بينما كنت أسير فى إحدى حارات القرية رأيت عمى سيد عجايب جالساً يضرب كفاُ
بكف ويغمره حزن شديد فاقتربت منه كعادتى معه وسلمت عليه وسألته :
-ما الذى يحزنك يا عم سيد ؟
-يعنى مش عارف ؟ أكيد عارف
-صدقنى لا أعرف سبب حزنك
-ألم تسمع عن العالم الفاضية بتوع لعبة الكورة ؟
-طبعاً أسمع فماذا حدث منهم؟
-يا صديقى هو انت فى كوكب تانى ، يعنى معرفتش
المصيبة اللى حصلت فى السودان بعد ماتش الكورة بين منتخب مصر ومنتخب الجزاير علشان
يوصلوا لكاس العالم .
-طبعاً سمعت ومن ساعتها قرفان من اللى حصل
-شفت الناس الفاضية دى ؟ علشان كورة ولعبة كانت حتحصل
مجازر وأهى مصر والجزائر حصل بينهم خلافات وصلت لحد استدعاء السفراء علشان شوية
متعصبين من هنا وشوية من هناك .
-تفتكر كان ايه الحل فى رأيك يا عم سيد
-مصر والجزائر حكومات وشعوب يعلمون علم اليقين أن
هناك تشنج كروى تاريخى بين البلدين وأن هذه المباراة الخطيرة والحاسمة والتى ستؤهل
إحدى الدولتين لكأس العالم كان يجب أن تتم بتكتيك خاص .
-مثل ماذا؟
-مفيش مانع تتلعب فى السودان الشقيق ولكن بشرط عدم
حضور جمهور من مصر ولا من الجزائر ، يحضرها إداريو كل منتخب وبعض كبار الشخصيات لو
لزم الأمر ، وبهذا نتجنب إحتكاك الجماهير والمشاكل التى كادت تقضى على الأخضر
واليابس بين البلدين الشقيقين .
-لكن الجماهير فى الدولتين كانت سترفض هذا
الإقتراح يا عم سيد ومن المحتمل قيامهم بمظاهرات وأعمال شغب .
-يا صديقى زى ما بيسكتوا أى مظاهرة بالأمن المركزى
والشرطة يسكتوا هؤلاء أيضاً ونتجنب فتنة خطيرة العواقب سيئة الإحتمالات قد تفسد
علاقة شعبين حبيبن جمعهما نضال عظيم على مر العصور السابقة .
-وهل يرضيك ما حدث للجمهور المصرى على يد جمهور
الجزائر فى السودان ؟
-بالطبع لا يرضينى ولكننى أحمل المسئولية للكبار
الذين وافقوا على سفر هذه الجموع الغفيرة من كلتا الدولتين ، أما أعمال البلطجة
التى حدثت ضد بعض الجماهير المصرية فهى لا تعبر عن شعب الجزائر العريق ولا تمثل
صورة حقيقية له ، وكل بلد فيها الحلو والسىء ، ولا انت مش معايا يا عزيزى ؟
-لا معاك طبعاً ومصدقك ومؤيدك .قل لى يا عم سيد
انت بتشجع أى فريق كروى ؟ يعنى أهلاوى ولا زملكاوى ؟
-أنا هههههههههأنا مش فاضى للكورة يا دكتور والكلام ده ، أنا كل أملى أوفر أكل عيالى
وكسوتهم وعلاجهم وربنا يسترها ويكفينا شر الأمراض ، انا يا سيدى بشجع رغيف العيش
النضيف الخالى من الرمل والمسامير والزلط وبشجع أنبوبة البوتاجاز اللى تكفينى شهر
مش عشرة ايام وبشجع القماشة اللى تمنها على قد فلوسى أكسى بها نفسى وعيالى ومراتى
، وبشجع الصحافة الحرة اللى بتنقل الحقيقة من غير تزييف ولا تحيز لفلان على حساب
علان ، وبشجع الموظف أبو يد نظيفة اللى يرفض الرشوة ويعيش على الحلال ، وبشجع
المشاريع اللى تخدم بلدى وتوظف شبابها وتقضى على البطالة ، وبشجع كل مواطن شريف
يبلغ عن لص حرامى بينهب مال البلد ، وبشجع كل ضابط شرطة فاهم شغله ولا يستعمل
القسوة والتعذيب ضد المتهمين علشان يوصل للحقيقة فيضطر المتهم يقول اللى هو عاوزه
حتى لو كان برىء ، و .... و...
-بس بس يا عم سيد هى حنفية واتفتحت ، ايه محوش ده
كله جواك ؟ يا رجل فضفض بلا هم ...تصدق أنا نسيت حكاية المباراة من كثرة المشاكل
والهموم اللى قلبتها علىّ ، روح يا شيخ منك لله
-انت زعلت ولا ايه يا صديقى ؟ قل بالله عليك نشجع
الكورة والكلام الفارغ ولا نشجع مستقبل بلدنا فى عيشة نظيفة وعدل وكرامة وحق وسلام
؟؟
-طبعاً زى ما انت قلت وأنا موافقك يا عم سيد ..بس
مافيش مانع نفرج على نفسنا بماتش كورة والذى منه .
-أنا معاك لما يكون فيها تفريج على النفس لكن هل
ما حدث بين جمهور مصر وجمهور الجزائر كان فرج أم هرج ومرج وبلاوى زرقة وناس كانت
حتموت وعلاقات بين دول كانت حتتقطع وناس تنطرد من هناك وناس تنطرد من هنا ، يعنى
خراب بيوت مستعجل بعيد عنك هو ما فيش فهم يا عالم أما عجايب والله العظيم .
وكالعادة ودعت عمى سيد عجايب وأنا أعيد كلامه فى عقلى
مرات ومرات لعلى أستوعب فلسفة هذا الفلاح المصرى العبقرى الذى لديه عقل يزن عشرات
العقول من أصحاب المليارات الذين كونوا ثرواتهم من كل فيلم أغنية ولا تهمهم سوى
مصلحتهم الخاصة حتى لو جاع الآخرون أو ماتوا .
عمى السيد عجايب رجل طيب وظريف وخفيف الظل، يقرأ بسهولة ويكتب بصعوبة ،
فلاح مكافح من قرية مجاورة لنا ، يملك فدانين ويستأجر ثلاثة آخرين يقوم بزراعتهم
مع ولده على ،كلمة ( عجايب) ليست من ضمن إسمه الأصلى ولكنها أضيفت له من الناس
المحيطين به من كثرة تكراره لكلمة عجايب عندما يسمع خبراً ما ملفتاً للإنتباه ، قام بتعليم ولده الصغير حتى تخرج من كلية
الهندسة وإبنته ما زالت فى كلية العلوم ، هو رجل ألمعى وذكى لا تفوته فائتة ، يفكر
ويتأمل ويناقش كأنه حاصل على أكبر الشهادات ، يحرص على هدوئه وأدبه ولا يرتفع صوته
مع من يكلمه حتى لو كان يصغره سناً .
سمع عمى السيد عجايب عن إنفلونزا الخنازير ، ولأنه زبون دائم ومهم عندى فقد سألنى ببراءة شديدة :
-وايه يعنى الفرق بين أنفلونزا
الخنازير والأنفلونزا اللى هاريانا ( يقصد أننا نصاب بها ) كل دقيقة ؟
-أنفلونزا الخنازير هى نوع جديد
يقال أنه خليط من ثلاثة أنواع منها نوع يصيب الإنسان ونوع يصيب الخنزير وثالث يصيب
الطيور.
-وهل اتفقوا هؤلاء الثلاثة مع
بعضهم ضد البشرية أم أن هناك من قام بتوفيق ثلاثة رؤس فى الحلال .
-هههههههههه ياعم السيد لك كلام
جميل وعجيب ، صدق من سماك عجايب
-طيب قل لىأين يوجد هذا الفيروس ؟ فى الأكل أم فى الماء
أم فى الهواء ؟
-طبعاً يوجد فى الجهاز التنفسى
للمريض وينتقل منه إلى الهواء عن طريق العطس والكحة .
-يعنى الهواء كله ملوث فيروسات ؟
-يستطيع المريض نقل العدوى
للآخرين بالعطس والكحة فى حيز من الفراغ قدره متران مكعبان .
-لو كان الأمر هكذا لماذا لا
يصاب ملايين البشر بالفيروس فى يوم واحد أو حتى فى شهر واحد ومبلغ علمى أن هذا
الفيروس مكتشف منذ ثمانية أشهر أو أكثر ؟
-لأن هذه الفيروسات تموت فى
الهواء بعد أقل من ساعتين فقط لو لم
يستنشقها إنسان فى الوقت المناسب .
-هل تظن أن هذه المسألة تخيل
علىّ؟ ( يقصد تفوت على مخى كده) ؟ إن عدد الحالات فى العالم كله لم يتجاوز المليون
فى قرابة عاموالعالم سبعة مليارات نسمة
ومعنى ذلك أنها فصيل عادى من ألإنفلونزا ؟فما هو سبب التضخيم والرعب الذى نعيش فيه
؟ هل هى سياسة واقتصاد ومصالح دول عظمى على حساب دول فقيرة ؟ هل هناك خططمعينة لجنى الأرباح من الفقراء الجوعانين ؟ أما
عجايب والله .
-يا عم سيد إن الإنفلونزا
الموسمية تصيب مئات الملايين سنوياً وتقتل حوالى نصف مليون كل عام .
-تمام ولكن هذه الأنفلونزا قتلت
على حد وسائل إعلامهم أقل من ستة آلاف فى قرابة عام ومعظم الموتى من المصابين
أصلاً بأمراض مزمنة يعنى هى أقل وطأة من الموسمية أليس كذلك؟
-حتى الآن كلامك صحيح ولكن
العلماء يخشون تحورها لنوع أشد ضراوة فيسبب فتكاً كبيراً فى البشرية ؟
-ولماذا خائفون من هذه
الإنفلونزا بالذات ؟ هل لأنهم صنعوا لها دواءاً يريدون بيعه ؟ أم أنهم وضعوا لها
خطة طويلة النفس تبدأ بإرهاب العالم منها ثم تتدرج إلى التخفيف من وطأة الإرهاب
بقولهم خلاص ما تزعلوش الحل عندنا وسوف نبحث لكم عن مصل مناسب يحميكم منها فلا
تخافوا ولا تحزنوا أليس كذلك ؟ ثم تبدأ عملية تصنيع للمصل ثم تليها خطوة هامة وهى
أن المصل شحيح وقليل ويجب أن يهرول الناس لشرائه قبل أن يدركهم الموت، ثم تتهافت الدول الفقيرة أو الذليلة لشرائه
بدم قلوبهم رغبة فى النجاة من الموت مع أنهم فى الحقيقة أموات ، ثم تبدأ الدول
الكبرى فى جنى المليارات وحشوها فى خزائنها ومشاريعها القومية وليذهب الآخرون إلى
الجحيم ،أما عجايب .
