لأنه لا يوجد بينكم جميعاً يا أهل الأرض وساكنيها وعلماءها وفلاسفتها من
يدعى أنه خلقنى وجاء بى إلى هذه الأرض ، ولأنه لا يوجد بينكم من يدعى أنه هو الذى
خلق السماء التى نراها بعيوننا والأرض التى نمشى عليها بأقدامنا بما فيها من يابسة
وبحار مالحة وأنهار عذبة ، وبما فيها من حدائق ذات بهجة وزروع وثمار وجبال وهضاب
وسهول ووديان ، بما فيها من صخور شتى ذات ألوان مختلفة ، وورود وأزهار وكائنات
مختلفة فى الأحجام والأشكال والألوان ، كائنات ذات فصائل وعائلات وأسر ومجتمعات ،
تم تقسيمها ودراسة طرق معيشتها وما فيها من آيات مبهرات ، وعبر وعظات تقف عندها
العقول مندهشة والعيون منبهرة والقلوب مرتجفة .
لأنه ليس بينكم يا أهل العلم والفلسفةمن يدعى أنه يميت الناس أو من يدعى علمه بسر الموت ، وإلى اين يذهب الناس
بعد موتهم ؟ ليس بينكم من يملك الحجة الدامغة والرأى المقنع بعدم وجود القوة
العظمى المهيمنة على هذا الكون وهى الإله العظيم خالق كل شىء والمهيمن على كل ذرة
من هذا الوجود ، ليس بينكم من لديه حتى القناعة الذاتية داخل نفسه بعدم وجود هذا
الإله الأعظم ، بل إنكم تتحدثون بلا علم أكيد وبلا منطق مفيد ، حجتكم واهية
وبراهينكم مردودة عليكم .
ليس بينكم يا أهل الأرض من يملك القدرة على إيقاف سريان دمائى فى عروقى ،
ولا يملك القدرة على تغيير نبضات قلبى أو عددها أو نمط حركاتها ، ليس بينكم من
يملك القدرة على منع اسنانى من مضغ الطعام ومنع معدتى من هضمه ومنع أمعائى من
إمتصاصه ، ليس بينكم من يأمر كبدى وبنكرياسى بإفراز كمية مناسبة لكل وجبة طعام
اتناولها لتساعد على هضمها وسهولة إمتصاصها ، ليس بينكم من يوقف قوة كليتاى
ويأمرهما بعدم فرز دمائى وفلترتها وطرد البولينا والكرياتينين والسموم المختلفة من
جسمى ، ليس بينكم من يمنع جهازى الهضمى السفلى من طرد بقايا الطعام .
ليس بينكم يا أهل الأرض من يتجرأ ويدعى أنه رزقنى بزوجة أسكن إليها ورزقنى
بإنجاب الولد والبنت ، ليس بينكم من يدعى أنه يتحكم فى قدرة الحيوانات المنوية
التى يفرزها جهازى التناسلى فتفلح أحياناً وتخفق أحياناً أخرى ، ليس بينكم من يدعى
أنه يرزق الناس بالبنت أو الولد أو بهما معاً أو يحرم البعض من الإنجاب ، ليس
بينكم من يدعى أنه يخلق الأجنة فى بطون أمهاتهم خلقاً من بعد خلق فى ظلمات ثلاث ،
ليس بينكم من يدعى أنه يعلم مصائر من فى الأرحام ومستقبلها القادم ، ليس بينكم من
يرسل الرياح فتثير سحاباً ثم يجعل السحاب تسقط أمطاراً فى بلد دون آخر ، كما أنه
ليس بينكم من يدعى أن الرعد يسبح بحمده والملائكة من خيفته.
ليس بينكم يا أهل الأرض من يدعى أنه خالق كل شىء ، ليس بينكم من يدعى أنه علّم
النحل أن تتخذ من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون ، ليس بينكم من يدعى أنه
يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى ويحيى الأرض الجدباء بأن يخلق فيها النبات
فيأكل منه الإنسان والطير والحيوان ، ليس بينكم من يدعى أنه يأتى بالشمس من المشرق
ويجعلها تغرب فى المغرب ، ليس بينكم من يدعى أنه هو الذى اضاء القمر بنور ينعكس
عليه من الشمس ، ليس بينكم من يدعى أن الشمس لا تدرك القمر وأن الليل ليس بسابق
للنهار وكل فى فلك يسبحون ، ليس بينكم يا أهل الأرض من بيده مقاليد السماوات
والأرض ، ليس بينكم من يدعى أنه يملك ناراً يعذب فيها الطغاة والمجرمين والكفرة
والمردة ، وجنة يكرم فيها الصالحين والأتقياء والمصلحين فى الكون بحسن عملهم وحسن
قولهم وحسن معاملاتهم ، ليس بينكم من يدعى القدرة على إحياء الموتى بعد فنائهم
وبعثهم من قبورهم للحساب فى يوم يخضع له كل البشر منتظرين حكمه العادل .
ليس بينكم يا أهل الأرض من يقول للشىء كن فيكون ، ليس بينكم من يتجرأ ويدعى
أنه يملك البحار والمحيطات وأنه بيده نسف الجبال وسجر البحار وجفاف الأنهار
وانعدام الأمطار ، ليس بينكم من يدعى أنه هو صاحب مصانع الأكسجين التى يتنفس منها
مليارات البشر ومليارات الكائنات الأخرى منذ بدء الخليقة وحتى نهايتها ، ليس بينكم
من يدعى أنه يملك منابع المياه العذبة ومنابع المياه الأجاج ، ليس بينكم من يدعى
أنه الذى صنع الهواء بهذه الحكمة الدقيقة من مكونات عديدة تضمن إستمرار حياة
الإنسان والنبات والحيوان ، ليس بينكم من خالق يدعى أنه ضبط حرارة جسم الإنسان
ليستطيع الحياة فى البرد الشديد والحرارة الشديدة .
ليس بينكم يا أهل الأرض من يدعى أنه يشفى المرضى رغم وجود الطب والأطباء
فهم يعالجون فقط ولكنهم لا يملكون النتائج وينتظرون توفيق خالقهم قبل وبعد كل شىء
، ليس بينكم من يستطيع الإدعاء أنه يعرف كل أنواع الميكروبات فى هذه الحياة ، فكل
يوم يخرج علينا فيروس قاتل جديد ، أو جيل جديد من فيروسات مخلقة من مجموعة سابقة ،
أو بكتريا جديدة تهاجم الرئتين أو المخ أو الجلد وتكون العواقب وخيمة ، هل بينكم
من يدعى أنه وصل لنهاية العلم وانتهى من إكتشاف آخر أنواع الفيروسات والبكتريا
والفطريات وغيرهم ، هل بينكم يا أهل الأرض من يستطيع وضع تفسير حقيقى لأمراض
السرطانات المختلفة واسبابها وطريقة عاجلة ونهائية لعلاجها .
