربط بينهما ألم يكن ذلك أفضل ؟؟  هل هناك ردود تزيد الحاقد حقداً ؟ ...وهل هناك ردود تحرق الحقد وتستدر العطف وتحول العداوة إلى حب وإخلاص ومودة ؟ ألم يقل الله تعالى ( إدفع بالتى هى أحسن السيئة ) وقال تعالى ( إدفع بالتى هى أحسن فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم)  ؟؟ هل ابناء آدم لم يكن لديهم كتاب سماوى يستقون منه هذه الأخلاقيات القرآنية العظيمة ؟؟ وكيف لا يكون لديهم كتاب أو موعظة سماوية وهم ابناء أول نبى ورسول للبشر وهو آدم أبو البشر عليه السلام ؟؟؟      أسئلة مطروحة للتفكر والتدبر ..

 

الأمر العجاب هو ذلك التصميم الأكيد من القاتل على قتل أخيه ، ويبدو أنه فكر جيداً مع نفسه وراجع الأمر عدة مرات ولما اقتنع تماماً نفذ جريمته ( فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين ) ...

 

ولأنها كانت أول جريمة قتل فى تاريخ البشرية ، بل وعلى ما يبدو أول حالة وفاة مما يدل على وجود آدم وحواء عليهما السلام أثناء هذه الجريمة أقصد وجودهما أحياءاً ولا أقصد وجودهما فى مسرح الحادث ، وأدلل على ذلك بعدم معرفة الأخ القاتل لفن دفن الميت ، لدرجة أنه قتل أخاه ولم يعرف ماذا يفعل بهذه الجثة أو السوءة كما سماها ...ويظهر هنا سؤال آخر .. كيف لم يعرف إبن آدم فن دفن الميت وقد علم الله تعالى آدم الأسماء كلها ؟؟ أليس من المفترض أن يقوم آدم وحواء بتعليم إبنائهما وبناتهما كل شىء تعلماه من الله تعالى ؟؟هل الله تعالى علم آدم الأسماء كلها ولم يعلمه الأفعال وكيفية القيام بها وتركه للتجربة والإستدلال والإستنباط ؟؟؟

 

 أسئلة مهمة تحتاج لإعمال العقل فيها والتدبر بهدوء وتؤدة .

 

 وجاءه الحل من السماء عندما بعث الله تعالى غراباً يحفر بمخالبه  فى الأرض بحثاً عن فريسة من الحشرات أو الديدان لدرجة أنه صنع حفرة بمخالبه ورآها الإبن القاتل فقال يا ويلتا أليس لدى عقل أفكر به مثل هذا الغراب ؟ لقد تعلم من الغراب كيف يحفر حفرة ويضع فيها جثة أخيه القتيل ( قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوارى سوءة أخى فأصبح من النادمين ) ....

 

ولماذا سمى جثة القتيل سوءة ؟؟ وهل السوءة هى فعلاً جثة الميت ؟ أم جسم الإنسان سواءاً كان حياً أم ميتاً ؟؟ لقد قال الله تعالى عن آدم وحواء عليهما السلام عندما أغواهما الشيطان الرجيم فى الجنة وأكلا من الشجرة التى نهاهما ربهما عن الأكل منها فقال تعالى :

 

( فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ  ) الأعراف 22

 

ما معنى السوءة فى هذه الآيات الكريمة :

 

1-   هل معناها الجسم بعد الموت كما ورد فى قصة إبنى أدم ( فأوارى سوءة أخى ) لوكانت كذلك لما أطلقت على سوءة آدم وحواء وهما أحياء فى الجنة

 

2-   هل معناها أن آدم وحواء أكلا من شجرة فانية فكان لها رواسب خرجت على شكل إستخراج بشرى على هيئة بول وبراز وعرق فكان هذا هو السوءة ، وندلل على ذلك بأنهما طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة لكى يخفيا هذه الأشياء القبيحة السيئة .

3-   لو كان المعنى هو الجسم الحى حيث كان آدم وحواء لا يستطيعان ا مشاهدة أجسامهما كما يقول البعض وأنهما لما ذاقا شجرة العصيان ظهرت لهما أجسامهما فراحا يغطيان جسميهما من ورق الجنة ؟؟ وهذا الرأى غير صحيح وذلك لأن الله تعالى حين خلق آدم وحواء وأسكنهما فى الجنة قال لهما :

4-    

(إنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119) ) طه

 

وهذا الوعد الإلهى معناه أنهما ( آدم وحواء ) سيأكلا ويشربا ويلبسا ملابس الجنة أى أن كلمة ( لا تعرى ) وعد من الله تعالى أن جسميهما لن يتعريا طوال كونهما فى الجنة بمعنى أن الله سيضمن لهما  الملبس كما ضمن لهما  المأكل والمشرب وكذلك سيضمن لهما  عدم الإحساس بالبرد أو الحرى ( ولا تضحى )

 

....ومعنى ذلك أن آدم وحواء كانا لهما جسمان ويرى كل منهما الآخر ، ولم يكونا ملكين بدليل أن الشيطان الرجيم فى أثناء إغوائه لهما كان يقول لهما :

 

 ( ما نهاكما ربكما عن تلكما الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين )

 

وهذا دليل قاطع أنهما لم يكونا ملكين فى الجنة لأنهما لو كانا ملكين لما كان لهما جسد مادى من طين وماء فى البداية ثم لحم ودم وعروق وعظام فيما بعد .

5-   هل السوءة هى المعصية ولقد حاولا إخفائها بورق الجنة ؟؟

 

 نريد ـن نضع ايدينا على معنى السوءة ، فلدينا آيات كريمات أكدت أن السوءة هى جثة الميت ( سوءة أخى ) وخاصة بعد أن بدأت تتعفن ويصبح لها رائحة كريهة أبشع من رائحة مستخرجات الإنسان؟؟ وهل بهذه الصفة صارت الجثة سوءة ؟؟  ،،،، وهناك آيات كريمة نفهم منها أن جسدى آدم وحواء خرج منهما شىء بسبب الأكل من الشجرة الفانية ( شجرة من شجر الدنيا ) وأن هذا الشىء الخبيث هو السوءة ( مستخرجات الإنسان ) وبذلك يستقيم هذا المعنى مع المعنى السابق فتكون السوءة هى الشىء ذو الرائحة الخبيثة ؟؟

 

6-   هل هى الأعضاء التناسلية ؟؟ لقد حاول الشيطان الرجيم تنبيه آدم وحواء أن لهما أعضاءاً تناسلية مخفية لا يستطيعان رؤيتها يقول تعالى :

 

( يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ  ) الأعراف 26

نفهم منها أن الله تعالى جعل اللباس لمداراة الجسم بما فيه من أعضاء تناسلية .

ولكن الشيطان الرجيم لن يسكت فها هو يوسوس لآدم وحواء فى الجنة ويزين لهما لذة هذه الشجرة وروعتها وأنهما لو أكلا منها فقد يصبحا ملكين أو يصبحا من الخالدين ، ولم يكتف بالتزيين بل قام بنزع تلك الملابس عنهما ليريهما الأشياء التى أخفيت عنهما وبالطبع وبالعقل هى الأعضاء التناسلية يقول تعالى :

 

(يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ  ) الأعراف 27

 

إقرأ : ينزع عنهما لباسهما ( أى ملابسهما ) ليريهما سوءاتهما أى أجزاء من جسديهما لم ينتبها لها ولم يرياها من قبل ولكن الشيطان كان يراها لما له من قدرات منحها له الله تعالى ( إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ) ..

 

 

 

 

(ب) فى الآية التالية مباشرة لهذه القصة يقول الله تعالى

 

 (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ [32])) المائدة

 

سؤال يطرح نفسه : لماذا اختص الله تعالى بنى إسرائيل وكتب عليهم أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً ؟؟؟ هل لأن بنى إسرائيل هو الأكثر فساداً وإفساداً فى الأرض ؟ نحن نعلم أن إسرائيل تعنى نبى الله يعقوب عليه السلام وهو حفيد خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام ، وبنو إسرائيل هم ابناء يعقوب وأحفاد إسحاق وإبراهيم عليهم السلام و سبقهم اقوام كثيرون على الأرض مثل قوم نوح وقوم عاد وقوم صالح وقوم هود ، وأقوام قبلهم وبعدهم لم يذكرها القرآن الكريم .. فلماذا اختص الله تعالى بنى إسرائيل بهذه الآية ؟؟

 

ألا يدعونا ذلك للتفكر والتدبر ؟؟

 

لو تتبعنا  آيات سورة المائدة لرأينا أن الله تعالى يتحدث عن صفات بنى إسرائيل وطبائعهم وعصيانهم لنبى الله موسى عليه السلام عندما قالوا له ( إذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ) .. فحرم الله عليهم الأرض المقدسة وحكم عليهم بالتيه فى الأرض أربعين سنة ، ثم جاءت الأية 27 من سورة المائدة كجملة إعتراضية يحكى بها الله تعالى قصة مشابهة من قصص التمرد والعصيان وهى قصة إبنى آدم حيث قتل أحدهما الآخر ، ومن واقع هذه القصة أنزل الله تعالى لنبيه موسى حكماً فى التوراة ( كتبنا على بنى إسرائيل) أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً وهو حكم رهيب يضيع الإنسان الواقع تحت سلطانه ضياعاً ابدياً لا رجعة فيه ، ومثل هذا الحكم قد تكرر فى القرآن العظيم حين قال تعالى لرسوله الخاتم عليه السلام ( ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها ولعنه الله وأعد له عذاباً عظيماً ) ...

ولأن الله تعالى كرم بنى آدم وحملهم فى البر والبحر ورزقهم من الطيبات وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلاً ، فقد اعتبر الله تعالى أن الإنسان الذى يقتل إنساناً بريئاً ( بغير نفس أو فساد فى الأرض) فكأنه قتل الناس جميعاً ، ومن أنقذ النفس الطيبة البريئة من الموت فكأنه أحيا الناس جميعاً ، فأى تكريم للإنسان أعظم من هذا ؟ وأى ذنب بشع وقع فيه إبن آدم حين قتل أخاه ؟ ولا يزال أبناء آدم يقتل بعضهم بعضاً ويعذب بعضهم بعضاً بغير ذنب ولا جريرة ولا يهتمون بموقفهم أمام الله تعالى يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شىء ، لمن الملك اليوم ؟؟؟ لله الواحد القهر ....

 

لقد كان فى قصصهم عبرة لأولى الألباب (2)

 

تتردد دائمأ وبصورة يومية عبارة بين الناس هى ( ألتقوى تنفع الذرية) بمعنى أن الإنسان التقى عندما يموت فإن ما قدمه من صلاح أعمال وثبات اقوال ينفع ذريته بعده ويمكّن لهم فى الأرض بل ويمتد النفع ليشمل صلاحهم فى الآخرة فما هى الحقيقة فى هذه المسالة الأخلاقية الهامة والتى على أساسها قد ُتبنى مجتمعات وقد تُشيد آمال وتُؤسس أحلام ؟


أريد ان أتدبر هذه المسالة وأفكر فيها بصوت مرتفع دون أن يتوقع قارىء أننى أفرض رأيى أو أعرض إجتهادى كحل نهائى لهذه المسالة بل الأمر مفتوح لكل مفكر ومجتهد حتى نصل بأمر الله تعالى لحل مقنع ورأى سديد لا أدّعيه لنفسى ولا أرجو من غيرى ان يفرض رأيه أو يعتقد أن إجتهاده هو نهاية المطاف فكلنا تلاميذ فى مدرسة القرآن العظيم .


يذكر القرآن العظيم عدة آيات وأحداثأ قد يُفهم منها المعنى السابق ( أن التقوى تنفع الذرية) ولكن المتدبّر ألمدقّق فى كلام رب العزة سيجد أن التقوى إنما تنفع صاحبها فى الدرجة الأولى فى الدنيا (حيث يعيش آمنأ فى سلام) وفى الآخرة حيث يكافؤه ربه بجنة الخلد , ويعتقد البعض أنه قد يحدث بعض النفع المادى والنفسى فى الحياة الدنيا دون الآخرة قد يعود على ذرية التقى بما يكفل لهم كرامة وجاهأ فى حياتهم الدنيا معتمدين فى إعتقادهم هذا على بعض النصوص القرآنية التى لم يعطوها وقتأ كافيأ من التفكير والتدبّر كما سيأ تى فيما بعد ولكنه لا ينطبق بحال على الحياة الآخرة التى لا يتحمل فيها إنسان وزر أخيه الإنسان حتى لو كان وزر أبيه او وزر أمه او وزر أخيه حيث كل نفس تكون رهينة بما كسبت وبما قدّمت لنفسها من خير فى حياتها الدنيا ولكنهم أيضا يرون غير ذلك ويؤكدون أن الإنسان التقى ينفع ذريته فى الحياة الآخرة ولقد تناسوا أن الله تعالى ربط هذا النفع فى الحياة الآخرة بان تتبعهم ذريتهم بإحسان حتى يلحقوا بهم فيقول المولى عز وجلّ :
(
والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإحسان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناتهم من عملهم من شىء كل إمرىء بما كسب رهين ).