-هل تظن يا عم سيد أن هناك خطة
مبيتة كما تقول ؟ وكيف توصلت لتلك المعلومات ؟
-يا سيدى أنا فاهم ومطلع ولا
تفوتنى فائتة ، إشمعنا يعنى ظهرت الزفتة دى السنة دى مع الأزمة المالية العالمية ؟
هل هو محض صدفة ؟ عجايب والله .
-بصراحة تساؤلأتك حيرتنى يا عم
عجايب !!
-شوف ياعم الدكتور بكرة حيعدى
الشتا على خير وسوف يختفى هذا البعبع اللى بيخوفه بيه الناس اللى اسمه أنفلونزا
الخنازير وسوف تنفضح كذبتهم ويعرف العالم أنها لعبة قبيحة ليس لها طعم ولا لون ولا
معنى غير الإبتزاز وأنه إرهاب من نوع جديد يقوم به الكبار ضد الصغار حتى تزداد
هيمنتهم على العالم ويقولوا للدنيا كلها أن بأيديهم حياة الناس وموتهم والعياذ
بالله العظيم ، ثم قل لى هل أنفلونزا الخنازير هى فقط التى تقتل ؟ إنها نقطة فى
محيط ليس له قرار من ضمن أسباب الموت فهناك ملايين الفيروسات الأخرى والبكتريا
والسرطانات والحروب والحوادث اليومية وقتل الإنسان لأخيه الإنسان وغير ذلك مئات
الأسباب للموت فهل ننسى كل تلك الأسباب ولا نتذكر غير أنفولونزا الخنازير، عجايب
والله .
-ولكننا يجب أن نأخذ بالأسباب يا
عم سيد ونحتاطلأنفسنا فقد يزداد الأمر
سوءاً ونضيع فى شربة ماء .
-مفيش مانع من الإحتياط بشرط ألا
يصل لدرجة الإستعباط ههههههههه ، يعنى ناخد بالنا ونوعى الناس ونفهمهم وهذا دور
الطب والأطباء ، مش كل من هب ودب يفتى فى أنفلونزا الخنازير لحد لما الناس بقت تخاف
تروح تشترى طلبات وبقت يحصل لها صرع لو حد عطس جنبها !!!!!عجايب والله .
لم أجد متسعاً من الوقت أكثر منذ لك فتركت عمى
السيد عجايب وأنا أفكر فى كل كلمة قالها ومهتم جداً بوجهة نظره وقررت أن اضعها فى
حسبانى وأنتظر مرور الشتاء وفعلاً ياما فى الدنيا عجايب .
عندما يأمر الله المؤمنين والمؤمنات بغض أبصارهم فإن لذلك معنى واحداً ليس
له ثان وهو أن كلاً من الجنسين ( ألمرأة والرجل ) يرى الآخر رأى العين وينظر له
ويتكلم معه ويخاطبه ويناقشه ويحاوره ويجادله حواراً قد يطول أو يقصر حسب الموضوع
وحسب الظرف الزمانى والمكانى ، ولذلك جاء الأمر الربانى بغض البصر حين يزوغ الفؤاد
ويلعب به إبليس وتنتابه هواجس الشهوة والعصيان من جمال ما يراه من وجه إمرأة يراها
رجل أو وجه رجل تراه امرأة .
لا يمكن أن يفرض الله تعالى على المرأة تغطية وجهها ثم يأمر الرجل بغض بصره
عنها ، إذ كيف يغض بصره عن قطعة قماش تغطى وجهها ، وكذلك الحال لا يمكن أن يأمر
الله المرأة بغض بصرها إلا إذا كانت ترى الرجال وتتكلم معهم وتتنافس معهم فى العلم
والعمل والثقافة والرياضة وغير ذلك من فنون الحياة وأنشطتها الكثيرة والمتعددة .
لقد أكدت فى كتابات سابقة لى مرات
عديدة أن العالم كله سيثور على النقاب ويحاربه ويقف فى وجهه وينبذه ، بل سيسن
القوانين ويضع اللوائح المناهضة له إنقاذاً للبشرية لما يمكن أن يسببه هذا الشىء
المسمى بالنقاب وخاصة بعد ثبوت عشرات الجرائم التى ترتكب بإسمه وتحت غطائه مثل
السرقات والتحرشات والتفجيرات ، فكل يوم نقرأ أخباراً عن رجال متخفين فى نقاب
يقتحمون محلاً للمجوهرات لسرقته ، وأخباراً عن أشخاص متهمين بالإرهاب والتطرف يتم
القبض عليهم فى دول كثيرة وهم يلبسون ذلك الشىء ويتخفون وراءه .
فرنسا وألمانيا وإيطاليا يعدون العدة ويجهزون القوانين لمنع النقاب فى
بلادهم ، وها هى مصر بقيادة شيخ أزهرها ووزير أوقافها تقف للنقاب بالمرصاد ، فيتم
منع النقاب فى المعاهد الأزهرية ويلحق بهم وزير التعليم العالىويمنعه فى المدن الجامعية ويصدر قرارات بالتأكد
من شخصية كل منقبة تدخل حرم الجامعات المصرية تمهيداً لإلغائه ، ثم يلحق بركبهم
وزير التربية والتعليم ليمنعه من المدارس عن الطالبات والمعلمات ، ثم يركب سفينتهم
وزير الصحة ويمنعه فى المستشفيات والإدارات الصحية وغيرها .
والسؤال الذى يحيرنى هو : كيف تحيا المرأة مدفونة تحت هذه القماشة لا يراها
أحد ولا يعرفها أحد ، لا تتفاعل مع المجتمع ولا يتفاعل معها المجتمع ؟ هل هى كم
مهمل لهذه الدرجة ؟ هل رضيت بأن يعيدها المتطرفون لعهد الوأد ( وأد البنات ) ؟ الا
يعتبر النقاب بإخفائه لوجه المرأة وحجبها عن الحياة ومباهجها ومتعها المختلفة ،
الا يعتبر ذلك نوعاً من وأد المرأة ودفنها حية ، فهى موجودة وغير موجودة ولا يراها
أحد غير زوجها فى نفس الوقت الذى يخرج زوجها كاشفاً وجهه يراه الجميع ويتمتع
بحياته ويتفاعل مع المجتمع فى كل شىء وكأن ذلك حلال عليه حرام عليها .
ماهذه الذكورية البغيضة ، لماذا يحل للرجل كشف وجهه ويحرم على المرأة ؟
لماذا نفترض دائماً أن الرجل ذئب مسعور سيفترس المرأة وينظر لها بشهوة ولا نفترض
ذلك فى المرأة أبداً ؟ هل يعنى ذلك أننا يجب علينا جميعاً أن نلبس نقاباً على وجوهنا حتى لا يفتن الرجل بوجه المراة ولا
تفتن المرأة بوجه الرجل فنتحول جميعاً إلى أشباح لا يعرف أحدنا الآخر وكيف يكون
منظر الحياة وهل تطاق بعد ذلك بكل هذه الكآبة .
لقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون فى الحياة عنصران من بنى البشر هما
المرأة والرجل ، وهما شريكان فى كل شىء فى الهواء والماء والطعام والشراب والمسكن
والحقل والمصنع والشارع ومكان العمل ، ولا يكون للحياة معنى إذا اختفى واندثر أحد
العنصرين سواء كان هذا الإختفاء بالحبس فى المنازل أو بالتخفى خلف قطعة قماش ليس
لها قيمة سوى وأد المرأة القابعة خلفها والتخلص منها وإعتبارها كأنها لم تكن ، يا
سادة لقد خلق الله وجه الإنسان لكى يعرف به ويستدل عليه منه ، وعندما ترتكب جريمة
لا يمكن التعرف على الجناة إلا بعد المرور على وجوههم بالعين المجردة ، كيف تعيش
المرأة بلا وجه معروف رغم أن وجهها هو هويتها وبطاقتها الحقيقية .
لا ندعو لعرى ولا لسفور ولا نحب ذلك ، ولكن علينا أن نتذكر جميعاً أن
النقاب لم يكن فى يوم ما شرعاً دينياً ولم يأمر به الله فى توراته ولا إفى إنجيله
ولا فى قرآنه ، ولو كان كذلك لكان هناك أوامر مؤكدة وواضحة ومكررة حتى يلتزم به
الناس ويطبقونه فى حياتهم ، أما محاولة لى عنق آية معينة لكى نمرر هذا النوع من
التطرف فهو ما يرفضه كل العقلاء وما سيقف فى وجهه كل العالم حتى لا نتحول إلى خيالات وأشباح لا نعرف الذى يمر علينا بنقابه هل هو رجل
أو إمرأة ومن أين جاء وأين يذهب ، فهو أو هى بلا وجه معروف ولا شكل مألوف وهنا قل
على الدنيا السلام وقل على العدل السلام وقل على الأمن السلام .
بعيداً عن هؤلاء
الذين يقدسون البشر ويرفعون من شأنهم لدرجة العبادة وأنهم لا يأتيهم الباطل ، فهذا مقال موضوعى من
خلال القرآن الكريم يؤكد وجود فئات كبيرة من المنافقين الذين حاربوا الله ورسوله
سراً بينما كانوا يجهرون بإيمانهم وتقواهم ،ويشاركون النبى فى صلاته وجلساته
ومعاركه لصد المعتدين ، ولولا أن الله
تعالى قد أنبأ نبيه بذلك لما عرفهم ولما عرف دنائتهمورغبتهم الشديدة فى تدمير دعوة الحق والحب
والسلام التى بعث من أجلها والتى طبقها بشكل عملى فى دولته الناشئة الصغيرة ، دولة
المدينة المنورة فى عهد النبى الخاتم عليه السلام .
هذه جولة تأملية فى
بعض آيات من سورة الأحزاب نقف فيها على حقائق مهمة جداً من خلال القرآن الكريم وهى
أن هناك رجال كانوا حول الرسول الخاتم فصدقوا ما عاهدوا الله عليه بينما كان هناك
آخرون منافقون مندسون ليس لهم هم سوى القضاء على الدعوة الإسلامية التى قوضت
أحلامهم وخيبت آمالهم فى السيطرة الدائمة على السلطة والثروة .
.