هل بينكم يا أهل الأرض من يزلزل الارض بقوته وقدرته ، هل بينكم من يفجر
البراكين بحممها ومكوناتها المنصهرة من شتى أنواع المعادن والصخور ، هل بينكم من
يدعى أنه هو الذى يرسل الشهاب الثاقب من السماء لقتل مردة الشياطين من الإنس والجن
وتطهير الكون منهم ، هل بينكم من يدعى أنه يرزق هذه المليارات من البشر والحيوان
بالماء والطعام والهواء والكساء ، هل بينكم من يعلم كيف يموت الإنسان وما سبب موته
بغض النظر عن الأسباب الإكلينيكية ، هل بينكم من يفسر كيف يتحول الإنسان الحى إلى
جثة متعفنة خلال وقت قصير وينتهى ويذهب ريحه رغم كل ما قدمه فى الدنيا ، هل يستطيع
أى منكم أن يبرهن لنا اين يذهب هذا المخلوق المذهل العجيب .
ولهذا وكما ترون أيها السادة فإنها أسئلة كثيرة جداً وهى غيض من فيض ، ومع
ذلك فلها إجابة واحدة : إنه الله العظيم الذى فطر السماوات والأرض وما بينهما وما
تحت الثرى .
ولأنكم يا أهل الأرض جميعاً عاجزون عن إدعاء ذلك ، فإن هناك من يقول ذلك
وهو يملك كل ذلك ويهيمن عليه ويقدر عليه ، إنه الله العظيم خالق كل شىء والمتحكم
فى كل شىء ، الله العظيم الذى أؤمن به وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأدعو
كل العقلاء للإيمان به تعالى قبل أن يموتوا وتذهب ريحهم ويضيعوا ضياعاً سرمدياً لا
توبة بعده ، فماذا يخسرون لو أنهم آمنوا بالله ربى وربهم ورب كل شىء ، بل إنهم
سيكسبون أنفسهم ويهزمون شياطينهم ويضمنون أمنهم وعزتهم بدلاً من التخبط والشتات
الذى يعيشون فيه ويحسبون أنهم عقلاء .
أحترمهم منذ
طفولتى ويحترموننى وتربطنى بهم كل معانىالصداقة
القوية وصدق المعاملة وسلامة القلب من اى حقد او ضغينة أو كراهيةأو اى
شائية تمس المحبة القائمة بينى وبينهم منذ كنت طفلا فى الثامنة منعمرى ,
نعم فقد كبرت عرفت أن ألأقباط إخوتى فى
الإنسانية , مختلفونفى الدين نعم ولكن يجمعنا وطن واحد وتربطنا أحلام الوطن
وآلامه وآماله،مختلفون
فى العقائد ولكن تربطنا الإنسانية ووحدة الهدف فى وطن قوى متحضرينافس
كل الأمم المتقدمة ويعلو مثلما علت.
يقدر كل منا ---أنا وأصدقائى الأقباط--- رأى الآخر
و عقيدته ويحترم منهجهوشرعته وتوجهه ولا يحشر أحدنا أنفه فى
سلوكيات الآخر أو تصرفاته ولا يتدخلأحدنا لكى يفتش عن محتويات قلب أخيه الإنسان.
نعمفقد آمن
كل منا أن الله وحده هو من يرى القلوب ويعلم خفاياها ويطلع علىخباياها
ولا يوجد من البشر من يشارك الله تعالى هذه الصفة الإلهية المقدسة، ولذلك فمنذ الطفولة يعرف صديقى بطرس أو جرجس
أو عبد الملك اننى أصلى فىالمسجد وهو يصلى فى الكنيسة وان لنا أعيادا
يهنؤوننا فيها ولهم أعياد نفرحمعهم بها ونهنؤهم عليها ،وإذا مرض صديقى القبطى أو أحد أفراد اسرته أقفجواره
فى محنته وهو معى كذلك بنفس الدرجة وبنفس القوة , أذهب فى عزاء منيتوفى
من أهله وهو يحضر ومعه أقاربه وأصدقاؤه للعزاء فيمن يتوفى من أهلىأو
اقاربى، إذا سافرت وحدث بالصدفة
أن جلس جوارى أخى القبطى أسعد بهواناقشه فى كل أمور الحياة تمامأ مثلما اناقش
أخى المسلم , لا تخطر ببالىعلى الإطلاق فكرة مسلم ومسيحى بل هو أخى
وصديقى ورفيق طريقى إذا حدث لىمكروه سيكون هو أقرب لى من أبى وأمى وأهلى
الذين تركتهم فى البيت ولكنه لنيتخلى عنى لو أصابنى مكروه وأنا كذلك مستعد
أن أدافع عنه بكل قوتى لو تعرضلمكروه يضره أو يمس سلامته أو كرامته.
قرأت مقالاً لكاتب قبطى
هو الدكتور نبيل عبدالملك رئيس الجمعية الكندية المصرية لحقوق الإنسان وأعجبنى
هذا الجزء من مقالته :
((وإذا كنا نتحدثهنا عن
مصر، كمثال، وإننا فعلاً نعني ما نقول، أرى ان تحديث الفكر الدينييستلزم
وجود المبادئ العامة الآتية، وهي تمثل الأرضية الصالحة للتحديثالمأمول
والمؤدي إلى الأهداف التي أشرنا إليها سلفاً :
1. أن لا يكون هناك خلط بين الدين والسياسة، أو المؤسسات
الدينية والدولة. ولنكون أكثر تحديداً، وعلى سبيل المثال، يظل الدين هو
المرجعية الدينيةالأساسية بالنسبة لكل طائفـة فيما يتعلق بالـزواج
والطلاق وكل ما يتعلقبالأسرة طبقاً للتعـاليم الدينـــية الخاصة
بكل طائفة. على أن مبدأ الحريةوطبيعة الدولة المدنية تستلزم سن قانون زواج
مدني إختياري، بجانب قوانينالأحوال الشخصية.
2. الإلتزام الكامل بمبادئ حرية الدين والعقيدة والفكر طبقا
للمفاهيمالإنسانية الواردة بمواثيق الأمم المتحدة، وتطبيق قواعد
وإجراءات عامةواحدة فى حالات تغيير الدين. ويمثل هذا البند نقطة
محورية في عملية تحديثالفكر الديني. فالإحترام المطلق لكرامة الفرد
المرتبطة بحرية ضميره هيالتعبير الصادق عن حالة الحداثة الرافضة لكل
صور الإكراه.
3. فى مجتمع ديموقراطي تعددي لا تتدخل الدولة فى الشئون
الدينية لأية طائفةأو مجموعة دينية؛ بل يحكم العلاقة بين المؤسسات الدينية
والدولة دستورالبلاد وقوانين مدنية تُعامل بموجبها الطوائف الدينية
على قدم المساواة. وعلى ذات المنوال، ينبغي أن تسير المؤسسات الدينية
الروحية، إذ لا ينبغيأن تقوم بأي نشاط سياسي.