فما هى الحكاية إذن؟


ألتقوى قرآنيأ هى محبة الله تعالى والخوف منه سبحانه ومراقبته فى كل لحظة من لحظات الحياة مما يجعل الإنسان يجانب الذنوب والآثام ويكثر من صالح الأعمال ومصلح الأقوال وبتعبير آخر فالتقوى علاقة رأسية بين المخلوق (الإنسان) والخالق ( الله عز وجلّ) تنعكس على علاقة الإنسان الأفقية ( على الأرض) بينه وبين ألآخرين ( البشرية كلها على اختلاف مشاربهم ودياناتهم وجنسياتهم والوانهم وأعراقهم ) تتسبب فى انهم يطمئنون له ويأمنون جانبه ولا يخافون ضرره , ومما لا شك فيه أن هذه التقوى محلها القلب ولا يمكن لمخلوق الإطلاع عليها أو تحديد قيمتها إن كانت كثيرة أو قليلة ولكن ذلك شأن الله وحده وحكمه دون سواه ولا يشرك فى حكمه احدأ :
(
فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى) .


وقد حسمت هذه الآية الكريمة حصر علم تقوى القلوب على الله وحده دون مخلوقاته وعلى ذلك فلا يمكن لمجتمع ما أن يحدد ويعين ويؤكد الأتقياء الساكنين فيه ويعمل لهم حصرأ حتى يشار لهم بالبنان ليقال هذا تقىّ وذاك قليل التقوى , فإن ذلك يُعد تدخلأ فى غير ما يملكون , وحكمأ على غير ما يعلمون , فيسقطون بذلك فى هوّة سحيقة لا قرار لها وهى الشرك بالله عز وجل فكيف نشأ ذلك المثل الغريب الذى يؤكد على أن التقوى تنفع الذرية ؟.


يقول الله تعالى فى كتابه العظيم :


(
وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافأ خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولأ سديدا )
هذه الآية الكريمة لا يُفهم منها أبدأ ما أراده الناس من معنى بأن التقوى تنفع الذرية ولكنها يُفهم منها أن من يعيش تقيّأ يأكل من حلال فلا يكون الربا طريقأ لكسبه ولا تكون السرقة والنهب وتخريب الديار منهجأ ينتهجه ولا يشهد زورأ ضد إنسان من أجل بعض المال أو المنصب او الجاه ولا يملأ الحياة بأسباب الفحش والفساد فى الأرض مثل هذا الإنسان عندما يموت فإنه يترك لأبنائه الضعاف رصيدأ من المحبة فى قلوب الناس بسبب حسن معاشرته لهم وما قدمه لهم من حب وامن وسلام , فيقتربون من ذريته ويُحسنون إليهم ويُدافعون عنهم حتى يكبروا ويبلغوا أشدهم ويصيروا قادرين على تحمّل المسؤلية أمّا لو كان أبوهم عكس ذلك أى فاسقأ فاجرأ فاحشأ ناشرأ للدعارة أو شاهدأ زورأ أو قاتلأ نفوسأ او سارقأ أو ناهبأ او غير ذلك من أشكال الفساد ثم أدركه الموت فإنه يترك ذريته الضعاف على حال يُرثى له وقد هتك الأعراض وسرق الطريق وخرّب الديار ونهب الأموال وعاش حياته من الفاسقين الفجّار فأىّ رصيد حبٍّ وحنانٍ وتعاطف يكون فى قلوب الناس تجاه ذريته الضعفاء ؟.


ونجد هنا فى الآية الكريمة أنّ الله تعالى قد ركّز فقط على الذرية الضعيفة ولم يذكر الأبناء الأقوياء أو الذرية الشديدة لو مات عائلهم لأن هؤلاء يستطيعون الدفاع عن أنفسهم سواءأ أكان آباؤهم أتقياء أو فاسقين , أبرارأ او فجارأ , مما يؤكد عدم إرتباط التقوى بنفع عام لهم فى حياتهم الدنيا أو حياتهم الآخرى ولكن الأبّ التقىّ والأم التقيّة سيموتان مطمئنين على ذريتهما فى المجتمع طالما أنهما لم يؤذيا احدا ولم يعيثا فسادأ فى الأارض وهذا ما فهمته من الآية الكريمة.


ويعزز فهمى قول الله تعالى على لسان العبد الصالح الذى تبعه نبى الله موسى وتعلّم منه بعض الحكم فى كما جاء فى سورة الكهف وكان فى ذلك حكمتان مهمتان فى هذا المقصد وهما ما تعلقتا بقيام هذا الرجل الصالح بقتل غلام فور رؤيته ثم قيامه بتقويم جدار يوشك على السقوط (يريد أن ينقضّ ) فقال لموسى وهو يفسّر له ما لم يستطع عليه صبرا :


(
أمّا الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانأ وكفرأ فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرأ منه زكاة وأقرب رحمأ)
وهكذا نرى أن تقوى الأب والأم كانت سببأ فى قتل ولديهما وفقدانه للحياة لأنه عندما يكبر سيفجُر ويكفُر ويذيق والديه المرار والذل والعنت فعفا الله عن الأبوين الصالحين وخلّصهما من الإبن الذى سيكون فاجرأ وذلك بقدرته سبحانه وعلمه الذى لا يُطلع عليه أحدأ إلا من ارتضى من رسول , فهل نفعت تقوى هذين االعبدين الصالحين ( الرجل وزوجته) ولدهما ؟ لا لقد كانت سببأ أساسيأ فى مقتله لأن الله أراد أن يجنبهما كفره وضلاله وفجوره ولو كانت التقوى تنفع الذرية لحفظه الله من أجل سعادة والديه الصالحين ولهداه لهما بدلأ من ان يأمر عبده الصالح بقتل فلذة كبديهما خوفأ عليهما مما سيلحق بهما من أذى إثر فجوره وكفره القادمين بعد ان يبلغ اشدّه , اما القصة الثانية فهى :


(
وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين فى المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحأ فاراد ربك ان يبلغا اشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن امرى ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرأ)


فقد كان الاب هنا صالحا وكوّن ثروته من حلال وهذا مؤكّد لأن الله تعالى كنّاه بالصلاح فلا يُعقل وجود لص أو مرابى أو مرتشى أو آكل سحت يصفه الله بالصلاح حاشا لله الأحد وقد كان من فضل الله على ذلك العبد الصالح انه حافظ على ثروته لولديه الضعيفين أليتيمين , هذه الثروة ألتى كوّنها من حلال ولم يدخل فيها قرش واحد من حرام فوصلت ولديه بعد ان كبُرا وبلغا أشدهما بحكمة مالك الملك حيث أقام العبد الصالح فوق الأموال جدارأ يحميه من اللصوص والطفيليين --وكان الجدار على وشك السقوط -- حتى يصل للولدين عندما يكبرا , والسؤال هنا هل نفعت تقوى الاب ذريته ؟ والجواب لا , لأن تقوى الاب نفعته هو بأن حافظ الله على ثروته الحلال والتى تعب فى تكوينها حتى تصل إلى الغلامين بعد ان يكبُرا أمّا هذان الغلامان فقد تكون تلك الثروة سببأ فى دخولهما جهنم بما قد تجلبُه عليهما من غرور وإغترار فى الحياة الدنيا,وبما قد تسبب لهما من فساد خلقى أو جرائم بحق الآخرين , ولم يحدد القرآن مصير الغلامين من الناحية الإيمانية بل ترك الأمر مفتوحا للتوقعات أى أن هذا الكنز من المحتمل أن يضيّعهما فى الدنيا ويضيعهما فى الآخرة وعلى الجانب الآخر فقد ينشآ صالحين ويستخدما الكنز فيما ينفعهما ويعود على البشرية بالخير ولكن ذلك غير محدد ولم يُحسم ولذلك فلا يستطيع كائن من كان أن يجزم أن الأب والأم عندما يتركان ثروة لأبنائهما فإن ذلك يصلحهم بل قد يفسدهم ويضيعهم والأمثلة بالملايين .


وقد اكد القرآن العظيم على فتنة المال والولد :
(
إنما أموالكم وأولادكم فتنة)
(
المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابأ وخير أملأ )
(
يا ايها الذين آمنوا لا تُلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك منكم فاولئك هم الخاسرون)


وقد يسأل سائل لو كانت التقوى تنفع الذرية ألم يكن أولى بها نبى الله نوح الذى دعا لعبادة ربه ألف سنة إلا خمسين عامأ ؟ ومع ذلك فقد كفر إبنه وظل كافرأ حتى غرق ورفض الإنصياع لأمر والده النبى التقى عندما قال له :


(
يابنى اركب معنا ولا تكن مع الكافرين )
(
قال سآوى إلى جبل يعصمنى من الماء)
(
قال لا عاصم اليوم من الله إلا من رحم)
(
وحال بينهما الموج فكان من المغرقين)


ولم يسكت نوح النبى الصالح بل توجّه إلى مولاه سبحانه معتقدأ انه قد يشفع لإبنه عند الله بسبب ما له من رصيد إيمانى وعميق حبّ وطويل عهد مع تقوى الله فقال :
(
ربّ إن ابنى من أهلى وإن وعدك الحق وأنت احكم الحاكمين )
فماذا قال الله ؟


هل هداه من أجل تقوى والده ؟
هل اصطفاه وتاب عليه إرضاءأ لنوح النبى الرسول؟
لا والله لقد طرده الله من رحمته ولم يقبل شفاعة نوح له ودموعه المنهمرة حزنأ على ولده فلا شفاعة لمخلوق عند الله تعالى ولا واسطة ولا محسوبية بل كل نفس بما كسبت رهينة فماذا قال له الله تعالى :


(
قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألنى ماليس لك به علم إنى أعظك ان تكون من الجاهلين )


فماذا قال نوح :


(
قال ربّ إنى أعوذ بك ان أسالك ما ليس لى به علم وإلا تغفر لى وترحمنى أكن من الخاسرين)
فهذا نوح ليس له علم بعمل إينه الذى عاصره وعاش معه ولم يفلح فى تشفعه لولده وفلذة كبده فكيف يعيش أصحاب الديانات السماوية على أوهام الشفاعات سواءأ كانوا مسحيين او يهود أو مسلمين فكل منهم يعتقد أن النبى المرسل إليهم سيشفع لهم عند الله تعالى علوأ كبيرأ عن ذلك فهو علام الغيوب ولا يحتاج لمن يتوسط بينه وبين عبيده لأنه ارحم الراحمين , بل لقد وجدنا ان الله تعالى سيسأل المرسلين يوم القيامة كما سيسأل المرسل إليهم :


(
فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألنّ المرسلين )
)
يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أُجبتم قالوا لا علم لنا)
(
يوم تأتى كل نفس تجادل عن نفسها)
(
وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد)


ولست ادرى كيف يتصور أهل الديانات السماوية هذه الشفاعات علمأ بأن هؤلاء الرسل والأنبياء المكرمين عليهم الصلاة والسلام قد توفاهم ربهم ولم يعاصروا فى حياتهم غير أقوامهم وذويهم ولم يروا احدأ منا ولم يقفوا على طبيعة اعمالنا وحجم ذنوبنا فكيف يتدخلون للتشفع فيما لا علم لهم به كما أننا جميعأ نؤمن ان الله تعالى هو وحده مالك يوم الدين .


ولو كانت هناك شفاعة لمخلوق عند الخالق أليس فى رفض الله تعالى لشفاعة نوح لإبنه وفلذة كبده أعظم دليل على أن الله تعالى قد ملك الشفاعة كلها ولم يعطها لمخلوق وقد أكد ذلك سبحانه فى قوله :


(
قل لله الشفاعة جميعأ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه)


إن فى قصة نوح وإبنه لأكبر عظة وأدق دليل على ان التقوى لا تنفع الذرية لا فى الدنيا ولا فى الآخرة وأكبر دليل على ان الله تعالى لا يقبل التشفع من مخلوق لمخلوق وليس عنده واسطة أو محسوبيات او (على شان خاطر فلان يُدخل علان الجنة) فتعالى الله علوأ كبيرأ الذى حسم أمر شفاعة الرسول الخاتم عليه السلام عندما قال له فى كتابه العظيم :


(
قل ماكنت بدعأ من الرسل وما ادرى ما يفعل بى ولا بكم إن اتبع إلا ما يوحى إلىّ وما انا إلا نذير مبين)
وكلنا يعرف خطاب الله تعالى لنبيه عيسى عليه السلام بعد ان رفعه الله إليه :


وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *


فيا امة الإسلام عودوا لكتاب الله الأحد وتمسكوا به فهو المنقذ من كل ضلال ولا يفرضنّ احدكم أحلامه على مالك الملك فالجنة أعدت للمتقين فى كل الأديان السماوية ولم تعد لأشخاص بعينهم فالله أرحم الراحمين , والتقوى صفة غيبية لا يعلمها غير الله الواحد القهار فلا يحشرنّ الواحد منكم أنفه فى أعمال العباد ولا يجعلنّ الواحد منكم من نفسه قيّمأ على إيمانهم وتقواهم ولا يتخذنّ الواحد منكم من نفسه وكيلأ عن الله فلو كان الله متخذأ وكيلأ لاتخذ من سائر المرسلين عليهم السلام وكلاء ولكنه قال لرسوله الخاتم :
(
وما جعلناك عليهم حفيظأ وما أنت عليهم بوكيل)


وليعبد كل منكم ربه دون أن يطلب من الآخرين ثمنأ لتقواه ودون أن يطلب منهم طاعته أو تنفيذ أوامره فالله أعلم بحقيقة تقواه وقدرها ومقدارها فى قلبه فلا يزكينّ الواحد منكم نفسه واعلموا أن الله مع المتقين الذين لا يسرفون فى الأرض ولا يبغون فيها بغير الحق وينشرون المحبة والسلام والعدل والمساواة بين خلائق الله تعالى ولا ينصبون من أنفسهم محاسبين للناس على اعمالهم فكل ذلك من أعمال الله الواحد القهار ألذى يحكم بين الناس فيما هم فيه يختلفون ولا يشرك فى حكمه أحدأ.