بخصوص صحابة النبى
عليه السلام فقد قال الله تعالى عن
الصالحين منهم :
أى أن مسألة أن الله تعالى رضى
عن المؤمنين الذين بايعوا الرسول تحتالشجرة ليست مسألة منتهية عند حد المبايعة
ولكنها تمتد لتشمل الإلتزامبهذه البيعة وهو دوام الإيمان بالله تعالى وملائكته
ورسله وكتبه واليومالآخر والإخلاص لله تعالى ورسوله سراً وعلانية ، وعدم
مناصرة الذينيحاربون الله ودينه ورسوله .. ألخ فإذا تحققت تلك الشروط فيمن بايع فقدفاز برضى الله تعالى ،أما لو
أخل بهذه الشروط أو بواحد منها فقد فسدتبيعته.
واقرأ معى قول الله تعالى عن
صنف آخر من الصحابة كانوا يجلسون مع النبىالكريم ( ص) ولكنهم خانوه ونافقوا وظاهروا
عليه أعداءه فهل هؤلاء صحابةمخلصون ؟ وهل يستحقون أن نحترمهم كما نحترم الصالحين
الطيبين الذين بذلواالنفس والمال فى سبيل نصرة الله ودينه ورسوله ؟ إقرأ معى
ماذا قال اللهتعالى عن هؤلاء :
ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل
وصل بهم الأمر للهروب من مواجهة المعتدينالذين يكيدون لله ودينه ورسوله يقول تعالى
عنهم فى سورة الأحزاب حيث يحكىالقرآن العظيم عن واقعة الأحزاب ويصور العدد الهائل
والعدة والعتاد لجيوشالكافرين فيقول تعالى :
ثم يصور الله تعالى التغيرات
النفسية التى اصابت المحاربين فى هذه الأثناء فيقول جل من قائل :
)) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا
زِلْزَالاً شَدِيداً {11} وفى هذه اللحظات بالذات يظهر
المعدن الحقيقى للإنسان ويظهر الذين عاهدواالله ورسوله بصدق أم بنفاق ويتضح الفرق بين
المؤمن الحقيقى والمنافق يقولتعالى :
ثم يذكر الله تعالى عهدهم
السابق وإلتزامهم بالكفاح والجهاد ضد المعتدينوالوقوف بكل قوتهم مع رسول الله نصرة لدين
الحق ولكنهم – أى المنافقونوالذين فى قلوبهم مرض – نكثوا عهدهم مع الله ورسوله يقول
تعالى :
وهؤلاء هم المؤمنون الحقيقيون
الذين نصروا الله ودينه ورسوله يقول عنهم الله تعالى : (( وَلَمَّا
رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَاوَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ
اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَازَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً {22}
ولذلك يستخدم الله تعالى حرف ((
من )) لكى نعرف أنه ليس كل مؤمن صادق فىإيمانه ولكن بعض المؤمنين صادقون فى إيمانهم
والبعض الآخر غير صادق فكيفنسوى بينهم فى الحكم والحب والإقتداء والتأسى ؟؟ يقول
قيوم السماء والارض
ثم أذل الخونة من أهل الكتاب
الذين نصروا المعتدين وأيدوهم ضد الله ورسولهرغم كل الخير والعدل والسلام الذى عاشوا فيه
فى كنف النبى محمد ( ص) العادل الصادق الأمين وصحبه الكرام فى المدينة قبل تلك
المعركة ، ولكنهمبسبب خيانتهم نالوا جزاءهم العادل يقول تعالى :
وكلنا نعرف قصة بعض الصحابة
الذين تمنوا أن يغنيهم الله فضله وعاهدوا اللهتعالى لئن أعطاهم الله من فضله فسوف يتصدقون
على الفقراء والمساكينوالمحتاجين وينفقون فى سبيل الله تعالى بغير حساب فلما
أعطاهم الله المالوالجاه بخلوا به ونقضوا عهدهم مع الله تعالى فاستحقوا
غضب الله عليهم فىالدنيا والآخرة يقول تعالى عن ذلك :
مما سبق نجد نوعين من صحابة
الرسول عليه الصلاة والسلام ، نوع صادق فى إيمانه ونوع منافق.
وعلى أى حال فصحابة الرسول بشر
ويجرى عليهم ما يجرى للجميع وهم ليسوا فوقالنقد بشرط عدم التجريح أو التعرض بالإهانة ،
ولكن يكون النقد بناءاً ولههدف نبيل وهو الوصول إلى الحق ومعرفة الحقيقة .
ولكن يبقى سؤال مهم جداً : هل الذين دونوا تاريخ صحابة
النبى صادقون فيما كتبوا ؟ يعنى هل كل خبروصلنا من التاريخ هو خبر حق وصدق لا يأتيه
الباطل ؟ أم أن هناك أخبارمدسوسة ضد صحابى معين بسبب أن طائفة معينة تكرهه فأضافت
لتاريخه ما ليسفيه ؟ وهنا يحدث لبس ولغط عظيم إذا أصدرنا أحكاماً أو
سطرنا اراءاً حولأناس توفاهم الله تعالى منذ اربعة عشر قرناً من الزمان
حيث أن الرأىالسديد والحكم الأكيد يكون مبنياً على رؤية العين وشهادة
الشهود فلماذانضع أنفسنا فى مأزق خطير مع الله تعالى مالك الملك ؟؟
عندما تقاتل المسلمون فى معركة
الجمل و صفين أو غيرها ، هل وصلت أخبار هذه المعارك عن طريق القرآن أم عن طريق
التاريخ ؟؟
لو كانت جاءت فى القرآن – وهو
مستبعد حيث أنها حدثت بعد انقطاع الوحى – لكنا سلمنا بكل كلمة جاءت عنها ، ولكنها جاءت ايضاً
برواية الرواة وأخبارالتاريخ والمؤرخين ، والمؤرخون بشر يصيبون ويخطئون ،
فكيف نأخذ بكلامهمكأنه مسلمات ؟؟ لابد أن الفتن والأهواء الشحصية قد لعبت
دوراً كبيراً فىالتأريخ كما لعبته فى تزييف أحاديث كثيرة نسبت ظلماً
للرسول الكريم عليهالصلاة والسلام .
ومن هنا اقول أن الصحابة بشر
مثل أى بشر وليسوا معصومين من الخطأ وليسوافوق النقد بشرط تحرى الدقة فى المسائل
التاريخية والبعد التام عن أسلوبالتجريح والإهانة أو التحقير أو التقليل من شأنهم ، وهذه
أخلاق نحنمطالبون
بها ليس تجاه الصحابة وحسب ، ولكن تجاه بعضنا البعض ، بل وتجاهالذين يخالفوننا الدين والفكر
والعقيدة ، فالملك لله تعالى الواحد القهار،ونحن مجرد بشر لا نملك لأنفسنا
ولا لغيرنا نفعاً ولا ضرراً ولا موتاًولاحياة ولا نشورا ً.
هل كان العبد الصالح الذى قابله موسى مخلوقاً بشرياً أم ملاكاً مطيعاً من
ملائكة الله تعالى تجسد لموسى على شكل بشر بحيث لا يراه بعد الله تعالى غير النبى
موسى ؟؟
أميل لكون هذا العبد كان ملاكاً وليس بشراً وسوف اسوق أدلتى لأثبت وأؤكد
أنه لم يكن من البشر ولم يره غير موسى ولم يدرك أفعاله سوى موسى أثناء قيامه بها ،
لأنه لو أدرك الآخرون أفعاله ورأوها لكانت هناك ردود افعال شديدة لما قام به من
خرق لسفينة مساكين وقتل لغلام برىء وإقامة لجدار على وشك السقوط فى قرية البخلاء ،
وتعالوا بنا نغوص فى أعماق هذه القصة القرآنية الحقة ونستخرج ما استطعنا منها من عبر
.
بالتأمل فى قصة النبى موسى مع العبد الصالح الذى قابله فى إحدى رحلاته
التأملية فى الكون ، تحكى القصة أن الله تعالى قد شاء لعبده ونبيه موسى أن يلتقى
بعبد لله يتمتع بصفات لا يتمتع بها موسى النبى نفسه وهى أن الله قد آتى هذا العبد
رحمة من عنده وعلمه من لدنه علماً ، وتحكى القصة القرآنية أن موسى هو الذى بادر
بطلب التبعية لهذا العبد المعلم حيث دار هذا الحوار :
موسى : هل أتبعك على أن تعلمنى مما علمت رشداً ؟
العبد المعلم : إنك لن تستطيع معى صبراً ..
موسى : صامتاً
العبد المعلم : وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً ؟
موسى : ستجدنى إنشاء الله صابراً ولا أعصى لك أمرا
العبد المعلم : فإن اتبعتنى فلا تسألنى عن شىء حتى أحدث لك منه ذكراً ..
وانتهى الحوار هنا وبدأت الرحلة .
يجب أن نتذكر ان موسى كان بصحبة فتاه ( اى الغلام الذى يخدمه ) وحين قابل
العبد المعلم كان هذا الفتى لا يزال بصحبة موسى لقوله تعالى ( فوجدا عبداً من
عبادنا ) أى بصيغة المثنى ، ولكن موسى عليه السلام لما طلب من العبد المعلم أن
يتبعه قال له ( هل أتبعك ) ولم يقل ( هل نتبعك ) مما يدل على أن موسى سار وحده مع
العبد المعلم ، فلما مشيا معاً وصلا إلى شاطىء بحر بدليل انهما ركبا سفينة ، قام
العبد المعلم فور ركوب السفينة بخرقها ( أى عمل بها ثقباً يسمح بدخول الماء ) مما
يهدد راكبيها بالغرق المؤكد والفناء المحقق ، فلم يتمالك موسى نفسه وطفق يسأل
الرجل :
( أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً )
فرد العبد عليه :
( ألم أقل إنك لن تستطيع معى صبراً
)
فرد موسى :
( لا تؤاخذنى بما نسيت ولا ترهقنى
من أمرى عسراً )
...نلاحظ هنا تسرع موسى عليه
السلام ونسيانه للوعد الذى قطعه على نفسه وهو أنه سيصبر على أعمال الرجل ولن يعصى
له أمراً ، ولكن العبد المعلم تجاوز هذه المرة وسار مع موسى ، ويبدو أنهما من سياق
القصة قد غادرا السفينة وسارا معاً على اليابسة ، وصادف سيرهم غلام فقام العبد
المعلم بقتله على الفور دون سابق إنذار مما اثار حفيظة النبى موسى وسارع سائلاً :
( أقتلت نفساً ذكية بغير نفس لقد جئت شيئاً نكراً )
فرد عليه قائلاً :
( ألم اقل لك إنك لن تستطيع معى صبراً ) ؟
فقال له موسى ( إن سألتك عن شىء
بعدها فلا تصاحبنى قد بلغت من لدنى عذراً ) ،
وسامحه الرجل للمرة الثانية وانطلق
معه حتى وصلا قرية يبدو أن أهلها جميعاً
بخلاء ونفهم ذلك من سياق القصة ( حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها ) أى طلبا
الطعام من أهل القرية لكونهما جائعين ( فأبوا أن يضيفوهما ) أى رفضوا جميعاً تقديم
واجب الضيافة للرجلين .