4. أن قبول التعددية الفكرية والدينية على المستوى الوطني
هو معيار أساسي،ودليل واضح لقبول التعددية والحوار مع الآخر الأجنبي
والتعايش بين الدول،وهو في ذات الوقت عامل إيجابي لقبول وإندماج الأقليات
الإسلامية في البلادغير الإسلامية.
5. إصلاح نظام التعليم الجامعي (غير الديني) المقصور على
المواطنين المصريينالمسلمين (والتابع لمؤسسة الأزهر) بحيث يتيح لكل
المواطنين المصريين – بصرف النظر عن الدين – فرصة الإلتحاق به.
وإعمالا لمبدأ حرية البحثالأكاديمي، يصبح من حق كل شخص يلتحق بهذه
المعاهد التعليمية لدراسة العلومالمدنية الحديثة أن تتوفر له فرصة دراسة ما
يود من العلوم الإسلاميةوالمسيحية، مثلما يحدث فى كل جامعات العالم.
6. الإهتمام بدراسة مادة الدين المقارن على أسس علمية
موضوعية، مع التركيزعلى نقاط التلاقي بين الأديان الكتابية في المبادئ
العامة والجوانبالأخلاقية التي تؤكد على دور الإنسان فى المجتمع
وتنميته، و رسالته نحوالعالم وسلامه.
7. تدريس مادة حقوق الإنسان فى كل المعاهد الدينية
الإسلامية والمسيحية،وإكتشاف الأسس الأخلاقية والقانونية النابعة
من الأديان والمتفقة مع هذهالمبادئ والقوانين الإنسانية المعاصرة.
بعض هذه المبادئ يمكن أنيحتويه
الدستور، والبعض الآخر يمكن أن تشمله قوانين أو قرارات رسمية،لتُشكل
معاً الإطار الفلسفي للفكر المصري الباعث لنهضة الوطن، والقادر علىالتعامل
مع العالم المتطور دائماً(( إنتهى
الإقتباس
تعجبت وسوف أتعجب كثيرأ
من هؤلاء الذين يثيرونالفتن والضغائن مع شركاء الألم والأمل وشركاء
الأرض والوطن وشركاء التاريخوالأمجاد القديمة والحديثة بما فيها من نصر
أو حتى هزيمة يحكى التاريخ أنالمصرى مصرى وأن الدين دائمأ لله وحده يصرفه
كيف يشاء وان الوطن ملكللجميع شركاء فى كل شبر منه وشركاء فى
التخطيط لمستقبل باهر يحلم به كلمصرى مخلص لهذا الوطن العزيز.
سحقأللمتطرفين
من أى شكل أو لون فلا يوجد عاقل يقبل بالتطرف الذى يفرق ولايجمع
ويهدم ولا يبنى ويحطم كل آمال المخلصين والمصلحين فى وطن كريم صالحمتحضر
ينتعش بالتقدم والإزدهار والحضارة والتكنولوجيا.
نعمإن
التطرف من أى جانب سواء من مسلم أو مسيحى هو صفة ممقوتة مذمومة تعودبنا
للوراء ولا تجعلنا نساير العصر او ننهض من فقرنا او نعلو ونرتفع كمانهضت
الأمم التى تلينا فى الحضارة آلاف المرات.
ومنذطفولتنا
حفظنا قول الله تعالى ( ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذينقالوا
إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانأ وانهم لا يستكبرون)
أتمنىمن كل
قلبى ان يحصل إخوانى الأقباط على كافة حقوقهم الإجتماعية والسياسيةوالتمثيل
السياسى الكافى فى مجلس الشعب والوزارات والمحافظين ورؤساء مجالسالمدن
والوظائف الكبرى دون أى تمييز بسبب الدين على أن يتم التمييز فقطعلى
أساس الكفاءة العلمية والعملية والا يكون الدين هو السبب وراء اىموضوع
من هذا القبيل كما ارجو أن يفتح باب الحريات على مصراعيه أمامالمسلم
والمسيحى للقراءة والتعمق فى كل الأديان وأن يدعو كل إنسان لدينهدون أن
يجرح أو يعتدى على دين الآخر وأن يكون لكل إنسان الحرية الفكريةوالعقائدية
والدينية فى إعتقاد ما يشاء وإعتناق ما يقتنع به من أديان أومعتقدات
دون إرغام من أحد أو قهر أو خوف أو تهديد.
أرجوأن يفهم
الجميع مبدأالدين لله والوطن للجميع وألا يأخذوه بحساسية فهو أيسروأقرب
وسيلة للوصول إلى الأمن والإستقرار النفسى والإجتماعى والدينىفالدين
---أى دين--- ملك لله وحده يحاسب عليه فى الآخرة كيف يشاء اما نحنفى
دنيانا فليس بيننا من بيده محاسبة الآخرين وإقامة الحدود عليهم من قتلأو رجم
أو جلد أو تعذيب أما الوطن فهو ملك لكل مواطن مصرى يعيش عليه ويأكلمن
خيراته ويتمتع بنعم الله فيه لأن الله هو واهب الأوطان والخيراتوالحريات.
ولايتأتى
لنا أن ينظر كل منا للآخر متذكرأ دينه ويتقمص دور الرب سبحانه فىمحاسبة
أخيه الإنسان أو البحث فى قلبه عن خطايا وآثام وأن يقيم على أخيهمحكمة
للتفتيش عن عقائده ودخائله وأفعاله واقواله فذلك أمر لا سبيل إليهولا
يقدر عليه غير الله تعالى.
ألدينلله
والوطن للجميع ليس من إختراعنا لا فقد عاش رسول الله (ص) فى المدينةوكان
معه النصارى واليهود كل متمسك بدينه لا ضرر ولا ضرار وكل منهم يحترمعقيدة
الآخر ودينه ومعروف أن رسول الله لم يبدأ بالعدوان أبدأ ولم يدخلحربأ
إلا لرد عدوان أو إستعادة حق مسلوب ولم يحارب أحدا من أهل الكتاب إلاالقلة
القليلة الذين ساندوا الكفار وأيدوهم ونصروهم ضد الله ورسولهوالمسلمين
ولكن الآمنين المسالمين من اليهود والنصارى الذين لم يساعدواالكفار
والمجرمين ضد الله ورسوله ودينه لم يحاربهم الرسول ولم يتعرض لهمأحد
بسوء وعاشوا معززين مكرمين مع إخوانهم المسلمين تجمعهم روابط المحبةوالصداقة
وحسن الجوار وحسن المعاشرة.
وهكذاجمعت
مدينة رسول الله (ص) بين المسلمين والمسيحيين واليهود فى رباط أخوىيجمعهم
وطن واحد يعيشون عليه ويتمتعون فى خيراته ويناضلون جميعأ لرفعتهوقوته
وكان الدين وسيظل لله تعالى وحده يعلمه فى قلوب الناس ولا يشرك فىحكمه
أحدا ولا يوجد من بين الناس من يتدخل ليعلم ما يخفيه الأخر من عقائدأو
أفكار أو اديان لأن الله العظيم القوى يعلم أن القهر فى الأديان يمكنأن يخلق
النفاق فى القلوب ويؤدى إلى وجود طوائف من البشر تظهر إيمانهاوتخفى
كفرها وحقدها خوفأ من بطش من بيده السلطة والقوة والحكم ولذلك كانالدين
وسيظل ملكأ لله تعالى لأنه معتقدات داخليه فى أعماق القلوب وخفاياالنفوس
وخبابا الضمائر فكيف يتأتى لإنسان مهما كان أن يعلم مدى إيمانالآخر
وبأى شىء يؤمن وبأى شىء يكفر فذلك أمر بعيد المنال إلا على اللهعلام
الغيوب الذى يعلم ما تخفيه القلوب.