وهكذا نرى أن التقوى مسالة شخصية لا يعلمها غير الله تعالى ولا تنفع غير صاحبها وأكبر دليل دامغ على ذلك هو هروب الإنسان يوم القيامة من أقرب وأعز الناس لديه فى حياته الدنيا بل يود الكافر الذى حُكم عليه بالعذاب فى جهنم ان يفتدى نفسه من هذا العذاب حتى لو ضحّى فى سبيل ذلك ببنيه وأمه وأبيه وفصيلته التى تؤيه ومن فى الأرض جميعأ ثم ينجيه ولكن هيهات فإن فى هذا اليوم العظيم الذى تشيب من هوله الولدان يفر المرء من اخيه وأمه وابيه وصاحبته وبنيه لأن لكل إمرىء منهم شأن يغنيه فيجعله لايفكر إلا فى نفسه ومصيره وما سيحدث له غير عابىء بغيره لأنه من زُحزح عن النار وأُدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور .

فاذكرونى أذكركم

 

 

 

(فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) البقرة 152

 

                                             

أولاً    لماذا يجب أن نذكر الله تعالى كثيراً ؟

 

إن ذكر الله تعالى هو أم كل العبادات من صلاة وصيام وحج وزكاة وصدقات ، ولما كان لذكر الله تعالى كل هذا الحجم الهائل من العظمة والقداسة فقد فكرت فى عمل هذا البحث عن ذكر الله العلى العظيم , والآن هيا نجيب على السؤال : لماذا يجب أن نذكر الله تعالى ذكراً كثيراً :

 

1-  كنا لا شيئاً فأصبحنا أشياءاً بفضله جلّ وعلا :

 

(أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا  ) مريم 67

 

2-  كنا عدماً فمنحنا الله نعمة الكينونة :

 

(هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا ) الإنسان 1       

 

3-  جئنا بإرادة الله تعالى إلى هذه الدنيا لا نعلم شيئاً :

 

(وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  ) النحل 78

 

4-             كنا لا نملك شيئاً فمنحنا الله ما نملكه  :

 

(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ ) يس 71

5-             وسخر لنا ربنا سبحانه كل شىء :

 

(وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) إبراهيم

 

33

(وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ  ) النحل 12

 

(وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  ) النحل 14

 

6-             نتحرك ونعيش ونسعى بقوة الله تعالى :

 

(هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) يونس 22

 

ولهذه الأسباب جميعاً وغيرها كثير فرض الله على عبده الإنسان أن يذكره كثيراً فقال تعالى :

 

(أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ) الأحزاب  41-43

 

والمؤمن الحق بالله تعالى وحده لا شريكاً له يتلذذ بذكر الله تعالى ويأنس به ويسعد به ولا تهنأ الحياة بغيره :

 

(الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ  ) الرعد 28

 

أما الكافرون بالله تعالى فإنهم يكرهون ذكر الله العلى العظيم :

 

(وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ  ) الأنبياء 36

 

بل إنهم تشمئز قلوبهم إذا ذكر الله تعالى أمامهم وحده وترقص قلوبهم المريضة فرحاً إذا ذكر الذين من دونه :

(وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ  ) الزمر 45

 

(وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا  ) الإسراء 46

 

(ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ) غافر 12

 

 

 

 

ثانياً  أنواع ذكر العبد لربه :

 

1-       ذكر مزيف ينهى عنه الله  :

 

ومن العجب العجاب أن الله تعالى قد فصل لنا فى كتابه العظيم كيف نذكره ومتى وأين ومستوى الصوت الذى نذكره به ونفصل ذلك فيما يلى :

(وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ  ) الأعراف 205

 

ومع هذا التوجيه الربانى البين فإن أعداداً مهولة من المسلمين لا يذكرون الله تعالى إلا جهراً على المسبحات ، ورقصاً فى الموالد والساحات ، وضوضاءاً فى مكبرات الصوت والميكروفونات ، ضاربين بهذا التوجيه الربانى العظيم عرض الحائط معتقدين – ظلماً وعلواً – أن الله تعالى يرضى بهذه الضوضاء السيئة التى تزعج المرضى والشيوخ والأطفال وتقض مضاجعهم ، ولو كان ذكرهم لله بهذه الطريقة صحيحاً لما اعتبره الله تعالى غفلة وعدواناً ، لأن الله السميع العليم الذين يعلم أسرار الذرات والمجرات قادر على معرفة من يذكره وقادر على مكافأته ومجازاته ، أما هم فما قدروا الله حق قدره فهو يعتقدون أن الله تعالى يحتاج لذلك الضجيج وتلك الضوضاء الفظيعة لكى يسمعهم وهذا أكبر دليل على جهلهم بالله تعالى وبصفاته .

 

حتى عندما نريد أن ندعو الله تعالى فقد أنزل الله قانوناً سماوياً لطريقة الدعاء :

 

دْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ  ) الأعراف 55

 

ومع ذلك فانظر للطوائف والفرق المنتسبة للمسلمين وانظر ماذا يفعلون عندما يدعون ربهم ، والكم الهائل من الإزعاج الذى يسببونه لكل من يجاورهم أو يسمعهم ويعتقدون بذلك أنهم مؤمنون أتقياء صالحون والحق أنهم بهذه الأساليب المرفوضة قرآنياً جهلاء لا يعلمون شيئاً عن ربهم ولا عن كتابه العزيز .

بل إن صوت المصلى أثناء صلاته قد أنزل الله تعالى له قانوناً ربانياً يحكمه يقول تعالى :

 

(قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً ) الإسراء 110

 

ومما أود ذكره أن الناس قبيل بعثة الرسول الخاتم عليه الصلاة والسلام كانوا قد شوهوا ما ورثوه من عقائد دينية عن ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام وحولوا الصلاة والذكر إلى أصوات عالية وقرع بالطبول والدفوف ومزاح ورقص وركض ولهو فقال عنهم الله تعالى :

 

(وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ  ) الأنفال 35

 

2-  ذكر حقيقى يأمر به الله تعالى :

 

إن ذكر الله تعالى لم يكن مجرد ترديد عشوائى لأسماء الله وصفاته دون تدبر معانيها والسعى خلف ما تهدى إليه هذه الأسماء الحسنى لله تعالى ، فرغم أن الله تعالى أمر عباده المؤمنين بكثرة ذكره ، إلا أن ذكر الله لا يكون فقط بترديد صفات الله العظمى وأسمائه الحسنى بلا هدف أو خطة ، حاشا لله ، بل إن الطبيب الذى يهتم بمريضه ويدقق فى فهم مرضه وتشخيصه وعلاجه هو ذاكر حقيقى لله تعالى ، والمهندس الذى يخطط بدقة لبناء البرج أو البيت أو لصناعة السيارة أو الطائرة أو الكمبيوتر هو ذاكر حقيقى لله تعالى ، والمدرس الذى يشرح دروسه بالتفصيل ويحرص على توصيل المعلومات بشكل جيد وسلس وميسر لتلاميذه هو ذاكر حقيقى لله تعالى ، والفلاح الذى يزرع أرضه بشكل صحيح ويتولاها برعايته وعرقه من أجل أن تخرج حباً صحيحاً قوياً يأكل منه عباد الله ومخلوقاته لتستمر الحياة هو ذاكر حقيقى لله تعالى ، والموظف الذى يرفض الرشوة خوفاً من عقاب الله تعالى هو ذاكر حقيقى لله تعالى ، وضابط الشرطة الذى يطبق القانون بالتساوى بين الناس ويرفض إستخراج المعلومات من المتهمين بالقوة أو العنف أو التعذيب حوفاً من الله تعالى هو ذاكر حقيقى لله تعالى ، والقاضى الذى لا يخشى السلطان ويحكم فى قضاياه بروح القانون ولا تؤثر فيه أى إغراءات أو تهديدات هو ذاكر حقيقى لله تعالى ...هكذا ، فلم ولن يكون ذكر الله تعالى هو مسبحة طولها متر أو نصف متر تشهرها فى وجه الناس ، ولا ميكرفون تتراقص فيه باسم الله بشكل مزعج ممرض لا يتحمله السمع الطبيعى معتقداً أنك من الصالحين والعكس هو الحقيقة ، ذكر الله هو أفعال قبل أن يكون أقوال ، ذكر الله هو الصدق فى القول والوفاء بالعهد والحفاظ على كرامة المتعاملين معك ، ذكر الله هو إعطاء كل ذى حق حقه بالقسطاس المستقيم ، ذكر الله هو هجر الزنا والخمر والسرقة وشهادة الزور والقتل ورمى المحصنات الغافلات ، ذكر الله هو عدم إلقاء الزبالة فى طريق الناس أو شرب السجائر بينهم فى المواصلات أو الأماكن الضيقة ، ذكر الله هو عدم إستغلال سلطتك فى إذلال الناس خاصة لو كنت قاضياً أو ضابطاً أو رئسياً أو مديراً ، ذكر الله هو القول الطيب والأسلوب المهذب مع الآخرين ، ذكر الله هو عدم الإعتداء على الآخرين واحترام رأيهم وفكرهم وعدم تحقير دينهم أو معتقدهم ، ذكر الله هو شعورك الدائم بحاجتك لله تعالى وبضعفك أمام خالقك جل شأنه ، ذكر الله هو يدك التى تمتد نحو الفقير والمسكين والمحتاج والمريض ، ذكر الله هو إغاثة الملهوف ونصرة المظلوم والوقوف فى وجه الظالم والمجرم والمعتدى الأثيم ، هذا هو – من وجهة نظرى- ذكر الله وليس ذكر الله هو تلك المسبحات الطويلة أو الذقون المشهورة فى وجوه الخلائق أو النقاب أو الحجاب أو المسواك أو الجلباب فكل هذه عادات يمكن إستبدالها بأخرى تساير العصر وتتفق مع روح الزمان والمكان دون إفراط أو تفريط ، وليس ذكر الله هو تلك الحلقات الراقصة المزرية التى تقول للعالم أن هؤلاء هم المسلمون وهذا هو ذكر ربهم ودينهم رغم أن هذا كله باطل وبهتان عظيم .

 

إن هؤلاء الذين يتمتعون بذكر حقيقى لله وليس ذكراً وهمياً كاذباً كما اسلفنا ، هؤلاء قد قال الله تعالى عنهم :

( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ  ) الأنفال 2

(الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ  ) الحج 35

 

أما اصحاب القلوب الصماء التى عليها حجاب يفصلها عن رؤية الحق ومعرفة الحقيقة ، هؤلاء الكذابون الأدعياء الذين ينتمون لدين الله بالإسم والحقيقة أنهم الد أعداء الله ورسله وكتبه وملائكته ، فهم يكرهون كل من يذكرهم بالحق أو ينطق أمامهم بالحقيقة ، ناظرين له بعين تقطر حقداً واحتقاراً ، فهم الملاً المحارب للرسل والمصلحين فى كل زمان ومكان ولكنهم الآن يلبسون رداء الإسلام ويكذبون على الله وعلى عباده  ببعض المظاهر الكاذبة ليخدعوا بها ضعاف النفوس ويستميلوا بها مرضى القلوب ، فيصبح لهم أتباع ومريدون يملؤن عين الشمس ،  ظانين بذلك أنهم خدعوا الله كما خدعوا الناس ولكن الله خادعهم وهو أعظم مكراً ويستدرجهم من حيث لا يعلمون ، هؤلاء إذا تليت عليهم آيات الله تعالى تزيدهم رجساً إلى رجسهم فسبحان الله كيف للماء الذى يروى ظمأ العطشى أن يحرق أمعاء الآخرين يقول تعالى :

(وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَانًا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ  * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ ) التوبة 124- 125

ويقول عزّ من قائل :

 

(وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ  ) فصلت 44

 

لقد جعل الله تعالى ذكر إسمه جل شأنه مفتاحاً لكل أمر ومصدر خير للإنسان المؤمن المطيع لربه ، مصدر خير له فى حياته وفى آخرته ، فانظر معى كيف يعلمنا الله أننا لو أصابنا نسيان أمر ما أن نذكر إسمه تعالى فيقول :

 

(وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَدًا ) الكهف 24

 

وعند ذبح الذبيحة ( سواء ماشية أو طيور ) لا بد من ذكر إسم الله تعالى حتى لو كنت تعيش فى بلاد الغرب وتعلم أنهم يستخدمون المجزر الآلى ولا يذكرون إسم الله تعالى فعليك أن تذكره قبل تناول هذه اللحوم لكى تصبح حلالاً فلو نسيت فلا جناح عليك على ألا تتعمد عدم ذكر إسم الله فذلك كفر شديد نعوذ بالله تعالى منه ، وعن ذكر اسم الله على الذبائح يقول تعالى :

 

(وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ  ) الأنعام 121

 

3- هل الصلاة والعبادات نوع من الذكر:

 

الصلاة هى فريضة الله العظمى التى يتقرب بها الإنسان لربه تعالى فى خشوع وخضوع شديدين لا يعلمهما ولا يقدرهما غير الله تعالى ، ورغم عظمة الصلاة كفريضة يومية خمس مرات على كل مسلم ومسلمة إلا أنها فرع من فروع ذكر الله تعالى يقول المولى سبحانه :

 

(اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ  ) العنكبوت 45

 

وهنا يبين لنا ربنا أن ذكره تعالى أعظم من الصلاة نفسها ..