وسار موسى مع العبد المعلم حتى وجدا جداراً قديماً يكاد يسقط على الأرض
بفعل مرور الزمن وعوامل التعرية ( فوجدا جداراً يريد أن ينقض فأقامه ) فقال له
موسى ( لو شئت لاتخذت عليه أجراً ) فرد العبد المعلم ( هذا فراق بينى وبينك سأنبئك
بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً ) .
وبدأ يشرح لموسى أسباب قيامه بهذه الأفعال وهى بالطبع أسباب غيبية لا
يعلمها إلا الله ولكن الله تعالى كلف هذا العبد بذلك لتكون عظة وعبرة لموسى
وللمعتبرين من بعده ، فماذا قال :
1-عن
السفينة
قال ( أما السفينة فكانت لمساكين يعملون فى
البحر وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً ) . وهنا يتبادر إلى الذهن عدة أسئلة ...
هل خرق السفينة سبب كاف لكى يتركها القرصان اللص الذى يأخذ كل سفينة غصباً ؟ ألا
يمكن أن يأخذها ويقوم رجاله البارعون بإصلاحها ... كيف تأكد العبد الصالح أن هذا
الملك ( القرصان ) سيترك السفينة لمجرد أن بها عيباً بسيطاً كهذا الثقب قام به شخص
واحد ولم ينتج عن حادث فظيع مثلاً ؟ وهناك سؤال آخر : كيف قام الرجل بخرق السفينة وهى
ملك لبعض المساكين الفقراء وكيف تركوه يخرقها دون أن يوقفوه عن ذلك الفعل الذى
سيتسبب فى غرقهم أو على أقل تقدير فقدانهم للسفينة التى يأكلون منها عيشهم ؟هل قام
بإخبراهم أنه مرسل من عند الله وأنه سيخرق السفينة من أجل إنقاذها من القرصان ؟
وهل صدقوه وآمنوا بكلامه أم أن الله تعالى هداهم للصمت على ذلك والسكوت حتى يمر
القرصان دون أن يأخذ السفينة ؟ والسؤال الأخير هل يمكن أن يكون العبد الصالح
ملاكاً لا يراه سوى النبى موسى لذلك فقد خرق السفينة بطريقة لا يدركها أصحابها ثم
قام بعلاج الثقب بعد مرور القرصان ؟
2-عن
الغلام الذى قتل
إن قتل إنسان هو بلاشك جريمة نكراء ، فكيف قتل الرجل
الصالح هذا الغلام فى بلده ؟ وهل تركه الناس يقتله ويمضى ؟ اليس هناك شرطة أو
بوليس يقبض عليه ؟ وأكثر من ذلك ما هو موقف أبويه الصالحين من عملية قتل فلذة
كبدهما ؟ وخصوصاً أنهما لم يعلمهما الله تعالى من لدنه علماً كما فعل مع العبد
الصالح أى أن الموضوع بالنسبة لهما هو جريمة قتل مكتملة الأركان ؟ ولو كان العبد
المعلم ومعه النبى موسى قد تركا البلدة التى قتل فيها الغلام ومشيا ، فمن الطبيعى
أن يعثر الناس على جثة الغلام القتيل ويذهبوا لأهله ويخبروهم بذلك فيسرع أهله
باكين نحو الجثة ، وخاصة أن هذا الغلام كان سيرهقهما طغياناً وكفراً فيما بعد أى
أنهما لم يريا منه طغياناً وكفراً حتى تاريخ قتله فما هو موقفهم ؟ وهل سيتهمون
أحداً من اهل القرية بقتله ؟ هل ستكون هناك إتهامات ومعارك وثأر ؟ أم أن الله
تعالى يمكن أن يكون قد أوحى إلى أبوى الغلام بما سيحدث لإبنهما فرضيا وسكتا لأنهما
على علم بما سيكون من أمر قتل إبنهما على يد العبد المعلم ؟ والسؤال الأخير هل
يمكن أن يكون العبد الصالح ملاكاً لا تراه العيون وقام بعملية القتل دون إراقة
دماء وبدا للناس ولأبويه كأنه مات موتة طبيعية لا دماء فيها ولا عنف ؟ وخصوصاً أن
القصة لا تذكر ابداً أن الرجل قد قتل الغلام بسكين ولا بعصا ولا بأى أداة مما يمكن
أن تستخدم فى القتل ، وهذا ما أميل إليه وهو أن العبد الصالح كان ملاكاً لا يراه
غير موسى وكان يفعل هذه الأشياء دون أن يراه أحد غير الله وموسى وقد يسأل سائل
وكيف طلبا طعاماً من أهل القرية ؟ هل تأكل الملائكة ؟ والجواب هو أن الطعام كان
لموسى وفتاه ( أى الخادم الذى كان معه) وأن موسى سار مع غلامه بصحبة العبد الصاالح
( الملاك المعلم من ربه )
3-الجدار
أهل القرية التى بها الجدار بخلاء وطالما هم بخلاء فلا
أخلاق لهم ولا إنسانية عندهم ، وقد رفضوا تقديم واجب الضيافة لهما ، فكيف بأهل هذه
القرية وقد رأوا بأم رأسهم رجلين غريبين يدخلان القرية ثم يقيمان جداراً على وشك
السقوط .. أليس من العقل أنهم سيسألون موسى والرجل عن سبب قيامه بترميم هذا الجدار
؟ ألا يمكن أن يشك أحدهم فى أهمية هذا الجدار ثم يقوم بنقضه وسرقة الكنز بعد أن
يقوم الرجلان بمغادرة المكان ؟ وهذا تقريباً يؤكد ما أميل إليه وهو أن هذا العبد
الصالح كان ملاكاً لا يراه غير موسى ويقوم بهذه الأفعال بسرعة البرق دون أن يدركه
الآخرون ، فقط موسى وبتقوية من الله ودعم له يرى ما يقوم به هذا الرجل الصالح ولا
يراه سواه من البشر وإلا فإن كل التساؤلات التى طرحتها يجب أن توضع للتحليل
الميكروسكوبى الدقيق ، أما لو كان ملاكاً فتكتمل معجزة هذا العبد الصالح مع موسى
ويصبح الموضوع قدراً إليهاً غيبياً لنبى ورسول من رسل الله تعالى ليزداد قلبه هدى
ويتعلم الصبر ويعلم العبر التى رآها ومرت عليه فى قصته مع هذا العبد الصالح .
ومما لا شك فيه أن صفات العلم اللدنى ( أى الإلهى ) قد
وضحت فى التصرفات الثلاثة التى قام بها العبد الصالح وكذلك الرحمة ، فقد علم أن
السفينة لمساكين ( علم ) وأن وراءها قرصان لص يسرق السفن إغتصاباً ( علم ) فقام
بخرقها لإنقاذ أصحابها المساكين ( رحمة ) ومما لا شك فيه أنه اصلحها بعد مرور
القرصان أو ارشدهم على طريقة سهلة وسريعة لإصلاحها ، وكذلك عرف أن أبوى الغلام
صالحان ( علم ) وأن الغلام عندما يكبر سيكفر ويطغى ( علم ) فقتله فأنقذ الغلام من
عذاب جهنم ( رحمة ) وأنقذ أبويه من عذاب الغلام لهما طول عمرهما بسبب الكفر
والطغيان اللذان كانا سيسيطران عليه ( رحمة ) ، وبالنسبة للجدار فقد عرف أن تحته
كنز لغلامين يتيمين ( علم ) وأن أباهما كان صالحاً (علم ) فقام بترميم الجدار
وإقامته مرة أخرى ( رحمة ) ومن المؤكد أن الله تعالى سيحفظ الجدار للغلامين حتى
يكبرا ويستخرجا كنزهما .
لأنه لا يوجد بينكم جميعاً يا أهل الأرض وساكنيها وعلماءها وفلاسفتها من
يدعى أنه خلقنى وجاء بى إلى هذه الأرض ، ولأنه لا يوجد بينكم من يدعى أنه هو الذى
خلق السماء التى نراها بعيوننا والأرض التى نمشى عليها بأقدامنا بما فيها من يابسة
وبحار مالحة وأنهار عذبة ، وبما فيها من حدائق ذات بهجة وزروع وثمار وجبال وهضاب
وسهول ووديان ، بما فيها من صخور شتى ذات ألوان مختلفة ، وورود وأزهار وكائنات
مختلفة فى الأحجام والأشكال والألوان ، كائنات ذات فصائل وعائلات وأسر ومجتمعات ،
تم تقسيمها ودراسة طرق معيشتها وما فيها من آيات مبهرات ، وعبر وعظات تقف عندها
العقول مندهشة والعيون منبهرة والقلوب مرتجفة .
لأنه ليس بينكم يا أهل العلم والفلسفةمن يدعى أنه يميت الناس أو من يدعى علمه بسر الموت ، وإلى اين يذهب الناس
بعد موتهم ؟ ليس بينكم من يملك الحجة الدامغة والرأى المقنع بعدم وجود القوة
العظمى المهيمنة على هذا الكون وهى الإله العظيم خالق كل شىء والمهيمن على كل ذرة
من هذا الوجود ، ليس بينكم من لديه حتى القناعة الذاتية داخل نفسه بعدم وجود هذا
الإله الأعظم ، بل إنكم تتحدثون بلا علم أكيد وبلا منطق مفيد ، حجتكم واهية
وبراهينكم مردودة عليكم .
ليس بينكم يا أهل الأرض من يملك القدرة على إيقاف سريان دمائى فى عروقى ،
ولا يملك القدرة على تغيير نبضات قلبى أو عددها أو نمط حركاتها ، ليس بينكم من
يملك القدرة على منع اسنانى من مضغ الطعام ومنع معدتى من هضمه ومنع أمعائى من
إمتصاصه ، ليس بينكم من يأمر كبدى وبنكرياسى بإفراز كمية مناسبة لكل وجبة طعام
اتناولها لتساعد على هضمها وسهولة إمتصاصها ، ليس بينكم من يوقف قوة كليتاى
ويأمرهما بعدم فرز دمائى وفلترتها وطرد البولينا والكرياتينين والسموم المختلفة من
جسمى ، ليس بينكم من يمنع جهازى الهضمى السفلى من طرد بقايا الطعام .