نعمأطالب
جميع المتعصبين والمتطرفين ---مسيحيين ومسلمين--- بالتوقف الفورى عنهذا
العبث المخزى الذى لا يعود على البلاد والعباد إلا بالخراب والدماروخسران
الولد والأهل والدار.
أطالبالجميع
بوقفة حاسمة تعيد الحق إلى نصابه وتنصف العدالة وتؤيد السلامالإجتماعى
وتدعم أواصر المحبة بين أبناء الوطن الواحد وتدحض فكرة انألأقباط
أقلية فهم ليسوا أقلية ولا أهل ذمة لأنهم من نسيج المجتمع المصرىالأصيل
بنفس آماله وآلامه وأحلامه وأفراحه وأتراحه , كلنا مصريون وطننا هومصر
وديننا ملك لله يحاسبنا عليه فمن عمل صالحأ فلنفسه ومن أساء فعليهاوما ربك
بظلام للعبيد , اما فى دنيانا الفانية فمن عمل صالحأ يجز بهبالترقيات
والعلاوات والوظائف وجائزة نوبل أحيانأ لافرق بين مصرى ومصرىإلا على
أساس المواطنة وما يقدمه كل مصرى من علم نافع أو عمل عظيم أوإنجاز
يرفع من شأن الوطن والمواطن.
الدعوةللفرقة
دعوة شاذة وقاتلة ومريرة ولن تنفع أحدا بل ستضر بالجميع فكلناأحباب
يضمنا وطننا الحبيب الدافىء مصر وكل منا يذهب إلى فراشه ولا أحديعلم ما
كسبت يداه ولكن الله وحده يعلم لذلك فهو سبحانه الذى سيحاسبالعباد
لأن الدين له وحده سبحانه علام الغيوب.
الدعوةللحب هى
دعوة كل الأنبياء والمرسلين والصالحين من عباد الله تعالى على مرالزمان
وهى دعوة أهل الخير والحب والصفاء والسلام والمساواة والعدالة وهىدعوة
الصادقين على إختلاف مذاهبهم واعراقهم وأجناسهم وأفكارهم وأحلامهم ومعتقداتهم.
هيا نتخذ الحب طريقأ
والعدل أساسأ للحياة واحترام الأديان والمعتقدات رفيق سفر طويل ينتهى عند الله
تعالى الذى يدخل من يشاء فى رحمته.
لا للتفرقة بين أبناء
الوطن الواحد بسبب دين أو عرق أو لون أو جنس أو فكر او رأى او توجه... نعم للمساواة والعدل
المطلق وحقوق الإنسان والكرامةالإنسانية.... لا للتعصب الأعمى والجهل
القبيح وفرض الرأى بالقوة والجبروت.... نعم للدعوة إلى الله –كل
فى دينه---بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتى هى أحسن.... نعم للحريات التى لا تمس
الآخر بسوء..... لا لكبت الحريات والقهر.... نعم لإحترام الإنسان
لأنه إنسان.... ولا للتحقير من شأن
الإنسان لأى سبب من الأسباب...
هل تسخر منى ؟ هل تستخف بأحلامى ؟ هل تستكثر علىّ بعض الأمنيات ؟ ما العيب
فى أحلامى ؟ هل لأنها مستحيلة أو شبه مستحيلة ؟ هل لأنها غريبة على دنيا الناس
الممتلئين طمعاً وجشعاً وحقداً دفيناً ؟ أم لأنها كالوردة الجميلة وسط ركام من
الدماء والآهات والدموع والشقاء ؟ دماء الأبرياء فى كل بقاع الأرض الذين يقتلون
بإسم الدين والإيمان ؟ أم دماء الذين تحصدهم حروب الطمع وملاحم الكراهية والأنانية
البغيضة ؟ ودموع الثكالى فى شتى الأماكن ؟ دموع الأمهات الباكيات فلذات أكبادهن ما
بين ضياع وخطف واغتصاب وتشرد ؟ أم دموع الآباء المحاصرين بين غلاء المعيشة وذل
الحاجة وطلبات الدنيا المجنونة ؟ أم دموع الشباب المتسكع لا يجد عملاً ولا تقديراً
ولا تدبيراً ولا إهتماماً فيتفجر من داخله على شكل قنابل متطرفة تتمسح بعباءة
الدين ؟
هل تسخر من أحلامى وتستخف بها لأنها جرعة ماء رطب فى جوف ملتهب جراء ألم
الغربة ، غربة الوطن وغربة الفكرة وغربة الرأى ؟ أم لأنها يد حانية تمتد تشفى جراح
المقهورين فى كل مكان ؟ أم لأنها صدر رحب طيب يقبل الآخر ويقدره ويقدر حريته ورأيه
وتوجهه ، ولا يصنع من نفسه إلهاً يحاسب الناس فى دنيا عزّ فيها الحب وتبعثرت كرامة
المخلصين ؟ أم لأن أحلامى تريد إعادة بناء جسور الحب والسلام بين بنى الإنسان مهما
اختلفوا فى دينهم ولونهم وجنسهم ووطنهم ؟ أم لأن أحلامى تلملم جراح المساكين الذين
يبيتون فى العراء يفترشون الأرض ويلتحفون السماء ؟ بلا مأوى يحميهم من ذل الإنكسار
وجبروت العوز وبشاعة الإضمحلال ؟ أم لأن أحلامى كبيرة على قلوب الغدارين من شياطين
الإنس؟ أم لأن أحلامى لا يحدها مكان ولا
زمان ؟
نعم سوف أحلم ، حتى آخر لحظة من عمرى ، سأرى نفسى فى بلد يحب الناس بعضهم ،
وتختفى فيه الجريمة ، وتعم الإبتسامة كل الوجوه ، سأحلم ببلد ينتشر فيه العدل
والمساواة والأمن ، سأحلم بمجتمع يؤمن بضعفه الإنسانى ويعرف أن لهذا الكون إلهاً
قديراً يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور ، إله قادر على محاسبة مخلوقاته ونصرة
ضعيفهم ومحاسبة مجرمهم ، فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ، سأحلم بمجتمع يحاسب فيه
الفرد نفسه على تقصيرها ولا يحاسب غيره ، يعنف ذاته لأنه لم يصل إلى أعلى
المستويات العلمية والإقتصادية والفكرية ، ولا يجعل من نفسه قيماً على الآخرين ،
سأحلم بمجتمع تسود فيه الألفة وعدم التفرقة يحكمه قانون عادل لا يفرق بين قوى
وضعيف ولا بين غنى وفقير ، ولا بين ذى منصب وخفير ، مجتمع له دستور شامل يطبق على
الجميع بلا استثناء ، مرن يساير كل العصور ، كامل يغطى كل مستلزمات الحياة فى شتى
فروعها ، فمن وجهة نظرى أن الأمم التى يقال عنها أنها راقية – وهى فعلاً كذلك – لم
ترتق إلا بدستور قيم وقانون يطبق على الجميع بلا استثناءات أو محسوبيات ، ولذلك
إرتقت وعلت وصارت فى مقدمة العالم .