 

ويقول تعالى مخاطباً نبيه ورسوله موسى عليه الصلاة والسلام :

 

(إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي  ) طه 14

 

ولأن الصلاة فرع من فروع ذكر الله تعالى يقول المولى :

 

(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّىٰ * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ ) الأعلى 14- 15

 

ولأن ذكر الله تعالى عظيم ومقدس فإن المؤمن الصالح ( عملاً وقولاً ) لا يكف عن ذكر الله وتذكر آلائه وآياته واليوم الآخر ، كل ذلك يتحرك فى عقله دائماً ليل نهار ، صباحاً ومساءاً ، نائماً أو قاعداً أو واقفاً فيقول المولى سبحانه :

 

(الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ  ) آل عمران 191

ومما لا شك فيه أن فرائض الحج والصوم والزكاة والصدقات كلها ذكر خالص لله تعالى إذا أداها المؤمن مخلصاً من قلبه لله تعالى مبتغياً وجه الواحد الأحد .

 

 

 

ثالثاً  هل ينسى الله تعالى ؟

 

تعالى الله عن السهو أو الغفلة أو النوم أو النسيان ، فهو الحى القيوم الذى لا تأخذه سنة ولانوم ، فكيف يقول تعالى ( أذكركم ) وهل يعنى ذلك أن الله ينسى العصاة والكفرة والظلمة والمردة والمجرمين ؟ وخاصة أن الله تعالى فى آيات أخرى يقول :

 

(الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ) الأعراف 51

 

(الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ  )التوبة 67

 

فهل يمكن لله أن ينسى ؟ هل يمكن لله أن ينسى مخلوقاً من مخلوقاته وهو الذى أحاط علماً بكل ذرة من ذرات هذا الوجود اللامتناهى ؟

هيا بنا نناقش هذه المسألة :

 

*   أنواع ذكر الله لعباده

 

1-    ذكر علم :

 

من مسلمات الإيمان بالله تعالى أننا نؤمن أن الله خالق الكون وقد أحاط بكل شىء علماً لدرجة لا يتصوردقتها عقل الإنسان  وقد ذكر الله تعالى آيات كثيرة تؤكد على أنه يعلم بكل صغيرة وكبيرة فى هذا الملك العظيم الذى يعجر البشر عن الإحاطة به علماً فيقول تعالى :

 

(وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ  ) الأنعام 59

 

كما يقول  تعالى :

 

(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) سبأ 3

 

والآيات كثيرة فى هذا الصدد ، فهل يمكن لله المتعالى ذى العلم اللانهائى أن ينسى عبداً من عبيده ؟

 

بالطبع لا .. وتعالى الله علواً كبيراً فالحقيقة أن الله تعالى يذكر كل مخلوقاته وكل ما فى الكون الذى خلقه بقدرته يذكره ذكر علم وإحاطة بكل مافيه من حركة وسكون ، ووقوف وقعود ، وقوة وضعف ، وصعود وهبوط ، ودوران ، يعلم ما فى البحار والأنهار والمحيطات ، يعلم ما فى الجبال والصحارى والرمال ، وما فى الحقول والزروع والثمار والأشجار ، ويعلم ما يفعله كل إنس وكل ملاك وكل جان ،

ويعلم بالجسيمات التى تدور حول كل ذرة فى كونه ، ويعلم بما فى الأراضين والسماوات ، علم يقينى قدير محيط بالكبيرة والصغيرة فما حكاية ( إنا نسيناهم ) ، وما معنى ( أذكركم ) وهو سبحانه لا ينسى ولا ينام ولا تأخذه غفلة ولا سنة ؟ هذا ما سنعرفه من البند الآتى وهو ذكر الرحمة

 

2-    ذكر رحمة :

 

هنا يتضح الفرق الهائل بين ذكر الله لعبد طيب صالح وبين ذكره لعبد فاسق مجرم فاجر ، فالله تعالى يذكر الصنفين وتعالى عن النسيان أو الغفلة ، ولكنه يذكر المجرمين والكفرة والفسقة والظلمة ذكر علم وإحاطة فقط ولا يذكرهم ذكر رحمة ، فلا يؤيدهم حين يستيعينون به ، ولا ينصرهم على أعدائهم ولا ينقذهم من كوارثهم ، ولا يشفيهم من أمراضهم ، ولا يستجيب لدعائهم ، ولا يمسح دموعهم ، أى لا يرحمهم وهو أفظع أنواع العقب الإلهى لعباده الكافرين المجرمين .

 

سنذكر على سبيل المثال أمثلة لعباد صالحين إستجاب الله لدعائهم وأنجاهم من الغم وأمثلة أخرى لمجرمين وكفرة لم يستجب الله لدعائهم ولم يغثهم ولم يرحمهم برحمته :

 

*   الصنف الأول ( المجرمون والظلمة ) :

 

عندما أدرك فرعون الغرق ماذا قال ؟ تعالو نقرأ ماذا قال :

 

(وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ  * آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ۚ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ) يونس 90-92

 

ثم انظر ماذا فعل الله بقارون من بعد فرعون ( فخسفنا به وبداره الأرض)  ، وماذا فعل الله قبل ذلك بعشرات القرون بعاد قوم هود ،   وماذا فعل بثمود قوم صالح ، وماذا فعل الله بمدين قوم شعيب ؟ لقد دمرهم الله فى الدنيا وأعد لهم عذاباً أليماً فى الآخرة ، فحرمهم الله من ذكره أى من رحمته تعالى وصلاته عليهم ورضوانه وغفرانه ، فهؤلاء يذكرهم الله ذكر علم وإحاطة وليس ذكر رحمة .

 

*  الصنف الثانى ( الصالحون الأتقياء ):

 

نذكر منهم على سبيل المثال نبى الله يونس عندما أبق من قومه بعد أن ضجرهم من كثرة إعراضهم عن الحق ، فركب فى السفينة وتعرضت السفينة للغرق ، فكان ممن وقع عليهم الإختيار ليلقوا بأنفسهم فى عرض البحر إنقاذاً للآخرين ، فالتقمه الحوت وهو مليم ، ولكنه كان من الذاكرين الله كثيراً ومن المسبحين بحمده والمستغفرين فذكره الله تعالى ذكر رحمة وأنجاه من بطن الحوت وأعاد له الحياة ، ثم ارسله فى مائة ألف إنسان أو يزيدون فآمنو معه جميعاً بالله تعالى ، هيا نقرأ قول الله تعالى فيه :

 

(وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ *فاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَ‌ٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ) الأنبياء 87- 88

 

ويقول عنه المولى تعالى :

 

(وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ *إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ *فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ *فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ *فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ *لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ *فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ *وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ  *فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ )الصافات 139- 148

 

وهناك أمثلة عديدة لذكر الرحمة التى يذكر الله بها عباده الصالحين ، ومنها قصة خليل الله إبراهيم حين وضعه الكفار فى حريق كبير فأنجاه الله تعالى منهم وأحال النار برداً وسلاماً على إبراهيم ، هذا هو ذكر الرحمة التى يختص الله بها عباده المخلصين ، ومنها الكثير مثل قصة أهل الكهف الصالحين الذين فروا بعقيدتهم الصحيحة هرباً من بطش الملك الكافر فذكرهم الله تعالى ذكر رحمة وهىء لهم كهفاً هربوا إليه و ناموا فيه بمعجزة ربانية أكثر من ثلاثة قرون .

 

مما سبق نعلم أن الله حين يقول عن نفسه سبحانه ( إنا نسيناهم ) أى أخرجناهم من رحمتنا رغم أن الله يذكرهم بكل تفاصيلهم ذكر علم وإحاطة وتحكم وقدرة ، وحين يقول  سبحانه ( فاذكرونى أذكركم ) أى ارحمكم برحمتى فأغفر لكم ذنوبكم وأنقذكم من كوارثكم وأنصركم على أعدائكم وأشفيكم من أمراضكم ، وأخلصكم من ظالميكم .

 

 

هل هجر المسلمون القرآن فعلاً ؟

إستنباط معنى قوله تعالى ( لم يخروا عليها صماً وعمياناً )

 

كيف يكون القرآن الكريم مهجوراً لدى أغلب المسلمين رغم هذا الكم الهائل من مئات الملايين من  المصاحف المطبوعة على أعلى مستوى من التقنية الحديثة ، وهذا الكم الهائل من الأشرطة المسجلة لعشرات الآلاف من المقرئين ما بين ترتيل وتجويد ، وهذه الأعداد اللانهائية من السى دى هات التى تحمل كل سى دى منهم آيات القرآن العظيم ما بين مكتوب ومقروء بعشرات الأصوات الرخيمة والباكية والشجية ، حتى أن الموبايلات ( التليفونات المحمولة ) غدت مكتظة بآيات القرآن الكريم ذهاباً ورواحاً ، وكلما ذهبت هنا أو هناك واجهتك الأشرطة المسجلة فى سيارات الأجرة والميكروباصات والمحلات والمطاعم والمقاهى والكوفى نيت ومحلات بيع الأشرطة وأماكن أخرى كثيرة وكلها قرآن يتلى على المسامع والآذان فى كل لحظة من لحظات الحياة ، فكيف يتهم الرسول الخاتم صلوات ربى وسلامه عليه قومه  يوم القيامة بأنهم بعد كل هذا الزخم قد إتخذوا كتاب الله تعالى مهجوراً ؟؟؟؟

 

ألا يدفعنا ذلك لتدبر وفهم قول الله تعالى

:

 ((وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا )) ألفرقان   30   ؟؟

 

كيف هجروه وهو معهم أينما ذهبوا وأينما عادوا ؟ كيف هجروه وهو فى أحضانهم ليل نهار ، بل ويضعونه فى جيوبهم لقراءته فى المواصلات وفى أوقات الفراغ على مكاتب العمل ؟ كيف هجروه وهم يستمعون لإذاعة القرآن الكريم ليل نهار ويدفعون الغالى والنفيس فى شراء الأشرطة والإسطوانات المسجل عليها القرآن والخطب الوعظية ؟ كيف هجروه وهم يضعونه تحت الوسائد وفى غرف النوم لحفظهم من كيد الشيطان الرجيم ويضعونه معلقاً أو فى صندوق حريرى فخم على تابلوه السيارة لحفظهم من الحوادث ؟ كيف هجروه وهم يعملون منه الأحجبة لمرضاهم النفسانيين ولأطفالهم لحفظهم من عيون الحاسدين ؟ كيف هجروه وهم يتلونه على موتاهم بين القبور طلباً للرحمة والعفو والمغفرة من الله تعالى ؟؟

 

ما هذه التهمة المفزعة والتى يجب أن تقض مضاجع من كان لهم قلوب أو ألقوا السمع وهم شاهدون ؟ المسلمون بعد كل هذا الجهد الجهيد من حفظ القرآن فى المدارس والمعاهد وتفسيره على  يد المئات من العلماء والمجتهدين وعمل المعاهد والجامعات المختصة فقط بالقرآن ، وتعطى شهادات علمية تخصصية فى فقه القرآن وعلومه وآدابه ونحوه وصرفه وبلاغته موع ذلك ينتظرهم هذا الإتهام الذى هو فى الحقيقة ليس إتهاماً ولكنه واقع أكيد لا فرار منه مهما كان من وسائل إهتمام بالقرآن كما سبق وأسلفت أعلاه ، فما هى الحكاية وما هو الموضوع وما هى الحقيقة ؟ تعالوا بنا نطوف ونتدبر قول المولى عز وجل وهو يعدد صفات عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ، يقول عز من قائل من ضمن صفات عباد الرحمن الذين هم النموذج الأمثل والأعلى الذى يحبه الله تعالى لعباده يقول عنهم :

 

((وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا )) الفرقان 73

 

من بين صفات عباد الرحمن الصالحين أنهم إذا ذكروا بآيات ربهم سواء عن طريق تلاوتها بأنفسهم أو قيام آخرين بتلاوتها عليهم ، فإنهم لا يستمعوا إليها وهم يلعبون أو يلهون أو يستهزءون ، ولكنهم – عباد الرحمن -  يعطون لآيات الله تعالى حين يقرؤها أو يسمعوها كل عقولهم وقلوبهم وآذانهم مسخرين كل هذه الحواس لفهمها وتدبر معانيها والتوصل إلى عميق حقائقها والوقوف على أسبابها وأهدافها وأوامرها ونواهيها ، وتحسس ما بها من دعوة لأخلاق حميدة ونهى عن أخلاق ذميمة ، والسعى خلف معانيها لتلمس ما بها من أنوار تضىء القلوب بذكر الله وكلماته التامات ولذلك يقول جل من قائل :

 

)) وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (( الأعراف 204

 

فالإستماع للقرآن مجرد إستماع لا أهمية له ولكن الإنصات هو الأساس ، لأنك بإنصاتك لقول الله تعالى تتمكن من تدبر آياته وفهم معانيها من خلال سياقها فى السورة فلا يصح أن تقتطع آية من سياقها دون فهم ما قبلها وما بعدها كأن تقول مثلاً ( فويل للمصلين ) ثم لا تتبعها بقوله تعالى ( الذين هم عن صلاتهم ساهون ) ، أو تقول (ولا تصل على أحد منهم مات ابداً ) دون أن تذكر ما قبلها وما بعدها ليعرف المستمع أن الله تعالى ينهى رسوله ص عن الصلاة على المنافقين لأنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون ، ولا يصح أن تقول واصفاً رسول الله ص ( وما ينطق عن الهوى ) دون أن تذكر قوله تعالى ( إن هو إلا وحى يوحى ، علمه شديد القوى ... الآيات ) لكى يعلم المستمع الحصيف أن رسول الله ص لا ينطق هذا القرآن الكريم عن هواه أو من تلقاء نفسه ولكنه ينتظر وحى الله تعالى إليه فينطق به بعد نزول الوحى .