ليس بينكم يا أهل الأرض من يتجرأ ويدعى أنه رزقنى بزوجة أسكن إليها ورزقنى
بإنجاب الولد والبنت ، ليس بينكم من يدعى أنه يتحكم فى قدرة الحيوانات المنوية
التى يفرزها جهازى التناسلى فتفلح أحياناً وتخفق أحياناً أخرى ، ليس بينكم من يدعى
أنه يرزق الناس بالبنت أو الولد أو بهما معاً أو يحرم البعض من الإنجاب ، ليس
بينكم من يدعى أنه يخلق الأجنة فى بطون أمهاتهم خلقاً من بعد خلق فى ظلمات ثلاث ،
ليس بينكم من يدعى أنه يعلم مصائر من فى الأرحام ومستقبلها القادم ، ليس بينكم من
يرسل الرياح فتثير سحاباً ثم يجعل السحاب تسقط أمطاراً فى بلد دون آخر ، كما أنه
ليس بينكم من يدعى أن الرعد يسبح بحمده والملائكة من خيفته.
ليس بينكم يا أهل الأرض من يدعى أنه خالق كل شىء ، ليس بينكم من يدعى أنه علّم
النحل أن تتخذ من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون ، ليس بينكم من يدعى أنه
يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى ويحيى الأرض الجدباء بأن يخلق فيها النبات
فيأكل منه الإنسان والطير والحيوان ، ليس بينكم من يدعى أنه يأتى بالشمس من المشرق
ويجعلها تغرب فى المغرب ، ليس بينكم من يدعى أنه هو الذى اضاء القمر بنور ينعكس
عليه من الشمس ، ليس بينكم من يدعى أن الشمس لا تدرك القمر وأن الليل ليس بسابق
للنهار وكل فى فلك يسبحون ، ليس بينكم يا أهل الأرض من بيده مقاليد السماوات
والأرض ، ليس بينكم من يدعى أنه يملك ناراً يعذب فيها الطغاة والمجرمين والكفرة
والمردة ، وجنة يكرم فيها الصالحين والأتقياء والمصلحين فى الكون بحسن عملهم وحسن
قولهم وحسن معاملاتهم ، ليس بينكم من يدعى القدرة على إحياء الموتى بعد فنائهم
وبعثهم من قبورهم للحساب فى يوم يخضع له كل البشر منتظرين حكمه العادل .
ليس بينكم يا أهل الأرض من يقول للشىء كن فيكون ، ليس بينكم من يتجرأ ويدعى
أنه يملك البحار والمحيطات وأنه بيده نسف الجبال وسجر البحار وجفاف الأنهار
وانعدام الأمطار ، ليس بينكم من يدعى أنه هو صاحب مصانع الأكسجين التى يتنفس منها
مليارات البشر ومليارات الكائنات الأخرى منذ بدء الخليقة وحتى نهايتها ، ليس بينكم
من يدعى أنه يملك منابع المياه العذبة ومنابع المياه الأجاج ، ليس بينكم من يدعى
أنه الذى صنع الهواء بهذه الحكمة الدقيقة من مكونات عديدة تضمن إستمرار حياة
الإنسان والنبات والحيوان ، ليس بينكم من خالق يدعى أنه ضبط حرارة جسم الإنسان
ليستطيع الحياة فى البرد الشديد والحرارة الشديدة .
ليس بينكم يا أهل الأرض من يدعى أنه يشفى المرضى رغم وجود الطب والأطباء
فهم يعالجون فقط ولكنهم لا يملكون النتائج وينتظرون توفيق خالقهم قبل وبعد كل شىء
، ليس بينكم من يستطيع الإدعاء أنه يعرف كل أنواع الميكروبات فى هذه الحياة ، فكل
يوم يخرج علينا فيروس قاتل جديد ، أو جيل جديد من فيروسات مخلقة من مجموعة سابقة ،
أو بكتريا جديدة تهاجم الرئتين أو المخ أو الجلد وتكون العواقب وخيمة ، هل بينكم
من يدعى أنه وصل لنهاية العلم وانتهى من إكتشاف آخر أنواع الفيروسات والبكتريا
والفطريات وغيرهم ، هل بينكم يا أهل الأرض من يستطيع وضع تفسير حقيقى لأمراض
السرطانات المختلفة واسبابها وطريقة عاجلة ونهائية لعلاجها .
هل بينكم يا أهل الأرض من يزلزل الارض بقوته وقدرته ، هل بينكم من يفجر
البراكين بحممها ومكوناتها المنصهرة من شتى أنواع المعادن والصخور ، هل بينكم من
يدعى أنه هو الذى يرسل الشهاب الثاقب من السماء لقتل مردة الشياطين من الإنس والجن
وتطهير الكون منهم ، هل بينكم من يدعى أنه يرزق هذه المليارات من البشر والحيوان
بالماء والطعام والهواء والكساء ، هل بينكم من يعلم كيف يموت الإنسان وما سبب موته
بغض النظر عن الأسباب الإكلينيكية ، هل بينكم من يفسر كيف يتحول الإنسان الحى إلى
جثة متعفنة خلال وقت قصير وينتهى ويذهب ريحه رغم كل ما قدمه فى الدنيا ، هل يستطيع
أى منكم أن يبرهن لنا اين يذهب هذا المخلوق المذهل العجيب .
ولهذا وكما ترون أيها السادة فإنها أسئلة كثيرة جداً وهى غيض من فيض ، ومع
ذلك فلها إجابة واحدة : إنه الله العظيم الذى فطر السماوات والأرض وما بينهما وما
تحت الثرى .
ولأنكم يا أهل الأرض جميعاً عاجزون عن إدعاء ذلك ، فإن هناك من يقول ذلك
وهو يملك كل ذلك ويهيمن عليه ويقدر عليه ، إنه الله العظيم خالق كل شىء والمتحكم
فى كل شىء ، الله العظيم الذى أؤمن به وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأدعو
كل العقلاء للإيمان به تعالى قبل أن يموتوا وتذهب ريحهم ويضيعوا ضياعاً سرمدياً لا
توبة بعده ، فماذا يخسرون لو أنهم آمنوا بالله ربى وربهم ورب كل شىء ، بل إنهم
سيكسبون أنفسهم ويهزمون شياطينهم ويضمنون أمنهم وعزتهم بدلاً من التخبط والشتات
الذى يعيشون فيه ويحسبون أنهم عقلاء .
أحترمهم منذ
طفولتى ويحترموننى وتربطنى بهم كل معانىالصداقة
القوية وصدق المعاملة وسلامة القلب من اى حقد او ضغينة أو كراهيةأو اى
شائية تمس المحبة القائمة بينى وبينهم منذ كنت طفلا فى الثامنة منعمرى ,
نعم فقد كبرت عرفت أن ألأقباط إخوتى فى
الإنسانية , مختلفونفى الدين نعم ولكن يجمعنا وطن واحد وتربطنا أحلام الوطن
وآلامه وآماله،مختلفون
فى العقائد ولكن تربطنا الإنسانية ووحدة الهدف فى وطن قوى متحضرينافس
كل الأمم المتقدمة ويعلو مثلما علت.
يقدر كل منا ---أنا وأصدقائى الأقباط--- رأى الآخر
و عقيدته ويحترم منهجهوشرعته وتوجهه ولا يحشر أحدنا أنفه فى
سلوكيات الآخر أو تصرفاته ولا يتدخلأحدنا لكى يفتش عن محتويات قلب أخيه الإنسان.
نعمفقد آمن
كل منا أن الله وحده هو من يرى القلوب ويعلم خفاياها ويطلع علىخباياها
ولا يوجد من البشر من يشارك الله تعالى هذه الصفة الإلهية المقدسة، ولذلك فمنذ الطفولة يعرف صديقى بطرس أو جرجس
أو عبد الملك اننى أصلى فىالمسجد وهو يصلى فى الكنيسة وان لنا أعيادا
يهنؤوننا فيها ولهم أعياد نفرحمعهم بها ونهنؤهم عليها ،وإذا مرض صديقى القبطى أو أحد أفراد اسرته أقفجواره
فى محنته وهو معى كذلك بنفس الدرجة وبنفس القوة , أذهب فى عزاء منيتوفى
من أهله وهو يحضر ومعه أقاربه وأصدقاؤه للعزاء فيمن يتوفى من أهلىأو
اقاربى، إذا سافرت وحدث بالصدفة
أن جلس جوارى أخى القبطى أسعد بهواناقشه فى كل أمور الحياة تمامأ مثلما اناقش
أخى المسلم , لا تخطر ببالىعلى الإطلاق فكرة مسلم ومسيحى بل هو أخى
وصديقى ورفيق طريقى إذا حدث لىمكروه سيكون هو أقرب لى من أبى وأمى وأهلى
الذين تركتهم فى البيت ولكنه لنيتخلى عنى لو أصابنى مكروه وأنا كذلك مستعد
أن أدافع عنه بكل قوتى لو تعرضلمكروه يضره أو يمس سلامته أو كرامته.
قرأت مقالاً لكاتب قبطى
هو الدكتور نبيل عبدالملك رئيس الجمعية الكندية المصرية لحقوق الإنسان وأعجبنى
هذا الجزء من مقالته :
((وإذا كنا نتحدثهنا عن
مصر، كمثال، وإننا فعلاً نعني ما نقول، أرى ان تحديث الفكر الدينييستلزم
وجود المبادئ العامة الآتية، وهي تمثل الأرضية الصالحة للتحديثالمأمول
والمؤدي إلى الأهداف التي أشرنا إليها سلفاً :
1. أن لا يكون هناك خلط بين الدين والسياسة، أو المؤسسات
الدينية والدولة. ولنكون أكثر تحديداً، وعلى سبيل المثال، يظل الدين هو
المرجعية الدينيةالأساسية بالنسبة لكل طائفـة فيما يتعلق بالـزواج
والطلاق وكل ما يتعلقبالأسرة طبقاً للتعـاليم الدينـــية الخاصة
بكل طائفة. على أن مبدأ الحريةوطبيعة الدولة المدنية تستلزم سن قانون زواج
مدني إختياري، بجانب قوانينالأحوال الشخصية.
2. الإلتزام الكامل بمبادئ حرية الدين والعقيدة والفكر طبقا
للمفاهيمالإنسانية الواردة بمواثيق الأمم المتحدة، وتطبيق قواعد
وإجراءات عامةواحدة فى حالات تغيير الدين. ويمثل هذا البند نقطة
محورية في عملية تحديثالفكر الديني. فالإحترام المطلق لكرامة الفرد
المرتبطة بحرية ضميره هيالتعبير الصادق عن حالة الحداثة الرافضة لكل
صور الإكراه.
3. فى مجتمع ديموقراطي تعددي لا تتدخل الدولة فى الشئون
الدينية لأية طائفةأو مجموعة دينية؛ بل يحكم العلاقة بين المؤسسات الدينية
والدولة دستورالبلاد وقوانين مدنية تُعامل بموجبها الطوائف الدينية
على قدم المساواة. وعلى ذات المنوال، ينبغي أن تسير المؤسسات الدينية
الروحية، إذ لا ينبغيأن تقوم بأي نشاط سياسي.