سأحلم بمجتمع لايكون الفرد فيه نائباً عن الله فى الأرض يحاسب هذا ويعنف
ذاك ، ويقيم المحاكم لمن يخالفه ويصدر ضده الأحكام الجزافية وهو ينسى أنه بذلك
يضيع بإشراكه نفسه مع الله العلى القدير ، أحلم بمجتمع يخلو من التطرف بكل أنواعه
سواء كان تطرفاً دينيأ أو سياسياً أو علمياً أو غيره ، سأحلم بمجتمع يبنى الحضارات
ويعمر الأرض ويسير فيها ليقرأ سيرة السابقين فتكون له عبرة وعظة ومنبع علم ومشكاة
نور ، سأحلم بمجتمع يكون العلم والتكنولوجيا وسباق الرقى نحو أفضل حياة هى سمة من
أهم سماته ، سأحلم بمجتمع تأخذ فيه المرأة كافة حقوقها العلمية والسياسية
والإنسانية ، ويخلو من أطفال الشوارع المشردين ، ويخلو من الشباب المعطل ويخلو من
الفاسدين من مروجى المخدرات التى تفتك بعقول الناس ، مجتمع يخلو من أبناء الأكابر
والمحسوبيات ووارثى الوظائف الكبرى من قضاء إلى شرطة إلى اساتذة جامعات إلى رؤساء
جمهوريات .
مجتمع يتحول فيه التعليم إلى مكان لتخريج العلماء والمثقفين والشعراء
والمهذبين ، وليس مكاناً لتفريخ التطرف وتصنيع المتطرفين من خلال مناهج عجيبة تحتاج
لوقفة كبيرة من كل علماء الأمة ومثقفيها من أجل تطهيرها وتنقيحها وتنقيتها ، تعليم
ينبت مفكرين وعلماء ورواد فضاء وذرة وأعظم أنواع تكنولوجيا العلوم المختلفة ،
مدارس وجامعات تركز على قيمة الإنسان وتعلى من شأنه من أجل بناء وطن عظيم يسمو
شامخاً بين الأمم ، جامعات يكون فيها الأولوية للمتفوقين النابغين وليس لأبناء
فلان وعلان المحاسيب ، جامعات تبنى فى قلوب إبنائها الحب والإخاء وإحترام الآخر
المختلف ، جامعات تركز على الإبتكار والإبداع والإختراع ، لا على التلقين والحفظ
الإنصياع ، مدارس وجامعات توضع لها شروط وقوانين ومناهج يكون هدفها الرئيسى بناء
فرد صالح من أجل إقامة مجتمع صالح ترفرف فوق ارضه أعلام الحرية والمساواة والعدل
بكل أنواعهم ، حرية تغمر كل فئاته ومساواة يشعر بها ويعيشها كل إنسان على أرضها ،
وعدل يتحقق على أرض الواقع .
مجتمع يأخذ من كل فئات الشعبضرائب
أو زكاة( سمها ما شئت ) تتلائم مع دخولهم
وممتلكاتهم بغير خوف منهم أو تفريق بينهم ، تؤخذ منهم لإصلاح أحوال البلاد والعباد
، من بناء مستشفيات إلى معاهد ومدارس وجامعات ، إلى طرق ممهدة وخدمات اساسية تيسر
الحياة وتملؤها رفاهية وسعادة , مجتمع يكون فيه التقدير والإحترام للمجتهدين
والمكافحين والساهرين لرفعة الوطن وخدمته وإعلاء شأنه ، مجتمع يقدر المواهب
والعقول النابهة ويحرص على تنميتها وتكبيرها ليعظم شأنها وشأنه ، مجتمع يقضى على
الفوارق الطبقية ويحترم عرق الإنسان ويدفع له أجراً يكفيه ويفيض عليه وعلى أبنائه
ويكفيه شر الحاجة والعوز ، مجمتع يؤمن صحة أفراده فلا يتركهم لهوى تجار المستشفيات
الخاصة ، ولا لجشع بعض الأطباء والصيادلة الذين لا يهمهم سوى الإثراء بأى شكل أو
لون .
هذه هى بعض أحلامى ، فلماذا تسخر منها يا صديقى ؟؟ وأقولها لك صراحة ...
إذا لم تشاركنى أحلامى فأنا ... مضطر أحلم لوحدى .
الإيمان والكفر هما صفتان خفيتان من مكنونات القلب البشرى لا يطلع عليهما
إلا الله تعالى الذى ( يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور) ، ولذلك لم يكن رسول
الله وخاتم أنبيائه - عليهم الصلاة والسلام جميعاً – يعلم أسماء المنافقين الذين
يصلون معه ويصومون معه ولذا فقد قال له العلى القدير( وممن حولكم من الأعراب
منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم) ، وعلى ذلك فإننا
نحن البشر ليس من صفاتنا علم الغيب لأن علم الغيب من عظائم الأمور التى اختص بها
ربنا جلّ وعلا نفسه فهو وحده القادر على علم خفايا القلوب ومكنوناتها يقول علام
الغيوب على لسان النبى :(قل لا اقول
لكم عندي خزائن الله ولا اعلمالغيبولا اقول لكم اني ملك ان اتبع الا ما يوحى الي قل هل يستوي
الاعمى والبصير افلا تتفكرون)، وقد قال تعالىلكل مؤمن ( ولا تقولوا لمن ألقى
إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا ) ، أى أن الإنسان المسالم الذى
لا يضر الآخرين ولا يؤذيهم ويعيش بينهم فى محبة وسلام هو مؤمن ومسلم لا يحق لأحد
تكفيره أو تصغيره أو التقليل من شأنه مهما كانت عقيدته التى يعتنقها أو فكره الذى
ينتهجه .
لو أعلن إنسان كفره بالله تعالى
فليس من حقى أن أعاقبه أو أقتله أو حتى أسجنه ، فحسابه عند الله تعالى فى يوم
الدين ، وليس من حقى كإنسان ضعيف لا أملك لنفسى ولا لغيرى نفعاً ولا ضراً ولا
موتاً ولا حياة ولا نشوراً أن أحاسب الكافر بالله تعالى على كفره ولا أن أكافىء
المؤمن على إيمانه ، فليس لى هذا الحق ولا أملكه ولا يتأتى لى التدخل فى شأنه ،
فلو فعلت ذلك فقد اشركت نفسى مع الله تعالى وضعت ضياعاً أبدياً لا رجعة فيه إلا
بتوبة نصوح عما ارتكبت من جرم وما اقترفت من إثم ، ولا أملك له سوى نصيحة مخلصة
لوجه الله تعالى فإن قبلها فمرحباً وإلا فهو حر وحسابه على الله .