 

وعندما تنصت ( لا تستمع فقط ) فإنك ستعى وتفهم ماذا يريد الله تعالى أن يعلمك من قرآنه العظيم ، وستعلم الفرق بين الحق والباطل وبين النور والظلام وبين الضلال والهدى  ، وستعرف بإنصاتك لكلام الله تعالى كيف تتدبر آياته لتصل إلى معنى معين تريد فهمه ، أو تشريع تريد الوقوف عليه أو أمر أو نهى من أوامر الله تعالى ونواهيه التى يعلم بها عباده كيف يستقيمون فى هذه الحياة ويصبح كل منهم  مثلاً يحتذى ونبراساً يقتدى به الناس ويقلدونه فيما يفعل من تعلم وتدبر آيات الذكر الحكيم .

 

إن قول الله تعالى :

 

((وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا )) الفرقان 73

 

هو مفتاح آية هجران القرآن ) الفرقان 30 ) التى تنتظر الكثيرين من المسلمين رغم ما بها من رعب يجب أن يصيب قلب كل مؤمن يخشى الله تعالى بالغيب ، ويريد أن يمرق من هذه التهمة خوفاً من أن تلبسه فى يوم القيامة فيكون والعياذ بالله تعالى كالذى خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح فى مكان سحيق ، هذه الآية الفرقان 73 هى فى الحقيقة مفتاح آية هجر القرآن لو فهمناها وعقلناها وتدبرناها بصبر وتؤدة وأعطينا لأنفسنا وعقولنا الفرصة لفهمها فى هدوء .

 

ولكى نفهم آية ( لم يخروا عليها صماً وعمياناً ) يجب أن نبحث فى معانى كلمات ( يخروا – صماً – عمياناً ) حتى تنجلى لنا الحقيقة ونعرف المعنى المقصود من هذا القول الكريم .

 

أولاً كلمة يخروا :

 

وهى من الفعل ( خرر) لأن الراء مضعفة ومعناها هوى أو سقط من أعلى وندلل على ذلك بقوله تعالى ( يخرون للأذقان يبكون ) ومعناها أنهم عندما يستمعون وينصتون لكلام الرحمن يسجدون فوراً خاشعين لخالقهم وتلمس أذقانهم الأرض وهم يستغفرون ويسبحون رب الأكوان ، كما ندلل على رأينا أيضاً بقوله تعالى عن الذى يتخذ مع الله تعالى إلهاً آخر ( ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح فى مكان سحيق) وهى آية شديدة الوضوع تبين أن كلمة ( خر) معناها سقط من أعلى إلى أسفل ،وكذلك قوله تعالى عن يوسف وقومه حين استدعاهم للحياة فى مصر يقول عنهم ( وخروا له سجداً ) ومعناها ايضاً أنهم بعد أن كانوا واقفين جلسوا على ركبهم ( جمع ركبة وهو مفصل الركبة ) وهو نوع من سجود التبجيل والإحترام للحكام وليس للعبادة وهو دليل آخر أنهم كانوا واقفين فسجدوا مما يؤكد أن الفعل ( خر) معناه هوى من أعلى أو هبط أو سقط .

 

 فإذا عدنا إلى قوله تعالى (لم يخروا عليها ) لعرفنا أن هؤلاء الذين يستمعون القرآن لاعبين  يظهرون كأنهم يحبونه حباً شديداً ويشعر من يجلس معهم وكأنهم يفهمونه ويعلمون مقاصده ، وتراهم يتمايلون عند سماعه ويرتجفون رعباً صناعياً مفتعلاً ، ويتمتمون بكلمات غير مفهومة كأن عليهم مساً من الجن ، ويريدون توصيل رسالة سطحية جداً لمن حولهم مفادها  أنهم يحبون القرآن ويحبون الله وأنهم رجال الحق ولا يريدون شيئاً من زينة الحياة الدنيا ، ولكن الحقيقة المؤسفة  أنهم لا يعقلون القرآن ولا يفهمون ما يسمعون ولا يتدبرون آيات الله تعالى ولا يقتطعون وقتاً مخصصاً كل يوم من حياتهم لفهم كلام الله وتدبره وتطبيقه على أنفسهم ، ورغم أنهم يستمعون للقرآن  بما يوحى لمن حولهم أنهم خاشعون ولكنهم فى الحقيقة إستمعوه كأنهم صم ومرت عليهم معجزاته كأنهم عمى ، فرغم إظهار الخضوع والسجود ( يخروا ) إلا أنهم لم يكلفوا أنفسم عناء الفهم والتدبر ومشقة الفقه والتمعن ، ولم يتلذذوا بالخوض فى بحار القرآن الكريم ليرجعوا منها باللالىء والجواهر الربانية التى يحرم منها اللاعبون العابثون الذين يستمعون القرآن وهم يلعبون لاهية قلوبهم .

 

ثانياً    كلمة صم :

 

ومعروف أن الصمم هو عدم القدرة على السمع وقد يولد الإنسان أصماً أو يصاب بمرض يؤدى إلى الصمم ، وهذا النوع غير مقصود على الإطلاق هنا ولكن المقصود هو الذى يصطنع الصمم لنفسه رغم سلامة أذنيه وقدرته على تلقف المعلومة ، ولكنه يسخر كل ذلك لشهواته وملذاته وحياته الدنيا ومكاسبه الزائلة فإذا قرىء القرآن عليه أهمله ولم يعطه أذنه ولم يهتم بفهمه ، معتمداً على أن هناك من سيفهمه له ( العلماء من وجهة نظره ) ثم يشرحه له ، ومع ذلك فلو تعرض لهذا الشرح لما سمعه أيضاً ولأهمله ولاصطنع الصمم ولذهب بعقله وخياله هناك حيث دنياه وملذاته ومكاسبه ، ويظل يخر أصماً على كتاب الله تعالى حتى يدركه الموت وهو لم يفهم منه شيئاً ولم يفقه شيئاً ، فعاش ومات كمثل الحمار يحمل أسفاراً وبئس المثل لكل إنسان يتعامل من القرآن بلا مبالاة فهو بذلك يخسر آخرته ويكسب دنياه .

 

يقول تعالى عن من يهمل اذنيه ولا يستمع لقول الحق القرآنى العظيم :

 

((وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ))الأعراف 179

 

ومن هنا نفهم أنهم لهم قلوب ( عقول )  لا يستعملوها فى فقه دينهم ، ولهم أعين ترى فقط ما يلذ لهم من شهوات الدنيا ، ولهم آذان تستمع لكل المتع فإذا جاءت نحو القرآن أصيبت بالصمم واستمعت إليه وهى تلهو وتتراقص وتتمايل مدعية العلم والإيمان ومعرفة الحقيقة والواقع عكس ذلك تماماً ، فلو جلست مع أحدهم لتختبره فى آية قرآنية واحدة لوجدته فارغاً من داخله كالخشب المسندة ، ولرأيته أمامك منظراً مهيباً لإنسان خطير ولكنه تافه قرآنياً ولا يفقه شيئاً ولا يحاول أن  يفهم ، ولو حاولت تفهيمه أو نقاشه لنهرك وسفهك وسبك بأقذع الألفاظ ، بل واتهمك بالجنون وأنك تتعالم عليه ، ثم يسألك : هل أنت عالم دين ؟ هل أنت خريج كلية دينية ؟ أليس هناك تخصصات فى الطب والهندسة والصيدلة ؟ هناك أيضاً علماء للدين وأنت لست واحداً منهم حتى لو كنت أفنيت عمرك فى البحوث القرآنية والتأصيل القرآنى والإجتهاد لفهم كتاب الله تعالى ، ولذلك فإن الله تعالى يختصر عليك الوقت ويصفهم بأنهم مثل البهائم ولا غاية ترجى منهم مهما تشدقوا بالإيمان وادعوا – كذباً وزوراً – معرفة الحقيقة يقول تعالى عنهم فى نهاية الآية السابقة :

 

 (أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) .

 

ثالثاً كلمة عمياناً :

 

وهى كما هو واضح جمع أعمى وليس لها أى علاقة من قريب او من بعيد بشخص ولد أعمى أو اصابه العمى الحسى ( فى نظره ) بسبب مرض معين ، ولكنها تعنى عمى القلب وعمى البصيرة لقوله تعالى ( إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور) ، وهنا ينفى الله تعالى صفة العمى عن العينين لأنها عميت بإرادة الله تعالى ولكنه جل شأنه يؤكد أن العمى الحقيقى المقصود هو عمى البصيرة وتعمد عدم الفهم ، وعدم السعى نحو معرفة القرآن وتدبر آياته الكريمات والوقوف على معانيه الربانية العظيمة ، ولذلك تنطبق الآية رقم 179 الأعراف على هؤلاء أيضاً الذين عميت بصيرتهم عن رؤية الحق ومشاهدة الحقيقة ، ولم يكلفوا أنفسهم أى عناء لمعرفة حقيقة الكتاب الذى بين ايديهم وهو القرآن العظيم فاستحقوا أن يعيشوا ويموتوا مثل البهائم والعياذ بالله تعالى .

 

ومن عجب أن ينادى الكفار والمجرمون فى كل زمان ومكان بإهمال هذا القرآن العظيم وعدم الإستماع له ، لأنهم يعلمون أن من يسمعه وينصت له سيهتدى قلبه ، وسيصل لحب مولاه تعالى ، ولذلك كانوا يقولون :

 

((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ )) فصلت 26

 

وهذا دليل قرآنى قاطع على غيهم وإجرامهم ورغبتهم فى التشويش على القرآن وكراهيتهم له لدرجة وصلت للدعوة العلنية لمحاربته والإعتداء عليه وعدم السماع له واللغو فيه بكل الوسائل مثل التحريف والتزييف والتقديم والتأخير والشوشرة عليه بروايات وأحاديث ما أنزل الله بها من سلطان حتى يتوصلوا لهدفهم المنشود وهو إهمال القرآن العظيم وإلقاؤه وراء ظهورهم وعدم الإهتمام به والإستهزاء بمن يهتم به ، وإلصاق التهم الجزافية له والكيد له وايقاعه فى المصائب والمصائد ، وتسليط السفهاء عليه ليرموه بكل نقيصة وكل عيب حتى يظلوا هم دائماً الوارثون الذين يرثون الدين وهو له حافظون ، والحقيقة أنهم عن القرآن بعيدون ولآياته الكريمات هاجرون وإذا استمعوا إليه إستمعوه وهو لاهون لاعبون .

 

والآن نعود إلى قوله تعالى عن عباد الرحمن :

 

((وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا )) الفرقان 73

 

أى أن عباد الرحمن الصالحين الأتقياء إذا قرىء عليهم القرآن أو قرؤه أعملوا عقولهم وآذانهم وعيونهم فتدبروا القرآن وفهموا معانيه وعقلوه وأيقنوه وطبقوه فى حياتهم اليومية تطبيقاً دقيقاً تقرباً إلى الله تعالى وخشية منه ورغبة منهم فى إصلاح أنفسهم وإصلاح من يحبون ، ولذلك فهم يخرون أى تسجد قلوبهم لله حين يقرؤن القرآن ويعملون عقولهم فيه لفهمه ولا يصيبهم الصمم ولا العمى اثناء ذلك بل لديهم رغبة قوية فى تدبر القرآن العظيم وفهم معانيه ، ولذلك فإنهم عندما يفعلون ذلك لا ينطبق عليهم قول الرسول لربه يوم القيامة ( يارب إن قومى اتخذوا هذا القرآن مهجورا) لأنهم – أى عباد الرحمن – قد حققوا حكمة الله فى فهم كتابه وتدبره والعمل به ، أما أولئك الأدعياء الكاذبون الذين يخرون على القرآن صماً وعمياناً بمزاجهم ويخدعون من حولهم ويوحون لهم أنهم أهل القرآن وأهل العلم وأهل المعرفة وهو فى الحقيقة لا يطيقون  القرآن ولا يعتبرونه غير كتاب للبركة والحفظ من عيون الحاسدين ومن الحوادث ومن مس الشياطين , ولا يستمعون إليه إلا وهم يلعبون ويتراقصون فى حفلات العزاء وغيرها ويوهمون أنفسهم أنهم على شىء والحقيقة أنهم أهل باطل وعلى الباطل طالما ظل القرآن العظيم كتاباً مهملاً فى حياتهم ومهجوراً فى دينهم ومعتقداتهم وطالما ظلوا يلغوا فيه بالتشويش عليه بكل شىء حتى أصبح بينهم غريباً مهجوراً رغم الكم الهائل من الزخم التقنى الذى يحفظون عليه القرآن من أشرطة واسطوانات وكمبيوترات ، ورغم أنهم يفتحون تلك الأجهزة بسبب وبدون سبب فى المقاهى والمواصلات والمنازل وغيرها ليخفوا نقصهم وجهلهم وليوهموا المتعامل معهم أنهم أهل تقوى وصلاح ولكن الحقيقة أن الذى يهجر القرآن ويعيش ويموت دون أن يفهمه أو يحاول جاهداً فهمه ، فإنه يعيش كالأنعام صم بكم عمى فهم لا يعقلون .

 

 

دراسات قرآنية : من تجليات إسم الله ( المهيمن ) ..