4. أن قبول التعددية الفكرية والدينية على المستوى الوطني
هو معيار أساسي،ودليل واضح لقبول التعددية والحوار مع الآخر الأجنبي
والتعايش بين الدول،وهو في ذات الوقت عامل إيجابي لقبول وإندماج الأقليات
الإسلامية في البلادغير الإسلامية.
5. إصلاح نظام التعليم الجامعي (غير الديني) المقصور على
المواطنين المصريينالمسلمين (والتابع لمؤسسة الأزهر) بحيث يتيح لكل
المواطنين المصريين – بصرف النظر عن الدين – فرصة الإلتحاق به.
وإعمالا لمبدأ حرية البحثالأكاديمي، يصبح من حق كل شخص يلتحق بهذه
المعاهد التعليمية لدراسة العلومالمدنية الحديثة أن تتوفر له فرصة دراسة ما
يود من العلوم الإسلاميةوالمسيحية، مثلما يحدث فى كل جامعات العالم.
6. الإهتمام بدراسة مادة الدين المقارن على أسس علمية
موضوعية، مع التركيزعلى نقاط التلاقي بين الأديان الكتابية في المبادئ
العامة والجوانبالأخلاقية التي تؤكد على دور الإنسان فى المجتمع
وتنميته، و رسالته نحوالعالم وسلامه.
7. تدريس مادة حقوق الإنسان فى كل المعاهد الدينية
الإسلامية والمسيحية،وإكتشاف الأسس الأخلاقية والقانونية النابعة
من الأديان والمتفقة مع هذهالمبادئ والقوانين الإنسانية المعاصرة.
بعض هذه المبادئ يمكن أنيحتويه
الدستور، والبعض الآخر يمكن أن تشمله قوانين أو قرارات رسمية،لتُشكل
معاً الإطار الفلسفي للفكر المصري الباعث لنهضة الوطن، والقادر علىالتعامل
مع العالم المتطور دائماً(( إنتهى
الإقتباس
تعجبت وسوف أتعجب كثيرأ
من هؤلاء الذين يثيرونالفتن والضغائن مع شركاء الألم والأمل وشركاء
الأرض والوطن وشركاء التاريخوالأمجاد القديمة والحديثة بما فيها من نصر
أو حتى هزيمة يحكى التاريخ أنالمصرى مصرى وأن الدين دائمأ لله وحده يصرفه
كيف يشاء وان الوطن ملكللجميع شركاء فى كل شبر منه وشركاء فى
التخطيط لمستقبل باهر يحلم به كلمصرى مخلص لهذا الوطن العزيز.
سحقأللمتطرفين
من أى شكل أو لون فلا يوجد عاقل يقبل بالتطرف الذى يفرق ولايجمع
ويهدم ولا يبنى ويحطم كل آمال المخلصين والمصلحين فى وطن كريم صالحمتحضر
ينتعش بالتقدم والإزدهار والحضارة والتكنولوجيا.
نعمإن
التطرف من أى جانب سواء من مسلم أو مسيحى هو صفة ممقوتة مذمومة تعودبنا
للوراء ولا تجعلنا نساير العصر او ننهض من فقرنا او نعلو ونرتفع كمانهضت
الأمم التى تلينا فى الحضارة آلاف المرات.
ومنذطفولتنا
حفظنا قول الله تعالى ( ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذينقالوا
إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانأ وانهم لا يستكبرون)
أتمنىمن كل
قلبى ان يحصل إخوانى الأقباط على كافة حقوقهم الإجتماعية والسياسيةوالتمثيل
السياسى الكافى فى مجلس الشعب والوزارات والمحافظين ورؤساء مجالسالمدن
والوظائف الكبرى دون أى تمييز بسبب الدين على أن يتم التمييز فقطعلى
أساس الكفاءة العلمية والعملية والا يكون الدين هو السبب وراء اىموضوع
من هذا القبيل كما ارجو أن يفتح باب الحريات على مصراعيه أمامالمسلم
والمسيحى للقراءة والتعمق فى كل الأديان وأن يدعو كل إنسان لدينهدون أن
يجرح أو يعتدى على دين الآخر وأن يكون لكل إنسان الحرية الفكريةوالعقائدية
والدينية فى إعتقاد ما يشاء وإعتناق ما يقتنع به من أديان أومعتقدات
دون إرغام من أحد أو قهر أو خوف أو تهديد.
أرجوأن يفهم
الجميع مبدأالدين لله والوطن للجميع وألا يأخذوه بحساسية فهو أيسروأقرب
وسيلة للوصول إلى الأمن والإستقرار النفسى والإجتماعى والدينىفالدين
---أى دين--- ملك لله وحده يحاسب عليه فى الآخرة كيف يشاء اما نحنفى
دنيانا فليس بيننا من بيده محاسبة الآخرين وإقامة الحدود عليهم من قتلأو رجم
أو جلد أو تعذيب أما الوطن فهو ملك لكل مواطن مصرى يعيش عليه ويأكلمن
خيراته ويتمتع بنعم الله فيه لأن الله هو واهب الأوطان والخيراتوالحريات.
ولايتأتى
لنا أن ينظر كل منا للآخر متذكرأ دينه ويتقمص دور الرب سبحانه فىمحاسبة
أخيه الإنسان أو البحث فى قلبه عن خطايا وآثام وأن يقيم على أخيهمحكمة
للتفتيش عن عقائده ودخائله وأفعاله واقواله فذلك أمر لا سبيل إليهولا
يقدر عليه غير الله تعالى.
ألدينلله
والوطن للجميع ليس من إختراعنا لا فقد عاش رسول الله (ص) فى المدينةوكان
معه النصارى واليهود كل متمسك بدينه لا ضرر ولا ضرار وكل منهم يحترمعقيدة
الآخر ودينه ومعروف أن رسول الله لم يبدأ بالعدوان أبدأ ولم يدخلحربأ
إلا لرد عدوان أو إستعادة حق مسلوب ولم يحارب أحدا من أهل الكتاب إلاالقلة
القليلة الذين ساندوا الكفار وأيدوهم ونصروهم ضد الله ورسولهوالمسلمين
ولكن الآمنين المسالمين من اليهود والنصارى الذين لم يساعدواالكفار
والمجرمين ضد الله ورسوله ودينه لم يحاربهم الرسول ولم يتعرض لهمأحد
بسوء وعاشوا معززين مكرمين مع إخوانهم المسلمين تجمعهم روابط المحبةوالصداقة
وحسن الجوار وحسن المعاشرة.
وهكذاجمعت
مدينة رسول الله (ص) بين المسلمين والمسيحيين واليهود فى رباط أخوىيجمعهم
وطن واحد يعيشون عليه ويتمتعون فى خيراته ويناضلون جميعأ لرفعتهوقوته
وكان الدين وسيظل لله تعالى وحده يعلمه فى قلوب الناس ولا يشرك فىحكمه
أحدا ولا يوجد من بين الناس من يتدخل ليعلم ما يخفيه الأخر من عقائدأو
أفكار أو اديان لأن الله العظيم القوى يعلم أن القهر فى الأديان يمكنأن يخلق
النفاق فى القلوب ويؤدى إلى وجود طوائف من البشر تظهر إيمانهاوتخفى
كفرها وحقدها خوفأ من بطش من بيده السلطة والقوة والحكم ولذلك كانالدين
وسيظل ملكأ لله تعالى لأنه معتقدات داخليه فى أعماق القلوب وخفاياالنفوس
وخبابا الضمائر فكيف يتأتى لإنسان مهما كان أن يعلم مدى إيمانالآخر
وبأى شىء يؤمن وبأى شىء يكفر فذلك أمر بعيد المنال إلا على اللهعلام
الغيوب الذى يعلم ما تخفيه القلوب.
نعمأطالب
جميع المتعصبين والمتطرفين ---مسيحيين ومسلمين--- بالتوقف الفورى عنهذا
العبث المخزى الذى لا يعود على البلاد والعباد إلا بالخراب والدماروخسران
الولد والأهل والدار.
أطالبالجميع
بوقفة حاسمة تعيد الحق إلى نصابه وتنصف العدالة وتؤيد السلامالإجتماعى
وتدعم أواصر المحبة بين أبناء الوطن الواحد وتدحض فكرة انألأقباط
أقلية فهم ليسوا أقلية ولا أهل ذمة لأنهم من نسيج المجتمع المصرىالأصيل
بنفس آماله وآلامه وأحلامه وأفراحه وأتراحه , كلنا مصريون وطننا هومصر
وديننا ملك لله يحاسبنا عليه فمن عمل صالحأ فلنفسه ومن أساء فعليهاوما ربك
بظلام للعبيد , اما فى دنيانا الفانية فمن عمل صالحأ يجز بهبالترقيات
والعلاوات والوظائف وجائزة نوبل أحيانأ لافرق بين مصرى ومصرىإلا على
أساس المواطنة وما يقدمه كل مصرى من علم نافع أو عمل عظيم أوإنجاز
يرفع من شأن الوطن والمواطن.
الدعوةللفرقة
دعوة شاذة وقاتلة ومريرة ولن تنفع أحدا بل ستضر بالجميع فكلناأحباب
يضمنا وطننا الحبيب الدافىء مصر وكل منا يذهب إلى فراشه ولا أحديعلم ما
كسبت يداه ولكن الله وحده يعلم لذلك فهو سبحانه الذى سيحاسبالعباد
لأن الدين له وحده سبحانه علام الغيوب.
الدعوةللحب هى
دعوة كل الأنبياء والمرسلين والصالحين من عباد الله تعالى على مرالزمان
وهى دعوة أهل الخير والحب والصفاء والسلام والمساواة والعدالة وهىدعوة
الصادقين على إختلاف مذاهبهم واعراقهم وأجناسهم وأفكارهم وأحلامهم ومعتقداتهم.
هيا نتخذ الحب طريقأ
والعدل أساسأ للحياة واحترام الأديان والمعتقدات رفيق سفر طويل ينتهى عند الله
تعالى الذى يدخل من يشاء فى رحمته.
لا للتفرقة بين أبناء
الوطن الواحد بسبب دين أو عرق أو لون أو جنس أو فكر او رأى او توجه... نعم للمساواة والعدل
المطلق وحقوق الإنسان والكرامةالإنسانية.... لا للتعصب الأعمى والجهل
القبيح وفرض الرأى بالقوة والجبروت.... نعم للدعوة إلى الله –كل
فى دينه---بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتى هى أحسن.... نعم للحريات التى لا تمس
الآخر بسوء..... لا لكبت الحريات والقهر.... نعم لإحترام الإنسان
لأنه إنسان.... ولا للتحقير من شأن
الإنسان لأى سبب من الأسباب...