2-
يهمنى من أخى الإنسان ( عموماً) أن أأمن جانبه ، فلا يهدد حياتى ولا يهدد
أموالى وممتلكاتى ولا يهدد أبنائى وأحبابى ، ولا يقض مضجعى ، ولا يحرمنى من حريتى أو حتى
ذرة من حريتى ، وأن يعاملنى بكرامة ويبادلنى إحتراماً بإحترام وتقديراً بتقدير ،
وعندئذ فهو – أى هذا الإنسان – هو النموذج الأمثل والمثال الأعظم للإنسان ، مهما
كان دينه الذى يدين به ، أو عرقه الذى ينتمى إليه ، أو لون بشرته أو لغته التى
يتكلم بها .
لو فقدت فيه الإحساس بالأمن والطمأنينة ، وظل يرمقنى بنظرة تكفير وتحقير
وتمييز ، وراح يصفنى بما لذ له وطاب من كلمات وألفاظ ، كل ذلك لأننى لم أخضع لرأيه
ولم أنتم لوجهة نظره وكان لى رأى مخالف له وفكر مضاد لفكره ، فظن – بظلم منه – أنه
على الحق وأننى على الباطل ، وسولت له نفسه الأمارة بالسوء أن يتقمص دوراً يملكه
الله وحده وهو دور العلم بغيب القلوب والحكم عليها ، فضيع نفسه فى متاهات الشرك
دون أن يدرى وهو يظن نفسه جندياًمدافعاً عن الله ورسوله ودينه ، مثل هذا
الإنسان مهما كان معى على نفس الدين ونفس العرق ونفس اللون فلا يروق لى ولا أحبه
ولا أحب أن يجمعنى به مكان واحد أو حتى زمان واحد ، لأننى فى معيته أفقد الإحساس
بالأمن وتهرب الطمأنينة من قلبى .
3-
فالدين فى حقيقته هو مجموعة متكاملة من المعاملات الإنسانية التى لا يجوز
الإنتقاص منها ،لأن ضياع جزء منها معناه ضياع كل شىء ، مثل الصدق فى القول والإخلاص فى العمل والتفانى
فى الحب ، والوفاء بالعهد والوعد ، والتحلى بمكارم الأخلاق من مروءةوعطاء وكرم ونصرة للضعيف ، ووقوف مع المظلوم
والمضطهد وإيوائه وإطعامه ، ونشر مبادىء العدل والإحسان والكرم ووصل القريب والجار
والصديق والزميل ، وبعد عن كل أنواع الفواحش ما ظهر منها وما بطن وهجر للمنكر
والبغى ، وغير ذلك من صفات ومعاملات هى فى حد ذاتها جوهر الدين وصورته المشرقة
ووجهه الجميل الطيب .
ورغم أهمية العبادات ( مثل الصلاة والحج والصوم والزكاة ) ولكنها بدون
التحلى بما سبق من أخلاقيات سامية وتعاملات راقية بين البشر فإنها تفقد معناها
ورونقها وتتحول لمجموعة من الحركات والسكنات التى لا يرجى من ورائها خير ، ولذلك أكد ربنا
جلّ وعلا دائماً أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وأن الله ( يأمر بالعدل
والإحسان وإيتاء ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى ) ، وفرض الله الصيام ( لعلكم تتقون ) ، وفرض الزكاة
والصدقات ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) ... وفرض الإكثار من ذكره
تعالى ( أذكروا الله ذكراً كثيراً) لا لكى نتباهى بالمسبحة والمادة التى صنعت منها
بل لأن ( الذين آمنوا و تطمئن قلوبهم بذكر الله ، ألا بذكر الله تطمئن القلوب) ولأن ذكرك لربك يجعلك فى معية دائمة معه سبحانه
( فاذكرونى أذكركم ) فلا يمكن فى هذه المعية أن تظلم أحداً أو تسرق أو تقبل رشوة
أو ترتكب جرماً ، فأنت تشعر دوماً أن ربك سبحانه وتعالى معك ويراقبك ويحب أن يراك
طيباً وجميلاً ومتسامحاً تفعل الخيرات وتتسابق عليها وتهجر الشرور وتهجر الأشرار
فتلك هى عظمة ذكر الله تعالى وعظمة الشعور الدائم بمعيته .
فمن كان يصلى خمس مرات يومياً ، ويصوم رمضان ويحج بيت الله الحرام ويذبح
الذبائح لوجه الله تعالى ويؤتيها للفقير والمسكين والمحتاج وفى نفس الوقت يتعامل
بالربا أضعافاً مضاعفة ، أو يقبل الرشوة من الآخرين لإنجاز أعمالهم ، أو يتاجر بما
يضر صحة الناس كالحشيش والبانجو وغيرهما ، أو يعمل فى التهريب فيسبب أزمات مالية
لبلده ويتسبب فى زيادة الفقروالشقاء والمرض لأهل وطنه ، أو يهمل فى عمله المنوط به ، أو يتكبر على
الناس ويتعالى عليهم فينفرون منه ويكرهون لقاءه ... كل تلك الأمثلة وغيرها من
الجرائم لا أعتقد أن لأصحابهم نصيب مما عملوا من خير ، فلا صلاتهم علمتهم التقوى
ومراقبة الله تعالى فيما يعملون ،ولا صومهم طهرهم ولا صدقاتهم زكتهم ، فياحسرة على
من اضاع العمر فى عبادات كثيرة لم تكن سبباً فى تنوير طريقه وتبصرته بالحق والعدل
والسلام ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءاً منثوراً) .
4-
إن الإيمان بحق الآخرين فى الحرية الدينية والفكرية هو من صميم الإيمان بالله تعالى ، فقد أكد
المولى جلّ وعلا حرية الكفر وحرية الإيمان به سبحانه لأن حساب المؤمن وحساب الكافر
على الله يوم القيامة وليس فى هذه الدنيا( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) ، لأننا لو أطلقنا العنان لأنفسنا فى تكفير
بعضنا البعض فإننا نسقط بكل أسف فى مستنقع الشرك لأن الله وحده له علم الغيب وله
حق الحكم على مكنونات القلوب ومحتويات العقول من دين وفكر ورأى ، أما نحن البشر
فلا نملك علم الغيب ، فقد يكون الكافر من وجهة نظرنا مؤمنأ حقيقياً ، وقد يتوب
الكافر الحقيقى قبل نهاية عمره ويرجع لربه ويعبده بلا شريك ويتوب إليه ، فالله
وحده يعلم إذا كان شخص ما سيتوب قبل موته ويتبع سبيل ربه أم لا ( إلا من تاب وآمن
وعمل صالحاً ) ، والله يحب عبده التائب ويكرمه ( أولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات )
فهل هناك أعظم أو أكرم من ذلك ؟؟؟؟...أما نحن فليس لنا أى نصيب من علم الغيب ( إنما
الغيب لله) ، ولذلك فلحكم لله وحده على ما تحتويه القلوب من إيمان أو كفر ، ونحن –
كبشر ضعفاء – لا يحق لنا إصدار الأحكام العشوائية فى حق الآخرين ( إن الحكم إلا
لله ) .