 

 

 

 

 

 

من أسماء الله العلى القدير ( ألمهيمن ) وهو إسم الفاعل لفعل ثلاثى الأصل هو ( همن) ومعناه القائم على خلقه و ألذى يحكم سيطرته بشكل تام على مانراه وما لا نراه وعلى ما ندركه وما لا ندركه وعلى ما نعلمه وما لا نعلمه  ومعناه أيضاً ( أمن ) ويفهم منه أن الله تعالى قد أمن عباده من أن يظلمهم فقال عن نفسه ( ولا يظلم ربك أحداً ) وقال العرب أن الفعل ( همن ) يقال عن الحزام والرباط إذا شد بقوة حول الظهر لحمايته وتأمينه ,  ولذلك فإن الله تعالى خلق هذا الكون المترامى الأطراف بقدرته من العدم وسيطر عليه ( هيمن عليه )  وقال له كن فيكون فى فترة زمنية حددها الله تعالى بستة أيام لتقريب المعنى للعقل البشرى الذى لا يستطيع أن يستوعب ملكوت الله وقدرته , إلا من خلال القدرات الربانية التى أودعها الله تعالى فى هذا العقل .

 

ولما أراد الله تعالى أن يجعل للقرآن وصفاً نهائياً مقارنة بكتبه السماوية السابقة للقرآن فقد قال الله تعالى عن القرآن وعلاقته بما سبقه من وحى سماوى ( ومهيمناً عليه ) أى شاهد عليها و قائم على ماسبقه من كتب بالحجة الدامغة القوية وكذلك هذا القرآن يؤمن كتب الله السابقة من أى تحريف وقد قيل أن كلمة ( مهيمن ) قد تنطق ( مؤأمن ومؤيمن ) فقلبت الهمزة الأولى هاءً والثانية ياءً ,  ومعناها ضمان الأمان والأمن من التحريف لكل كتاب سابق أى يستطيع القرآن بما فيه من ميزان إلهى أن يكشف أى زيف أو تحريف فى الكتب السماوية السابقة  إذا قيست عليه ووزنت بميزانه الحق .

 

 

ومن مفردات الهيمنة الإلهية على مخلوقاته أننا نتحرك حركاتنا الديناميكية سواء حركات الجسم الخارجية أو حركات الأعضاء الداخلية كالقلب والدم والكليتين والكبد والمعدة وغيرها لا تحدث تلك الحركات إلا بقدرة الله تعالى الذى يحرك الأشياء كلها ويسيرها بهيمنته ومقدرته وعلمه بداً من دورات الجسيمات الميكروسكوبية ( مثل الإلكترون واالنيوترون والبوزيترون ) داخل الذرة وليس إنتهاء بحركة النجوم العظيمة والكواكب العملاقة حول الشمس فى مجرتنا وغيرها من المجرات الأخرى .

 

 

كل ذلك يتحرك بقدرة الله تعالى وقد وضح لنا ربنا فى كتابه العزيز ذلك حين قال ( وهو الذى يسيركم فى البر والبحر ) , وهذا لا علاقة له  بالسلوك الشخصى للإنسان وهو السلوك الذى يعتمد على القرار الشخصى لفعل كذا أو عدم فعله وهو ما يسمى بالإرادة الإنسانية الحرة والتى سيحاسب الإنسان بناءاً عليها يوم القيامة حيث تأتى كل نفس تجادل عن نفسها ويود الكافر والمجرم لو يفتدى يومئذ من عذاب ربه بصاحبته و بنيه وأمه وأبيه وفصيلته التى تؤيه ومن فى الأرض جميعاً ثم ينجيه .

 

يذكر القرآن العظيم أمثلة عديدة توضح للمتدبر فى آياته أن الله تعالى يسير البشر والحجر والبحار والأنهار والسماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى بقدرته جل وعلا , وسوف نقتطف بعض هذه الأمثلة التى جاءت بكتاب الله العزيز دليلاً على هيمنته سبحانه على الكون من الذرة إلى المجرة :

 

أولاً : النهر يسمع ويطيع :

 فى قصة نبى الله ورسوله موسى ص عندما حكى القرآن الكريم عن طغيان الفرعون على قومه يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيى نساءهم إنه كان من المفسدين ولأن الله تعالى يريد أن يمن على الذين استضعفوا فى الأرض ويجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين , ويمكن لهم فى الأرض ويرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون , فإن الله تعالى يدبر ويمكر وهو خير الماكرين سبحانه ويسخر لتدبيره كل ما ومن شاء بهذا الكون لتنفيذ ما دبره مالك الملك جل وعلا , ولما كانت قصة إنقاذ بنى إسرائيل من براثن الفرعون وملئه تبدأ بميلاد موسى عليه السلام فقد أوحى الله تعالى لأم موسى أن تضعه فى صندوق ثم تضعه فى النهر حتى لا يقتله جنود الفرعون ثم نرى هنا من تجليات هيمنة الله على كونه تسمع أمر الله تعالى للنهر  حين كان الصندوق يسبح فوق مياهه حاملاً الطفل الرضيع موسى فقال الله تعالى للنهر (أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ) طه 39,

 

 يخضع النهر  لأمر ربه ويقول سمعاً وطاعة يا ربى ويقوم بزحزحة الصندوق حتى يرسو على شاطىء النهر  ويصل تحت قصر الفرعون فيمتثل الجميع لهيمنة الواحد الأحد ويقوم الخدم بإخراج الصندوق ليجدوا الطفل ويعرفوا أنه من بنى إسرائيل حيث لا يمكن أن يفعل هذا الفعل غيرهم خوفاً على أبنائهم من القتل على يد جنود الفرعون , ثم عندما يهموا بقتله تصرخ إمرأة الفرعون : 

 

(وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ  ) القصص 9

 

 فيمتثل الفرعون السفاح القاتل لطلب زوجته ( وهى المرأة الصالحة التى ضرب الله بها مثلاً للذين آمنوا مع مريم إبنة عمران ) ويدخل الطفل موسى قصر الفرعون ويتربى فيه كأمير ملكى له خدم وحشم ورعاية خاصة , ثم يشاء الله ( المهيمن) أن يرفض موسى كل المرضعات حتى يشيع الخبر أن الطفل الملكى لا يرضع فتذهب أخته التى كانت تتحسس أخباره  لحظة بلحظة بأمر أمها :

 

 (وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ  ) القصص 11

 

وتعرض عليهم مرضعة ممتازة  أقنعتهم بها ,  سيسعد بها الطفل (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ )  القصص 12  ,       ثم يصدر الأمر الملكى بإحضارها تنفيذا لأمر الله تعالى المهيمن على كل القلوب حتى قلوب الكافرين  :

 

 (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) القصص 13    

 

.. وهكذا تكتمل منظومة الهيمنة الربانية على قصة الطفل موسى لينجو بأمر ربه من القتل ويشترك الجميع فى تنفيذ فعل الهيمنة التى أرادها الله تعالى لتنفيذ أمره تعالى فاشترك فى ذلك أم موسى ( بوحى ربها ومشيئته) والصندوق الذى حمل موسى ثم موج النهر  الذى أطاع أمر ربه ونفذه بدقة بالغة ( فليلقه اليم بالساحل ) ثم الخدم الذين أخرجوا الصندوق من النهر ثم إمرأة الفرعون ( المؤمنة بربها سراً ) ثم الفرعون الذى أصدر قراراً بعدم قتل موسى ثم أخت موسى التى راقبت الموقف كاملاً دون أن يشعروا بها ثم الفرعون مرة أخرى عندما قرر إحضار المرضعة الجديدة والتى كانت أم موسى , وكل ذلك تنفيذاً وطاعة وامتثالاً لأمر الله الحى القيوم الذى لا تأخذه سنة ولا نوم وليكتمل فعل من أفعال الهيمنة الإلهية .

 

ثانياً : النار تسمع وتطيع :

 قصة خليل الله إبراهيم ص عندما ولد طفلاً ونشأ صبياً ذكياً لأب يصنع الأصنام ويبيعها للناس لكى يعبدوها , ونشأ فى قوم يسجدون للحجارة ويقدمون لها القرابين ليل نهار ويعبدونها فى خشوع وخضوع , فتعجب من أمرهم ولم يقتنع بضلالهم وشعر أن هناك خطاً جسيماً وقع فيه أبوه وقومه فراح يعمل عقله فى ملكوت الله ويبحث عن الله فى كل مكان حتى تابع حركة النجوم والكواكب والشمس والقمر , وظن لوقت قليل أن الله قد يكون واحداً من هؤلاء ولكن فى كل مرة كانوا يأفلون جميعاً فأسلم وجهه للقوة الأعظم التى خلقت بقدرتها اللانهائية كل هذا الكون المديد وقال  :

 (فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ  *  إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) الأنعام 78,79,

 

أنظر هنا لقوله ( للذى ) فلم يكن يعرف قبل ذلك إسم الله تعالى ولا أى إسم من أسمائه الحسنى ولكنه توصل بفطرته السليمة وقلبه الطاهر إلى إسم الله ( الفاطر) أى الخالق , ثم ذهب بفتوة الشباب وقد عرف الحق وعرف أن للكون خالقاً عظيماً خلقه وقدره بعلمه وأن قومه ضالون ضائعون مضلون فذهب إلى معبدهم وكسر أصنامهم إلا كبيراً لهم   لعلهم إليه يرجعون  , فلما أصبح الصبح وذهبوا لعبادة أصنامهم وجدوها محطمة أجزاءاً صغيرة ( قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين ) فرد آخرون ( سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ) فأحضروه بسرعة فائقة وسألوه ( أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم ) فقال ساخراً منهم ( بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون ) وفى هذه اللحظة رجعوا إلى أنفسهم وتحدث بعضهم لبعض قائلين ( إنكم أنتم الظالمون ) ثم لحق بهم الشيطان الرجيم وأعادهم إلى الكفر والضلال فقالوا لإبراهيم ( لقد علمت ما هؤلاء ينطقون ) .. فقال لهم الفتى النبى الرسول الصادق (قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ  *   أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) الأنبياء66-67     

 

      فكان قرار الكفار هو

 (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ)الأنبياء 68 

 

 ولكن قرار الله المهيمن على كل شىء كان قد سبق قرارهم

 

 (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ   *  وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ) الأنبياء 69-70

 

فأمر الله تعالى النار أن تتحول إلى برد وسلام على إبراهيم ( وقلنا يا نار كونى برداً وسلاماً على إبراهيم ) وهكذا نرى تجليات فعل الهيمنة ونرى كيف يسيطر الله تعالى على كل مخلوقاته وتخضع لأمره وتطيع وتنفذ صاغرة ذليلة متقربة إلى ربها بالطاعة فتخضع النار وتطيع خالقها سبحانه وتتحول بقدرة الله تعالى إلى برد وسلام على إبراهيم النبى الرسول الطيب الصالح الذى عبد الله وحده بلا شريك وكان يريد الخير لأبيه وقومه ولكنهم قوم لا يعقلون , فتركهم إبراهيم ص مهاجرا إلى ربه واصطحب معه لوطاًُ ص وهاجرا إلى الله تعالى لنشر الحق والفضيلة والخلق الكريم على ربوع الأرض الطيبة

(وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ )الأنبياء 71.

 

ثالثاً : الحوت يسمع ويطيع :

  قصة نبى الله يونس ص مع قومه وكلنا يعرفها حيث أرسله الله تعالى فى قومه ليدعوهم إلى عبادة الله الأحد وعدم الإشراك به ويدعوهم للتحلى بالخلق الكريم والمبادىء السامية والمثل العليا , ولكنهم استكبروا فى الأرض وأبوا أن يؤمنوا وتهكموا من يونس ورسالته فحزن منهم حزناً شديداً وغضب عليهم ثم ترك لهم القرية وهرب من ضلالهم وكفرهم بعد أن يئس منهم  

 

( وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ  ) الأنبياء87 ,  

 

  وبعد أن هرب ركب فى الفلك ليسافر مبتعداً عنهم وهو ضجر منهم قانط من إيمانهم فلما ركب فى الفلك قامت رياح شديدة وكانت على وشك الغرق فقام ربان السفينة بالمساهمة أى الإقتراع بين الركاب فمن يقع من الإقتراع يكون مصيره أن يلقى بنفسه فى البحر ليفتدى الآخرين , ومن العجب أن الله المهيمن قد ساق يونس لهذا الإختبار العسير وكان مطلوباً منه أن يشترك فى المساهمة فوقع عليه الإختيار فألقى بنفسه فى الماء فداءاً للآخرين فالتقمه حوت عملاق وابتلعه داخل معدته فظل يونس يحمد ربه ويستغفره ويتوب إليه ويسبح له وهو فى بطن الحوت فشمله الله برحمته التى وسعت كل شىء وأمر الحوت أن تلقى بيونس من بطنها على الشاطىء فاستجاب الحوت لأمر مولاه العزيز القدير المهيمن على كل صغير وكبير وأخرجت يونس ص من بطنها وألقت به تحت شجرة من يقطين فلما افاق أكل منها واستظل بها حتى استرد عافيته

يقول تعالى فى هذا :

 

(وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ    * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ   *  فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ  * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ  * فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ   *  لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ  *  فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ  *وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ  * وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ  * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ) الصافات 139-148

وأراد الله المهيمن على القلوب أن يثبت ليونس أن الله يستطيع هداية البشر أجمعين لو اراد ذلك :

 

(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ  )  يونس 99

 

ولكنه سبحانه وتعالى يترك كل إنسان يختار بحرية إما الإيمان وإما الكفر ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)  , فأرسل الله نبيه يونس بعد أن أفاق واسترد صحته المنهكة وعافيته أرسله إلى مئة ألف إنسان أو يزيدون فآمنوا له وآمنوا معه بالله رب العالمين .