هل تسخر منى ؟ هل تستخف بأحلامى ؟ هل تستكثر علىّ بعض الأمنيات ؟ ما العيب
فى أحلامى ؟ هل لأنها مستحيلة أو شبه مستحيلة ؟ هل لأنها غريبة على دنيا الناس
الممتلئين طمعاً وجشعاً وحقداً دفيناً ؟ أم لأنها كالوردة الجميلة وسط ركام من
الدماء والآهات والدموع والشقاء ؟ دماء الأبرياء فى كل بقاع الأرض الذين يقتلون
بإسم الدين والإيمان ؟ أم دماء الذين تحصدهم حروب الطمع وملاحم الكراهية والأنانية
البغيضة ؟ ودموع الثكالى فى شتى الأماكن ؟ دموع الأمهات الباكيات فلذات أكبادهن ما
بين ضياع وخطف واغتصاب وتشرد ؟ أم دموع الآباء المحاصرين بين غلاء المعيشة وذل
الحاجة وطلبات الدنيا المجنونة ؟ أم دموع الشباب المتسكع لا يجد عملاً ولا تقديراً
ولا تدبيراً ولا إهتماماً فيتفجر من داخله على شكل قنابل متطرفة تتمسح بعباءة
الدين ؟
هل تسخر من أحلامى وتستخف بها لأنها جرعة ماء رطب فى جوف ملتهب جراء ألم
الغربة ، غربة الوطن وغربة الفكرة وغربة الرأى ؟ أم لأنها يد حانية تمتد تشفى جراح
المقهورين فى كل مكان ؟ أم لأنها صدر رحب طيب يقبل الآخر ويقدره ويقدر حريته ورأيه
وتوجهه ، ولا يصنع من نفسه إلهاً يحاسب الناس فى دنيا عزّ فيها الحب وتبعثرت كرامة
المخلصين ؟ أم لأن أحلامى تريد إعادة بناء جسور الحب والسلام بين بنى الإنسان مهما
اختلفوا فى دينهم ولونهم وجنسهم ووطنهم ؟ أم لأن أحلامى تلملم جراح المساكين الذين
يبيتون فى العراء يفترشون الأرض ويلتحفون السماء ؟ بلا مأوى يحميهم من ذل الإنكسار
وجبروت العوز وبشاعة الإضمحلال ؟ أم لأن أحلامى كبيرة على قلوب الغدارين من شياطين
الإنس؟ أم لأن أحلامى لا يحدها مكان ولا
زمان ؟
نعم سوف أحلم ، حتى آخر لحظة من عمرى ، سأرى نفسى فى بلد يحب الناس بعضهم ،
وتختفى فيه الجريمة ، وتعم الإبتسامة كل الوجوه ، سأحلم ببلد ينتشر فيه العدل
والمساواة والأمن ، سأحلم بمجتمع يؤمن بضعفه الإنسانى ويعرف أن لهذا الكون إلهاً
قديراً يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور ، إله قادر على محاسبة مخلوقاته ونصرة
ضعيفهم ومحاسبة مجرمهم ، فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ، سأحلم بمجتمع يحاسب فيه
الفرد نفسه على تقصيرها ولا يحاسب غيره ، يعنف ذاته لأنه لم يصل إلى أعلى
المستويات العلمية والإقتصادية والفكرية ، ولا يجعل من نفسه قيماً على الآخرين ،
سأحلم بمجتمع تسود فيه الألفة وعدم التفرقة يحكمه قانون عادل لا يفرق بين قوى
وضعيف ولا بين غنى وفقير ، ولا بين ذى منصب وخفير ، مجتمع له دستور شامل يطبق على
الجميع بلا استثناء ، مرن يساير كل العصور ، كامل يغطى كل مستلزمات الحياة فى شتى
فروعها ، فمن وجهة نظرى أن الأمم التى يقال عنها أنها راقية – وهى فعلاً كذلك – لم
ترتق إلا بدستور قيم وقانون يطبق على الجميع بلا استثناءات أو محسوبيات ، ولذلك
إرتقت وعلت وصارت فى مقدمة العالم .
سأحلم بمجتمع لايكون الفرد فيه نائباً عن الله فى الأرض يحاسب هذا ويعنف
ذاك ، ويقيم المحاكم لمن يخالفه ويصدر ضده الأحكام الجزافية وهو ينسى أنه بذلك
يضيع بإشراكه نفسه مع الله العلى القدير ، أحلم بمجتمع يخلو من التطرف بكل أنواعه
سواء كان تطرفاً دينيأ أو سياسياً أو علمياً أو غيره ، سأحلم بمجتمع يبنى الحضارات
ويعمر الأرض ويسير فيها ليقرأ سيرة السابقين فتكون له عبرة وعظة ومنبع علم ومشكاة
نور ، سأحلم بمجتمع يكون العلم والتكنولوجيا وسباق الرقى نحو أفضل حياة هى سمة من
أهم سماته ، سأحلم بمجتمع تأخذ فيه المرأة كافة حقوقها العلمية والسياسية
والإنسانية ، ويخلو من أطفال الشوارع المشردين ، ويخلو من الشباب المعطل ويخلو من
الفاسدين من مروجى المخدرات التى تفتك بعقول الناس ، مجتمع يخلو من أبناء الأكابر
والمحسوبيات ووارثى الوظائف الكبرى من قضاء إلى شرطة إلى اساتذة جامعات إلى رؤساء
جمهوريات .
مجتمع يتحول فيه التعليم إلى مكان لتخريج العلماء والمثقفين والشعراء
والمهذبين ، وليس مكاناً لتفريخ التطرف وتصنيع المتطرفين من خلال مناهج عجيبة تحتاج
لوقفة كبيرة من كل علماء الأمة ومثقفيها من أجل تطهيرها وتنقيحها وتنقيتها ، تعليم
ينبت مفكرين وعلماء ورواد فضاء وذرة وأعظم أنواع تكنولوجيا العلوم المختلفة ،
مدارس وجامعات تركز على قيمة الإنسان وتعلى من شأنه من أجل بناء وطن عظيم يسمو
شامخاً بين الأمم ، جامعات يكون فيها الأولوية للمتفوقين النابغين وليس لأبناء
فلان وعلان المحاسيب ، جامعات تبنى فى قلوب إبنائها الحب والإخاء وإحترام الآخر
المختلف ، جامعات تركز على الإبتكار والإبداع والإختراع ، لا على التلقين والحفظ
الإنصياع ، مدارس وجامعات توضع لها شروط وقوانين ومناهج يكون هدفها الرئيسى بناء
فرد صالح من أجل إقامة مجتمع صالح ترفرف فوق ارضه أعلام الحرية والمساواة والعدل
بكل أنواعهم ، حرية تغمر كل فئاته ومساواة يشعر بها ويعيشها كل إنسان على أرضها ،
وعدل يتحقق على أرض الواقع .
مجتمع يأخذ من كل فئات الشعبضرائب
أو زكاة( سمها ما شئت ) تتلائم مع دخولهم
وممتلكاتهم بغير خوف منهم أو تفريق بينهم ، تؤخذ منهم لإصلاح أحوال البلاد والعباد
، من بناء مستشفيات إلى معاهد ومدارس وجامعات ، إلى طرق ممهدة وخدمات اساسية تيسر
الحياة وتملؤها رفاهية وسعادة , مجتمع يكون فيه التقدير والإحترام للمجتهدين
والمكافحين والساهرين لرفعة الوطن وخدمته وإعلاء شأنه ، مجتمع يقدر المواهب
والعقول النابهة ويحرص على تنميتها وتكبيرها ليعظم شأنها وشأنه ، مجتمع يقضى على
الفوارق الطبقية ويحترم عرق الإنسان ويدفع له أجراً يكفيه ويفيض عليه وعلى أبنائه
ويكفيه شر الحاجة والعوز ، مجمتع يؤمن صحة أفراده فلا يتركهم لهوى تجار المستشفيات
الخاصة ، ولا لجشع بعض الأطباء والصيادلة الذين لا يهمهم سوى الإثراء بأى شكل أو
لون .
هذه هى بعض أحلامى ، فلماذا تسخر منها يا صديقى ؟؟ وأقولها لك صراحة ...
إذا لم تشاركنى أحلامى فأنا ... مضطر أحلم لوحدى .
الإيمان والكفر هما صفتان خفيتان من مكنونات القلب البشرى لا يطلع عليهما
إلا الله تعالى الذى ( يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور) ، ولذلك لم يكن رسول
الله وخاتم أنبيائه - عليهم الصلاة والسلام جميعاً – يعلم أسماء المنافقين الذين
يصلون معه ويصومون معه ولذا فقد قال له العلى القدير( وممن حولكم من الأعراب
منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم) ، وعلى ذلك فإننا
نحن البشر ليس من صفاتنا علم الغيب لأن علم الغيب من عظائم الأمور التى اختص بها
ربنا جلّ وعلا نفسه فهو وحده القادر على علم خفايا القلوب ومكنوناتها يقول علام
الغيوب على لسان النبى :(قل لا اقول
لكم عندي خزائن الله ولا اعلمالغيبولا اقول لكم اني ملك ان اتبع الا ما يوحى الي قل هل يستوي
الاعمى والبصير افلا تتفكرون)، وقد قال تعالىلكل مؤمن ( ولا تقولوا لمن ألقى
إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا ) ، أى أن الإنسان المسالم الذى
لا يضر الآخرين ولا يؤذيهم ويعيش بينهم فى محبة وسلام هو مؤمن ومسلم لا يحق لأحد
تكفيره أو تصغيره أو التقليل من شأنه مهما كانت عقيدته التى يعتنقها أو فكره الذى
ينتهجه .
لو أعلن إنسان كفره بالله تعالى
فليس من حقى أن أعاقبه أو أقتله أو حتى أسجنه ، فحسابه عند الله تعالى فى يوم
الدين ، وليس من حقى كإنسان ضعيف لا أملك لنفسى ولا لغيرى نفعاً ولا ضراً ولا
موتاً ولا حياة ولا نشوراً أن أحاسب الكافر بالله تعالى على كفره ولا أن أكافىء
المؤمن على إيمانه ، فليس لى هذا الحق ولا أملكه ولا يتأتى لى التدخل فى شأنه ،
فلو فعلت ذلك فقد اشركت نفسى مع الله تعالى وضعت ضياعاً أبدياً لا رجعة فيه إلا
بتوبة نصوح عما ارتكبت من جرم وما اقترفت من إثم ، ولا أملك له سوى نصيحة مخلصة
لوجه الله تعالى فإن قبلها فمرحباً وإلا فهو حر وحسابه على الله .