5-
عندما دعا خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام ربه قائلاً (واذ قال
ابراهيم رب اجعل هذا بلدا امنا وارزق اهله من الثمرات من امن منهم بالله واليوم
الاخر قال ومن كفر فامتعهقليلا ثم اضطره الى عذاب النار وبئس المصير) فقد أرادربط الرزق بالإيمان بالله تعالى ، ولكن الله
تعالى العليم الرحيم لم يستجب لدعوته بهذا الشكل وقام بإضافة تغيير على متنها فقال
تعالى ( قال ومن كفر فأمتعه قليلاً ) أى أن الله تعالى وعد نبيه إبراهيم أنه
سبحانه سوف يرزق الكافر به كما يرزق المؤمن ، وأنه تعالى قد خلق عذاباً مهيناً
للكافرين ونعيماً مقيماً للمتقين ، وكذلك فى دعوة أخرى للخليل إبراهيم حين قال له
ربه ( إنى جاعلك للناس إماماً ) فطمع الخليل فى كرم ربه فقال ( ومن ذريتى ) فقال
له الله العليم القدير( لا ينال عهدى الظالمين ) ، وهنا يؤكد المولى تعالى أن
النسب الدموى لا يكون سبباً فى النجاة عند الله تعالى بدليل أنه سبحانه أكد أن من
ذرية إبراهيم – وهو من هو – سيكون منهم ظالمون وسيكون منهم صالحون متقون ،
فالمتقون سيكونون أئمة للناس الطيبين فى كل مكان وزمان أما الظالمون فلا حظ لهم فى
تلك الإمامة وسيكونون أئمة فى إتجاه آخر وهو الظلم والعياذ بالله العظيم .
6-
ليس هناك وساطات عند الله تعالى ، "يعنى مفيش علشان خاطرى"، ولنا فى نبى الله نوح وقصته مع إبنه الكافر
خير مثال وأبلغ دليل على ذلك ، فقد ظن نوح عليه السلام – الذى عبد ربه ودعا لدين
الله قرابة ألف عام – أن مجرد كون إبنه من أهله ينقذه الله ويجعله يركب سفينة
النجاة مع المتقين فقال ( رب إن ابنى من أهلى وإن وعدك الحق ) ، فجاءه رد السميع
العليم ( قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح ) ،ثم جاءه هذا التحذير ( فلا تسألنى ما ليس لك به علم إنى
أعظك أن تكون من الجاهلين ) ثم تأتى توبة نوح عليه السلام ( قال رب إنى أعوذ بك أن
اسألك ما ليس لى به علم وإلا تغفر لى وترحمنى أكن من الخاسرين ) ... وهكذا فمسألة
الإيمان بالله العلى القدير لا تأتى بالعنف ولا تأتى بالقوة ولا تأتى بسبب النسب
أو المصاهرة ، ولكنها إجتهاد عظيم وتفكر طويل وإعمال للعقل فى ملكوت الرحمن حتى
يقتنع الإنسان بمسألة الإيمان فيؤمن بربه ويخبت له ويخشع قلبه ويدرب عقله على
الصلاح والإيمان والإسلام حتى يصبح من المتقين ويكتب فى عداد الصالحين والطيبين ،
فلا القرابة تجلب الإيمان بالله تعالى ولا المصاهرة ولا المال والغنى والثراء
يشترى التقوى ولا كل كنوز الدنيا تجلب اليقين والصدق ، بل هى أمور لا تورث ولكن
تكتسب من التفكير فى ملك الله تعالى والسير والتدبر فى آياته الكونية المرأية ( قل
سيروا فى الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ) والآيات
المكتوبة فى كتبه السماوية التى ختمها الله تعالى بالقرآن العظيم مهيمناً على ما
سبقه من كتب .
ثقافة ( لوى البوز) و( تقطيب الجبهة ) و( عقد الحاجبين ) و( توسيع العينين
) أثناء النقاش هل هى ثقافة عربية بحتة أم أنها عالمية تمس كل البشر ؟؟ وهل رفع
الأصوات عند النقاش والتشويش على الطرف الآخر لإلغاء كلامه وطمس معالم أقواله هى
صفات عربية أم عالمية ؟ وهى تحقير المخالف والتقليل من شأنه وقتله معنوياً هى
ثقافة عربية أم عالمية ؟ وهل التغليس فى أسلوب الكلام بما يوحى بتهميش الطرف
الثانى وإقصائه والإيحاء له أنه بلا قيمة وأن رأيه سينتهى إلى صندوق الزبالة هل
هذه ثقافة عربية أم عالمية ؟؟
كلمة ( غلاسة ) لا أعرف لها أصلاً ولكنها مهمة جداً لتوصيل المعنى المطلوب
، فقد لاحظت تلذذ الكثيرين بالتغليس على الناس فى النظرة والكلمة والحركة ، وكأن الغلاسة واجب مقدس وعمل مطلوب
لكى يكمل عمله ويؤديه على أحسن وجه ، ولست
أدرى ما هو النبع الذى يستقى منه هؤلاء الغلسين ثقافتهم وكيف ينامون مرتاحين البال
بعد أن قضوا معظم يومهم فى التغليس والترذيل على خلق الله الذين ساقهم حظهم العاثر
إليهم فرأوهم وتصبحوا بوجوههم الغلسة .
بعض الناس يبخلون عليك بمجرد الإبتسامة فى وجهك أو حتى البشاشة ويصرون على
العبوس والتكشير وكأن بينهم وبينك ثأر قديم ، مع أنهم لم يروك من قبل ولم يعرفوك
ولم يتعاملوا معك ، قد يكون شكلك ليس على مزاجهم ، أو وجهك ليس من النوع المحبب
لديهم ، يتعاملون مع الإنسان كما يتعاملون مع أنواع البهارات والسلطات ، لا يعلمون
أن الله تعالى سيحاسب الإنسان على تلك التصرفات وعلى هذه الحركات .
لم يكن حساب الله لعباده قاصراً على الذنوب الظاهرة المعروفة كالكبائر
واللمم وغيرهما ، ولكن الله تعالى يحاسب عباده على مجرد الكلمةالتى ينطقون بها ( ما يلفظ من قول إلا لديه
رقيب عتيد ) ، ليس هذا فحسب بل والنظرة أيضاً وأقصد بها نظرة الحقد مثل قوله تعالى
( وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون ) ،
ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل يحاسب الله تعالى عباده على ما توسوس به نفوسهم دون
أن يسمعهم أحد من خلق الله فيقول العلى الكبير ( ولقد حلقنا الإنسان ونعلم ما
توسوس به نفسه ) ثم يقول سبحانه ( إن تبدو ما فى أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله
فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ) .