 

رابعاً : السماوات والأرض والنجوم تسمع وتطيع :

يتحكم الله تعالى فى ملكه بقوة لا نهائية حكيمة مدبرة فيظل كل كوكب يجرى فى مساره المحدد الذى قدره الله تعالى له بقوى مختلفة من الجاذبية إختص الله تعالى النجوم والكواكب بنسب متفاوتة تسمح لها بالبقاء فى مسارها دون أن تحيد عنه (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ *  وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ  * لا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ  ) يس 38-40

 

ليس ذلك فحسب بل إن هيمنة الله على كونه تتحكم فى كل صغيرة وكبيرة فيه يقول تعالى :

(الم تر ان الله سخر لكم ما في الارض والفلك تجري في البحر بامره ويمسك السماء ان تقع على الارض الا باذنه ان الله بالناس لرؤوف رحيم ) الحج 65

 

ويقول تعالى :

(ان الله يمسك السماوات والارض ان تزولا ولئن زالتا ان امسكهما من احد من بعده انه كان حليما غفورا ) فاطر 41

 

وأخيرا :

هذا غيض من فيض مما فتح الله علينا به من تجليات معانى إسم الله المهيمن ولو أطلقنا للعقل العنان لما كف عن الكتابة حتى يتوفانى الله تعالى , فمن هذا الذى يستطيع الإحاطة علماً بكل معانى إسم من أسماء الله تعالى ؟؟ .

 

فسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .

دراسات قرآنية : إستنباط معنى كلمة (لبث) من القرآن الكريم و ســــــــــــ24ـــــــــــــــاعة موت

 

يعتقد كثير من  الناس (إعتقاداً لا ينبنى على تأسيس قرآنى ) أنهم  عندما يموتون فإنهم سيشعرون بفترة موتهم وبالقرون الطويلة التى تمر عليهم والتى قد تصل لآلاف القرون فهل هذا صحيح أم ضرب من ضروب الخيال البشرى والوهم الإنسانى ؟

 

من خلال آيات القرآن العظيم ( الكون المقروء ) سوف نتدبر تلك المعانى الهامة والتى تؤرق معظم – إن لم يكن كل – البشر منذ وعيهم على الحياة الدنيا وإدراكهم لكنههم وتأكدهم من قدوم موعد موتهم إن آجلاً أو عاجلاً .

 

وسوف نمر فى عجالة على كلمة ( يلبث – لبث ) نتدبر معانيها من كتاب الله تعالى ثم نبدأ كلامنا عن الموت الذى لا يستغرق فى الحس البشرى الإنسانى ( عند لحظة البعث )  أكثر من 24 ساعة .

 

جزء أول : إستنباط معنى كلمة ( يلبث – لبث ) من آيات الذكر الحكيم :

 

كلمة لبث تأتى فى القرآن الكريم بمعانٍ  فرعية شتى  ولكنها تأتى بمعنى ثابت فى كل مرة وهو البقاء أو المكوث  فى مكان ما سواء كان الإنسان حياً أو ميتاً أو نائماً كما يلى :-

 

(1)            يلبث بمعنى يحيا أو يعيش :

 

*   قوله تعالى عن الرسول الخاتم ص (قُل لَّوْ شَاءَ اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ  )يونس 16

ويفهم منها أن الرسول الخاتم ص كان يعيش بينهم قبل الرسالة فلم يكن يقرأ ولا يكتب حتى بعثه الله فيهم نبياً ورسولاً .

 

     *   وقوله تعالى عن نبى الله ورسوله إبراهيم ص (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا   إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ  ) هود 68

ويفهم منها أن نبى الله ورسوله إبراهيم ص بقى بعيداً عن ضيوفه ولم يرجع لهم إلا ومعه العجل السمين المطهى لأنه ص كريم ويعرف كرم الضيافة ولكنهم لم يأكلوا منه ولم تمتد أيديهم إليه لأنهم فى الحقيقة ملائكة لا يأكلون ولا يشربون .

 

*    وقوله تعالى عن نبى الله ورسوله يوسف ص (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ  ) يوسف 42

ويفهم منها أن نبى الله ورسوله يوسف ص عاش وبقى فى السجن عدة سنوات حتى تذكر صاحبه الذى كان مسجوناً معه وخرج ليعمل ساقياً للملك خمراً فلما تذكر يوسف بسبب رؤيا رآها الملك تم إخراج يوسف على أثر ذلك من سجنه والقصة معروفة .

 

*    وقوله تعالى عن نبى الله ورسوله موسى ص (إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى  ) طه 40

ويفهم منها أن موسى عاش مع أهله فى مدين عدة سنوات وهى المدة التى عمل فيها لدى  صهره كمهر لإبنته التى تزوجها موسى وبعد قضاء هذه الفترة ( من 8 إلى 10 سنوات ) عاد ومعه زوجته من مدين إلى مصر .

*     وقوله تعالى عن موسى أيضاًُ على لسان فرعون (قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ  ) الشعراء 18

 

ويفهم منها أن الفرعون يبكّت موسى ويعيره بأنه عاش وتربى فى قصره قبل ذلك  قبل أن يقتل نفساً ويهرب من بطشهم إلى مدين بعد أن تاب الله عليه وغفر له ذنبه .

 

*     ويقول تعالى عن نبيه ورسوله نوح ص (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ  ) العنكبوت 14

ويفهم منها أن نبى الله ورسوله نوح ص عاش فى قومه وبين ظهرانيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم لعبادة الله الأحد ولكنهم حاربوه وهددوه وعاندوا حتى أغرقهم الله بكفرهم .

 

(2)            يلبث بمعنى يموت  :

 

*    يقول الله تعالى عن  ذى النون ( يونس ) نبى الله ورسوله ص (لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) الصافات 144

ويفهم منها أن الله تعالى لو لم يرحم يونس ويغفر له ذنبه لمات ومكث  فى بطن الحوت حتى قيام الساعة ولكن يونس استغفر ربه وأناب إليه فتاب الله عليه وأمر الحوت أن تلقى به إلى الشاطىء وبقية قصته عليه السلام معروفة .

*     وقوله سبحانه وتعالى (يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً  ) الإسراء 52

ومعنى لبثتم هنا هو متم أى مكثتم فى قبوركم ميتين حتى لحظة البعث.

 

*    وقوله تعالى (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ  ) الروم 56

وكلمة لبثتم هنا معناها متم وقبرتم فى الأرض حتى بعثكم الله تعالى

والآيات فى هذا المعنى كثيرة جداً

 

(3)            لبث بمعنى نام :

 

يقول تعالى عن أهل الكهف الذين ناموا فى كهفهم عدة قرون :

 

(وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا )الكهف 19

 

وكلمة لبثتم هنا معناها نمتم حتى لو كان نومهم يشبه الموت ولكن الله كان يقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ويجعل الشمس تزاور عن كهفهم ذات اليمين وتقرضهم ذات الشمال .

 

 

 

 

 

جزء ثانى : ســـــــ24ـــــــاعة موت :

 

أولاً أحاسيس الأموات الذين بعثوا من موتهم فى حياتهم الدنيا وماذا قالوا :

(1)    يحكى القرآن العظيم عن أهل الكهف وكلنا يعرف حكايتهم فهم مجموعة من الشباب كانوا يعبدون الله تعالى وحده بلا شريك ورفضوا وثنية قومهم وشركهم بربهم فلما شعر بهم الناس وشعر بهم ملوكهم بدءوا فى البحث عنهم لمحاكمتهم على جريمة عبادة الله وحده , فما كان منهم سوى أن فروا بجلدهم من بطش المجرمين وحقد الكافرين وأووا إلى كهف فى أحد الجبال وعندما ناموا من شدة التعب والشقاء الرهيب والخوف المميت رحمهم ربهم سبحانه فضرب على آذانهم فى الكهف ثلاثمائة وتسعاً من السنين ثم بعثهم ليريهم آياته فيهم فقاموا من نومهم الطويل ( موت مؤقت)  سائلين كم لبثم فقال أحدهم : لبثنا ( نمنا ) يوماً أو بعض يوم فرد آخر : ربكم أعلم بما لبثتم .

 

وما يعنينا فى إستنباطنا هنا هو التقدير البشرى الإنسانى للموت لحظة الخروج منه وهو ( يوم أو بعض يوم) مما يؤكد أنهم لم يشعروا بأكثر من ثلاثة قرون مضت عليهم وهم نيام أو أموات , ولأن اليوم منذ بدأ الخليقة هو 24 ساعة فإن القرون الثلاثة مرت على أهل الكهف  كأنها 24 ساعة أو أقل وهذا هو ما يهمنا .

 

وقد يسأل سائل : ولكن أهل الكهف كانوا نائمين ولم يكونوا ميتين فنرد عليه بأن النوم موت مؤقت  وقد أثبت الله تعالى ذلك فى قرآنه العظيم حين قال جل شأنه ( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتى لم تمت فى منامها ) ويفهم من هذا أن النوم موت مؤقت , كما أن الله تعالى حين أيقظ أهل الكهف سمى  ذلك الإيقاظ ( بعثاً ) لقوله تعالى ( وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم ) .

 

(2)    يحكى القرآن العظيم عن رجل كان يمتطى حماراً ويذهب لبعض غرضه وفى طريقه مر على قرية مدمرة وبيوتها مهدمة على من فيها وقد بدا له من هذه القرية بعض جثث الموتى وجثث الكائنات التى كانوا يستأنسوها فى حياتهم ورأى العظام النخرة فتعجب قائلاً ( أنى يحيى هذه الله بعد موتها ) .. وهو سؤال عابر قد يسأله أحدنا إذا مر على جثث وعظام بعض الموتى فى أى مكان ولكن الفرق شاسع بين من يسأل هذا السؤال وهو متأكد من قدرة الله تعالى على إحياء الموتى فى أى وقت , وبين من يسأل نفس السؤال وهو متشكك ومذبذب ولم يصل بعد إلى مرتبة اليقين , ويبدو أن صاحب القصة كان من النوع الأخير فجاءته آية ربه على الفور بالموت الفجائى ( فأماته الله مائة عام ) ولأن الله تعالى يعلم الخير وطهر القلب وحسن السريرة فى هذا العبد فقد أراد له الخير ووضعه الله فى إختبار رهيب فبعثه بعد موته ( ثم بعثه قال كم لبثت ) ؟ فرد العبد الطيب ( لبثت يوماً أو بعض يوم ) فقال له مولاه تعالى ( بل لبثت مائة عام ) ثم أثبت له بالبرهان الربانى العملى وأراه طعامه وشرابه  الذى ظل على حاله مائة سنة ( لم يتسنه )  بتدبير رب العزة ثم أراه حماره الذى مات وتحلل ثم أراه كيف يحيى الموتى ورأى عظام الحمار تتكون أمام عينيه ثم تكسى لحماً ( وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحماً ) واللحم هو العضلات وألأعصاب وألأوعية الدموية وخلافه ,  فلما تبينت الحقيقة جلية أمام الرجل قال ( أعلم أن الله على كل شىء قدير ) , والقصة كلها رائعة كما كانت قصة أهل الكهف رائعة وكلها منابع لتقوية إيمان المؤمنين والربط على قلوبهم , ولكن يهمنا هنا أن المائة سنة التى مرت على الرجل وهو ميت قد عبر عنها بحسه البشرى الإنسانى بعد بعثه  بأنها ( يوم أو بعض يوم ) أى 24 ساعة أو اقل.

 

ثانياً : تمر القرون على الإنسان وهو ميت ثم يشعر بها عند البعث يوم القيامة  كأنها يوم أو بعض يوم :

 

والآيات القرآنية فى ذلك كثيرة جداً تؤكد أن الإحساس البشرى بالزمن ينقطع بمجرد الموت ( بالنسبة للميت نفسه )  يستوى فى ذلك كل الناس ما عدا من استثناهم ربهم من هذه الرحمة والنعمة وهم فرعون وملؤه وقوم نوح وسوف نحاول التوضيح :

 

(1)    عندما يبعث الله سبحانه وتعالى الخلائق يوم القيامة يسألهم ( كم لبثتم فى الأرض عدد سنين ) فيكون الرد الطبيعى التقليدى والذى علمه لنا القرآن الكريم  هو قولهم  :   ( لبثنا يوماً أو بعض يوم ) .. ولكن المؤكد أن أولى العلم يعلمون أن كل من مات لبث فى الأرض إلى يوم البعث ولكنه فقد الشعور بعامل الزمن ( البعد الزمنى ) فيقول الله تعالى :

 

( وقال الذين اوتوا العلم والايمان لقد لبثتم في كتاب الله الى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون ) الروم 56 ,

 

 ويحكى ربنا جل شأنه عن بعض المجرمين بعد بعثهم وقد سأل بعضهم بعضاً عن الفترة التى لبثوها ميتين فيقول تعالى :

 (يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا *يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْرًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْمًا )طه 102- 104

 

ومن هنا نفهم أن أقصى تقدير بشرى لمرحلة الموت هو عشرة أيام وأدنى تقدير بشرى إنسانى للفترة البرزخية هو يوم واحد أى 24 ساعة أو أقل لقولهم المتكرر ( أو بعض يوم ) والبعض أقل من الكل فيكون التقدير البشرى الإنسانى  ( طبعاً لمن مات وبعث )  لفترة الموت البرزخى – وهى الفترة المحصورة بين لحظة الموت ولحظة البعث – هو يوم أو بعض يوم أو بتعبير حسابى 24 ساعة فأقل .