2-
يهمنى من أخى الإنسان ( عموماً) أن أأمن جانبه ، فلا يهدد حياتى ولا يهدد
أموالى وممتلكاتى ولا يهدد أبنائى وأحبابى ، ولا يقض مضجعى ، ولا يحرمنى من حريتى أو حتى
ذرة من حريتى ، وأن يعاملنى بكرامة ويبادلنى إحتراماً بإحترام وتقديراً بتقدير ،
وعندئذ فهو – أى هذا الإنسان – هو النموذج الأمثل والمثال الأعظم للإنسان ، مهما
كان دينه الذى يدين به ، أو عرقه الذى ينتمى إليه ، أو لون بشرته أو لغته التى
يتكلم بها .
لو فقدت فيه الإحساس بالأمن والطمأنينة ، وظل يرمقنى بنظرة تكفير وتحقير
وتمييز ، وراح يصفنى بما لذ له وطاب من كلمات وألفاظ ، كل ذلك لأننى لم أخضع لرأيه
ولم أنتم لوجهة نظره وكان لى رأى مخالف له وفكر مضاد لفكره ، فظن – بظلم منه – أنه
على الحق وأننى على الباطل ، وسولت له نفسه الأمارة بالسوء أن يتقمص دوراً يملكه
الله وحده وهو دور العلم بغيب القلوب والحكم عليها ، فضيع نفسه فى متاهات الشرك
دون أن يدرى وهو يظن نفسه جندياًمدافعاً عن الله ورسوله ودينه ، مثل هذا
الإنسان مهما كان معى على نفس الدين ونفس العرق ونفس اللون فلا يروق لى ولا أحبه
ولا أحب أن يجمعنى به مكان واحد أو حتى زمان واحد ، لأننى فى معيته أفقد الإحساس
بالأمن وتهرب الطمأنينة من قلبى .
3-
فالدين فى حقيقته هو مجموعة متكاملة من المعاملات الإنسانية التى لا يجوز
الإنتقاص منها ،لأن ضياع جزء منها معناه ضياع كل شىء ، مثل الصدق فى القول والإخلاص فى العمل والتفانى
فى الحب ، والوفاء بالعهد والوعد ، والتحلى بمكارم الأخلاق من مروءةوعطاء وكرم ونصرة للضعيف ، ووقوف مع المظلوم
والمضطهد وإيوائه وإطعامه ، ونشر مبادىء العدل والإحسان والكرم ووصل القريب والجار
والصديق والزميل ، وبعد عن كل أنواع الفواحش ما ظهر منها وما بطن وهجر للمنكر
والبغى ، وغير ذلك من صفات ومعاملات هى فى حد ذاتها جوهر الدين وصورته المشرقة
ووجهه الجميل الطيب .
ورغم أهمية العبادات ( مثل الصلاة والحج والصوم والزكاة ) ولكنها بدون
التحلى بما سبق من أخلاقيات سامية وتعاملات راقية بين البشر فإنها تفقد معناها
ورونقها وتتحول لمجموعة من الحركات والسكنات التى لا يرجى من ورائها خير ، ولذلك أكد ربنا
جلّ وعلا دائماً أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وأن الله ( يأمر بالعدل
والإحسان وإيتاء ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى ) ، وفرض الله الصيام ( لعلكم تتقون ) ، وفرض الزكاة
والصدقات ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) ... وفرض الإكثار من ذكره
تعالى ( أذكروا الله ذكراً كثيراً) لا لكى نتباهى بالمسبحة والمادة التى صنعت منها
بل لأن ( الذين آمنوا و تطمئن قلوبهم بذكر الله ، ألا بذكر الله تطمئن القلوب) ولأن ذكرك لربك يجعلك فى معية دائمة معه سبحانه
( فاذكرونى أذكركم ) فلا يمكن فى هذه المعية أن تظلم أحداً أو تسرق أو تقبل رشوة
أو ترتكب جرماً ، فأنت تشعر دوماً أن ربك سبحانه وتعالى معك ويراقبك ويحب أن يراك
طيباً وجميلاً ومتسامحاً تفعل الخيرات وتتسابق عليها وتهجر الشرور وتهجر الأشرار
فتلك هى عظمة ذكر الله تعالى وعظمة الشعور الدائم بمعيته .
فمن كان يصلى خمس مرات يومياً ، ويصوم رمضان ويحج بيت الله الحرام ويذبح
الذبائح لوجه الله تعالى ويؤتيها للفقير والمسكين والمحتاج وفى نفس الوقت يتعامل
بالربا أضعافاً مضاعفة ، أو يقبل الرشوة من الآخرين لإنجاز أعمالهم ، أو يتاجر بما
يضر صحة الناس كالحشيش والبانجو وغيرهما ، أو يعمل فى التهريب فيسبب أزمات مالية
لبلده ويتسبب فى زيادة الفقروالشقاء والمرض لأهل وطنه ، أو يهمل فى عمله المنوط به ، أو يتكبر على
الناس ويتعالى عليهم فينفرون منه ويكرهون لقاءه ... كل تلك الأمثلة وغيرها من
الجرائم لا أعتقد أن لأصحابهم نصيب مما عملوا من خير ، فلا صلاتهم علمتهم التقوى
ومراقبة الله تعالى فيما يعملون ،ولا صومهم طهرهم ولا صدقاتهم زكتهم ، فياحسرة على
من اضاع العمر فى عبادات كثيرة لم تكن سبباً فى تنوير طريقه وتبصرته بالحق والعدل
والسلام ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءاً منثوراً) .
4-
إن الإيمان بحق الآخرين فى الحرية الدينية والفكرية هو من صميم الإيمان بالله تعالى ، فقد أكد
المولى جلّ وعلا حرية الكفر وحرية الإيمان به سبحانه لأن حساب المؤمن وحساب الكافر
على الله يوم القيامة وليس فى هذه الدنيا( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) ، لأننا لو أطلقنا العنان لأنفسنا فى تكفير
بعضنا البعض فإننا نسقط بكل أسف فى مستنقع الشرك لأن الله وحده له علم الغيب وله
حق الحكم على مكنونات القلوب ومحتويات العقول من دين وفكر ورأى ، أما نحن البشر
فلا نملك علم الغيب ، فقد يكون الكافر من وجهة نظرنا مؤمنأ حقيقياً ، وقد يتوب
الكافر الحقيقى قبل نهاية عمره ويرجع لربه ويعبده بلا شريك ويتوب إليه ، فالله
وحده يعلم إذا كان شخص ما سيتوب قبل موته ويتبع سبيل ربه أم لا ( إلا من تاب وآمن
وعمل صالحاً ) ، والله يحب عبده التائب ويكرمه ( أولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات )
فهل هناك أعظم أو أكرم من ذلك ؟؟؟؟...أما نحن فليس لنا أى نصيب من علم الغيب ( إنما
الغيب لله) ، ولذلك فلحكم لله وحده على ما تحتويه القلوب من إيمان أو كفر ، ونحن –
كبشر ضعفاء – لا يحق لنا إصدار الأحكام العشوائية فى حق الآخرين ( إن الحكم إلا
لله ) .
5-
عندما دعا خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام ربه قائلاً (واذ قال
ابراهيم رب اجعل هذا بلدا امنا وارزق اهله من الثمرات من امن منهم بالله واليوم
الاخر قال ومن كفر فامتعهقليلا ثم اضطره الى عذاب النار وبئس المصير) فقد أرادربط الرزق بالإيمان بالله تعالى ، ولكن الله
تعالى العليم الرحيم لم يستجب لدعوته بهذا الشكل وقام بإضافة تغيير على متنها فقال
تعالى ( قال ومن كفر فأمتعه قليلاً ) أى أن الله تعالى وعد نبيه إبراهيم أنه
سبحانه سوف يرزق الكافر به كما يرزق المؤمن ، وأنه تعالى قد خلق عذاباً مهيناً
للكافرين ونعيماً مقيماً للمتقين ، وكذلك فى دعوة أخرى للخليل إبراهيم حين قال له
ربه ( إنى جاعلك للناس إماماً ) فطمع الخليل فى كرم ربه فقال ( ومن ذريتى ) فقال
له الله العليم القدير( لا ينال عهدى الظالمين ) ، وهنا يؤكد المولى تعالى أن
النسب الدموى لا يكون سبباً فى النجاة عند الله تعالى بدليل أنه سبحانه أكد أن من
ذرية إبراهيم – وهو من هو – سيكون منهم ظالمون وسيكون منهم صالحون متقون ،
فالمتقون سيكونون أئمة للناس الطيبين فى كل مكان وزمان أما الظالمون فلا حظ لهم فى
تلك الإمامة وسيكونون أئمة فى إتجاه آخر وهو الظلم والعياذ بالله العظيم .
6-
ليس هناك وساطات عند الله تعالى ، "يعنى مفيش علشان خاطرى"، ولنا فى نبى الله نوح وقصته مع إبنه الكافر
خير مثال وأبلغ دليل على ذلك ، فقد ظن نوح عليه السلام – الذى عبد ربه ودعا لدين
الله قرابة ألف عام – أن مجرد كون إبنه من أهله ينقذه الله ويجعله يركب سفينة
النجاة مع المتقين فقال ( رب إن ابنى من أهلى وإن وعدك الحق ) ، فجاءه رد السميع
العليم ( قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح ) ،ثم جاءه هذا التحذير ( فلا تسألنى ما ليس لك به علم إنى
أعظك أن تكون من الجاهلين ) ثم تأتى توبة نوح عليه السلام ( قال رب إنى أعوذ بك أن
اسألك ما ليس لى به علم وإلا تغفر لى وترحمنى أكن من الخاسرين ) ... وهكذا فمسألة
الإيمان بالله العلى القدير لا تأتى بالعنف ولا تأتى بالقوة ولا تأتى بسبب النسب
أو المصاهرة ، ولكنها إجتهاد عظيم وتفكر طويل وإعمال للعقل فى ملكوت الرحمن حتى
يقتنع الإنسان بمسألة الإيمان فيؤمن بربه ويخبت له ويخشع قلبه ويدرب عقله على
الصلاح والإيمان والإسلام حتى يصبح من المتقين ويكتب فى عداد الصالحين والطيبين ،
فلا القرابة تجلب الإيمان بالله تعالى ولا المصاهرة ولا المال والغنى والثراء
يشترى التقوى ولا كل كنوز الدنيا تجلب اليقين والصدق ، بل هى أمور لا تورث ولكن
تكتسب من التفكير فى ملك الله تعالى والسير والتدبر فى آياته الكونية المرأية ( قل
سيروا فى الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ) والآيات
المكتوبة فى كتبه السماوية التى ختمها الله تعالى بالقرآن العظيم مهيمناً على ما
سبقه من كتب .