 

وهناك آية كريمة تقول ( ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة ) وهذا تقدير بشرى إنسانى آخر يؤكد أن بعض البشر من المجرمين حين يبعثوا سيقسمون ( لتأكيد وجهة نظرهم ) أنهم ما لبثوا ( ماتوا ) غير ساعة واحدة رغم مرور الزمن عليهم والذى قد يتخطى مئات الألوف من السنين .

 

والتقدير البشرى بالحس الإنسانى للفترة البرزخية يتكرر فى آية أخرى يؤكد البشر فيها أنهم ما لبثوا غير ساعة وذلك فى سورة يونس 54 (ويوم يحشرهم كان لم يلبثوا الا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين ) وأرى أن هذه الآية الكريمة تتحدث عن فترة حياة الإنسان على الأرض وأن الإنسان بعد البعث يشعر أن حياته الدنيا – مهما طالت – كانت كأنها ساعة من النهار يتعارف فيها على الناس أى أن هذه الآية الكريمة تتحدث عن مكوث الإنسان حياً على الأرض ولا تتحدث عن مكوثه ميتاً فى قبره .

 

(2)    يستثنى القرآن العظيم بالإسم من هذه الرحمة والنعمة وهى نعمة عدم الإحساس بالبعد الزمنى أثناء الموت يستثنى المولى عز وجل قوم نوح وفرعون وملأه فيقول تعالى :

 

*     عن قوم نوح : ( مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا ناراً ) ويفهم منها فقدانهم للشعور بأى عامل زمنى يفصل بين لحظة غرقهم ولحظة إلقائهم فى جهنم ( يعنى أقل من فمتو ثانية )  وذلك بما كفروا وعصوا وأجرموا وحاربوا رسل الله تعالى وكتبه , وقوم نوح قصتهم معروفة فقد لبث فيهم نبى الله ورسوله نوح عليه السلام قرابة ألف عام يدعوهم لعبادة الله الأحد فسخروا منه وحاربوه وهددوه بالقتل والطرد , ومن العجب أنه عاصر عدة أجيال كانوا يولدون ثم يكبرون فيتوسم فيهم الخير ثم يفاجأ بكفرهم وتشبههم بآبائهم المجرمين دون أى اختلاف يذكر حتى اضطر النبى أن يدعو ربه ( رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا * إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً ) فاستجاب له ربه وأمره بصناعة الفلك بوحى الله وعلمه سبحانه فكان قومه يسخرون منه وهو يصنع الفلك فوق الرمال ولا يوجد ماء يسبح فيه فيقول لهم نوح ( إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون ) ..ثم جاء أمر الله تعالى وفار التنور وأغرقهم الله بظلمهم ونجى نوحاً ومن معه من المؤمنين قليلى العدد ( وما آمن معه إلا قليل ) .. ثم ألقاهم الله فى جهنم حيث أفقدهم عامل الإحساس بالزمن الفاصل بين لحظة غرقهم ولحظة دخولهم جهنم .

 

*     وعن فرعون وملئه يقول تعالى ( النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) , وقصة فرعون الملعون معروفة فقد جعل من نفسه إلهاً يعبد وقتل من يرفض ذلك وقسم الناس إلى شيع يستضعف طائفة منهم يذبح ابناءهم ويستحيى نساءهم إنه كان من المفسدين وقد طغى وتجبر وتكبر وعلا فى الارض ظلماً وجوراً ونشر فيها الفساد , ولقد ارسل الله له رسولين هما موسى وهارون عليهما السلام فسخر منهما وتكبر عليهما فأرسل الله عليه الكثير من العبر والآيات ( مثل الجراد و القمّل والضفادع والدم والطوفان )  عله يتعظ هو وقومه ويثوبون إلى رشدهم ويتبعوا الرسل ولكن هيهات فقد حقت عليه كلمة العذاب فأغرقه الله وقومه كما أغرق كفار قوم نوح ( نفس العقوبة ونفس طريقة الموت وهى الغرق  ) ولكن الله تعالى قرر له ولملئه الكافرين عذاباً نفسياً رهيباً مخصصاً لهم وهو أنهم يرون موقعهم فى جهنم صباحاً ومساءاً اثناء وجود الحياة الدنيا وأما فى الآخرة فلهم شأن آخر والعياذ بالله تعلى منهم ومن كفرهم .

 

نجد فى قوم نوح أن الله تعالى أفقدهم عامل الزمن الفاصل بين الموت والعذاب بشكل قطعى نهائى ( أغرقوا فأدخلوا نارً )

 

أما فى حالة فرعون وملئه فإن عذابهم النفسى يطول ويطول ( يعرضون عليها غدواً وعشياً  ) ويمتد أثناء الحياة الدنيا بطولها ثم يوم القيامة مصيرهم جهنم وبئس المصير بما كفروا بالله وملؤوا الأرض ظلماً وجوراً وكفراً وعصياناً وطغياناً .

 

وقد يسأل سائل : ألم يأت بعد قوم نوح وبعد فرعون وملئه ظلمة مثلهم ومجرمون يستحقون نفس العذاب لأنهم ظلموا وبطشوا وتجبروا وملؤوا الأرض طغياناً وفساداً ؟

 

أقول نعم جاء ظلمة ومجرمون عذبوا الخلائق ونهبوهم وظلموهم وأجرموا فى حقهم ولكن شخصاً واحداً فى التاريخ نازع الله تعالى فى الألوهية فقال لقومه أنا ربكم الأعلى وقال لهم ما علمت لكم من إله غيرى ,,,,لم يفعل تلك الجريمة البشعة فى حق مالك الملك سوى الفرعون الملعون ..فاستحق هذا النوع المخصص من العذاب أعاذنا الله منه .

   (3) ثم يستثنى القرآن العظيم صنفاً عظيماً من البشر وهم الذين ضحوا بأنفسهم فى سبيل الله تعالى من أجل إعلاء كلمة الله والدفاع عن دينه ضد المعتدين الآثمين فكان مصيرهم القتل فى سبيل هذا الغرض النبيل ولذلك فإنهم لا يموتون بل يخلدون ولا يذوقون طعم الموت وينتقلون لجنة الخلد بمجرد موتهم فلا يذوقون موتاً ولا يشعرون بفترة برزخية يقول تعالى عنهم ( ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله )

 

وأخيراً ومن خلال آيات القرآن الكريم نفهم أن الفترة البرزخية – وهى الفترة الزمنية المحصورة بين لحظة الموت ولحظة البعث- تمر على الإنسان كأنها 24 ساعة أو أقل وذلك بحسه البشرى الإنسانى وباعترافه شخصياً بعد بعثه , يستوى فى ذلك الذين أحياهم الله من موتهم فى الدنيا ( أهل الكهف والذى مر على القرية الخاوية ) والذين يبعثهم الله تعالى يوم القيامة بعد فترة موت قد تصل لآلاف القرون  , وليس هذه وحسب بل يستوى فى هذا الإحساس الإنسان الصالح والإنسان الطالح وقد رأينا كيف يقسم المجرمون – وهم أحق الناس بالعذاب – أنهم بعد بعثهم ما لبثوا ميتين فى قبورهم أكثر من ساعة ...والله تعالى من وراء القصد .

 

سؤال يسأل نفسه بإلحاح : أين يوجد عذاب القبر فى كل ماسبق  لو كانت هذه هى الحقائق القرآنية  الواضحة الجلية ؟ .

 

دراسات قرآنية : إستنباط معنى كلمة ( فتنة ) من القرآن الكريم

أللهم إنى أستعين بك فأعنى وأنر سبيلى وفلبى بقرآنك العظيم واجعله نوراً لنا فى الدنيا ونوراً لنا فى الآخرة واهدنا على صراطك المستقيم ولا تجعل فى قلوبنا غلاً للذين آمنوا وقنا عذاب السعير .

بعون الله الأحد الفرد الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد سأقوم الآن بعمل بحث فى كتاب الله العزيز أستنبط منه المعانى التى جاءت بها كلمة (( فتنة )) فى القرآن الكريم مستهدياً بآيات الذكر الحكيم والله وحده المستعان .

 

أولاً الفتنة بمعنى الإختبار :

يقول الله تعالى :

(( أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ *وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ))العنكبوت 2, 3

لا يعتبر الإيمان الشفهى نهاية الأمر فى مسألة الإيمان بالله تعالى ولكنه يلزمه الكثير ليثبت بالبرهان العملى صدق هذا الإيمان وكماله وقوته وصلابته , فعندما يصاب ذلك المؤمن بمصيبة مثل فقدان عزيز لديه أو مرضه أو خسارة مالية فادحة أوحادث أليم مثلاً فهنا يظهر معدن إيمانه الأصيل

 

وهنا ينقسم الناس إلى نوعين :

 

1-            نوع ينطبق عليه قول الله تعالى :
((
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ *الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ *أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ )) البقرة 155,156,157

 

2-            ونوع آخر ينطبق عليه قول الله تعالى :

(( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ )) الحج 11

ومن حكمة الله العلى القدير أن تكون أموال الإنسان وأولاده (( فتنة )) له أى إختبار له ولإيمانه وهل ستكون الأموال والأولاد سبباً من أسباب تقربه إلى الله تعالى بالصالحات أم سبباً من أسباب غضب الله تعالى عليه ودخوله جهنم نعوذ بالله منها يقول تعالى عن ذلك أيضاً :

((قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ )) التوبة 24

 

 وهنا أيضاً ينقسم الناس إلى نوعين :

 

1-          نوع تكون أمواله وأولاده سبباً يقربه زلفى من خالقه تعالى ويجعل له رصيداً من الخير والبر والتقوى عند الله سبحانه و ينطبق عليه قول المولى تعالى :

 

((رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ )) النور 37

 

2-          نوع آخر تغره الأمانى ويضحك عليه الشيطان الرجيم فتصبح الدنيا غايته وهدفه فيلهث خلف المال والولد طالباً عندهم العزة ضارباً بالحق والحقيقة عرض الحائط مهتماً فقط بمكاسبه الدنيوية وماله الزائل ناسياً حتى أن هذا مال ليس ماله فى الواقع بل هو مستخلف فيه وهذا الصنف يقول عنه المولى تعالى :

 

((فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ )) التوبة 55

((وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ )) التوبة 85

وكذلك فإن الفتنة بمعنى الإختبار قد جاءت بالقرآن فى مواضع شتى نذكر منها على سبيل المثال رؤية النبى محمد صلى الله عليه وسلم عندما رأى رؤية وجعلها الله فتنة للناس أى إختبار لهم ليميز الله الخبيث من الطيب يقول تعالى :

 

((وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا )) الإسراء 60

 

ثانياً الفتنة بمعنى التعذيب :

كلمة تعذيب معناها أن يقوم إنسان بتعذيب إنسان آخر بطريقة نفسية أو بدنية متعمدة وتكون من طرف قادر ذى سلطان أو قوة ضد طرف ضعيف مقهور مسلوب لا يستطيع الذود عن نفسه , يقول تعالى :

 

(( إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ )) البروج 10

 

ثم يقول الله تعالى عن المؤمنين الذين هاجروا بعد الرسول الخاتم (عليه الصلاة والسلام ) وذلك بعد أن تعرضوا للتنكيل والتعذيب على يد كفار قريش وسفهائم ومجرميهم :

 

((ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ )) النحل 110

 

وكان المنافقون الذين آمنوا بأفواههم واضمروا الكفر يخافون من قتال المعتدين الذين يتربصون بدين الله ورسوله فيطلبون من النبى ص أن يأذن لهم بعدم الذهاب لقتال المعتدين معتبرين أن ذلك القتال عذاب شديد ولكنهم ينسون فى ذات الوقت أنهم عندما يتخلون عن رسول الله ص وعن نصرته ضد الذين أجرموا فى حقه وحق المسلمين , فإنهم بذلك يضمنون مكانهم فى جهنم خالدين فيها وهم لا يشعرون يقول تعالى :

 

((وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ )) التوبة 49

وهناك من البشر من هم ضعاف النفوس ليس لديهم ذرة إستعداد للتمسك بدينهم أو الدفاع عنه أو قتال المعتدين أوتحمل أدنى إيذاء فى سبيل الله تعالى فتجده يولى الأدبار فى المعارك ويتخلى عن دينه إذا تعرض لإيذاء بل ويكفر بخالقه تعالى ويعود لسابق عهده من الضلال فهذا الصنف من الناس لم يتمكن من قلوبهم الإيمان بالله تعالى ورسوله واليوم الآخر يقول عنهم الله تعالى :

((وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ )) العنكبوت 10

 

ثالثاً الفتنة بمعنى الإفساد :

 

إن أكبر وأشر الفتن هو إشاعة الفساد والإفساد بين الناس ومحبة الضلال والإضلال , إذ أن هناك طائفة من شياطين الإنس يلذ لهم إشاعة الفساد فى الأرض ولا يهداً لهم بال طالما شعروا بوجود الخير والعدل والصدق والسلام فيظلون يحيكون المؤامرات ويرسمون الخطط ويدبرون فى الظلمات من أجل نشر شرهم وفسادهم وهؤلاء مصيرهم جهنم إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً وهذا النوع من الفتنة هو أخطر أنواع الفتن إذ أنه يتمخض عنه هلاك أمم وموت شعوب وفناء أقوام , هذا لو لم يكن الناس يقظين لهم يحبطون مؤامراتهم بسرعة ويفضحونهم فى كل مكان , يقول تعالى :