تذهب لقضاء مصلحتك عند موظف ما فينظر إليك كأنك خارج على القانون أو متهم ،
يريد أن يفترسك كأنه وحش وأنت أرنب ضعيف لمجرد إحساسه أن مصلحتك عنده ، يتلصص بك
ويتآمر عليك ، ينظر إليك بنصف عينه كأنك حشرة وهو عملاق عظيم ، فإذا ضربت يدك فى
جيبك ونقدته بالمعلوم راحت تكشيرته أدراج الرياح وبدا طيباً ووديعاً وأصبح خطه
جيداً وكلامه واضحاً ، وراح يتمتم بكلمات الذكر والتسبيح كأنه من عباد الله
الصالحين ، والويل لك لو كان المبلغ تافهاً أو لا يعادل ما يرنو إليه وما يحلم به
، وللحقيقة لا نعمم فهناك الطيبون والشرفاء والمتقون المخلصون .
بعض الناس تأخذه العزة بالإثم ويستكثر عليك كلمة جميلة أو جملة يفتح نفسك
بها وكأنه لو فعل ذلك وأشعرك بإنسانيتك يكون قد إرتكب جرماً أو أتى إثماً مبيناً ،
لا يعرف أن الله تعالى قد قال ( وقولوا للناس حسناً ) ، ليس ذلك فحسب بل إنه
سبحانه حين يصف أهل الجنة يقول عنهم ( وهدوا إلى الطيب من القول ) .. فأى بيان وتوضيح
أكثر من ذلك لكى يتعلم أهل الدين كيف يتعاملون مع الخلائق فيبتسمون لهم بدلاً من
الوجه العبوس القمطرير ، ويقولون لهم
قولاً حسناً بدلاً من العجرفة والكبر الشيطانى المقيت ، ويتذكرون أن الله تعالى قد
أمر نبييه موسى وهارون عليهما السلام ألا يكونا خشنين مع أكفر خلق الله وأظلمهم
وهو الفرعون الملعون فيقول لهما ( فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى ) ..
مع أن الله تعالى بيده فى أقل من طرفة عين أن يجعله عدماً هو ومن كان مثله فى كل
زمان ومكان .
معظم المشاكل التى تنتهى بجرائم بشعة تبدأ بنظرة سخيفة يليها تعليق سخيف
يليه جملة قبيحة تليها ضربة مميتة ثم ركلة قاتلة وينتهى الأمر إلى المشنقة أو
غياهب السجون ، فلماذا نضعف ونصبح سفهاء أمام غواية الشيطان الرجيم ونستجيب له
ويأكل بعضنا البعض دون ذنب أو سبب ؟ ماذا سيخسر الناس لو أفشوا بينهم كلمات الحب
والسلام التى تبعث على الطمأنينة وتجعلك تأمن لهم وتأنس لوجوههم ؟ لماذا يعامل
الناس بعضهم كمحقق مع متهم ؟ لماذا نتربص الدوائر بعضنا ببعض وننتظر أن يحيق
بالآخرين المصائب ؟ كيف نشعر بالأمن وهذه أخلاقنا ؟ كيف نستلذ بالحب وننعم فى كنف
السلام وتلك صفاتنا ؟ متى نحب بعضنا ونفضل الآخرين على أنفسنا فنكون قد استجبنا
لقوله تعالى ( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) ؟؟
كلنا يزعم لنفسه الطيبة والإنسانية والكمال فإذا وقع فى دائرة الإختبار
وجدت أمامك وحشاً كاسراً لا يلين ولا يستجيب ولا يعرف غير نصرة نفسه حتى لو كان
ظلمه واضحاً وغيه بائناً وجريمته جلية ، نادراً أن يعترف أحدنا بخطئه وغيه ويعتذر
بأدب ويعيد الحق المسلوب والكرامة المجروحة لصاحبها ، متى نفهم ثقافة إحترام
الآخرين والرغبة الحقيقية فى تقديرهم واحترامهم مهما اختلفوا معنا فى الدين أو
العقيدة أو الفكر أو الرأى ؟ متى نعلم أنه ليس من خصائصنا محاسبة بعضنا البعض أو
التفتيش فى قلوب بعضنا والتنغيص على حياة بعضنا ؟ متى نؤمن فعلاً أن الله تعالى هو
الذى خلق وهو الذى رزق وهو الذى يعطى وهو الذى يأخذ وهو الذى يحاسب البشر بدقة
ربانية لا نهائية ، وأن حساب البشر للبشر هى خطيئة بشرية قاتلة تصل بهم لحد الشرك
بالله تعالى ونحن نعلم جزاء المشركين،
فالمشرك يشبهه الله تعالى بمن خرّ من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح فى
مكان سحيق .
ليس لإنسان فضل على إنسان فالفضل كله لله وبيده سبحانه ، فلا تكشر عن
أنيابك لأخيك الإنسان ولا تتوعده ولا تظن نفسك قيماً عليه تختار له دينه وفكره
ومنهجه ، فله عقل مثلك وله فكر مثلك وله توجه مثلك ، ومهما كان ضدك فطالما لا يؤذيك
ولا يضرك ولا يعتدى عليك فليس لك عنده أى حق ، هى حرية منحها الله تعالى لكل إنسان
وبناءاً على هذه الحرية جعل الله تعالى يوماً عظيماً للحساب والعقاب والثواب وهذا
اليوم ملك لله وحده ( مالك يوم الدين ) ولأن الله ( لا يشرك فى حكمه أحداً ) فلا
يحشر الواحد منا أنفه بين الله وعبيده فهو ربهم يتولاهم يرحمهم أو يعذبهم ، يهبهم
أو يحرمهم يرفعهم أو يذلهم ، هذه أشياء ملك الله تعالى وليس لبشر أن ينحشر فيها فى
تبجح عجيب وتنطع غريب يكون مأواه جهنم وبئس المصير لكل دخيل عنيد يتكلم باسم الله
تعالى كأنه يأتيه وحى السماء .
أخى الإنسان فى كل زمان ومكان : من حقى عليك ألا تعبث فى وجهى وألا تحاسبنى
على أعمالى طالما لا أضرك ولا أعتدى عليك ومن حقى عليك أن اسمع منك قولاً ليناً
ورداً طيباً وحلماً وأدباً ، ولك علىّ كل هذه الحقوق بلا نقصان أو تقصير ، فهل
يأتى اليوم الذى نتمتع فيه بثقافة الحب الخالص وثقافة ترك ما لله لله وثقافة
التأدب فى النظرة والكلمة والحركة مع بعضنا البعض حتى نرتقى وينطبق علينا قوله
تعالى ( وقولوا للناس حسناً ) وقوله تعالى ( وهدوا إلى الطيب من القول ) ..؟؟
وصلتنى هذه الرسالة وأحتفظ بإسم صاحبها
وعنوانه ورقم تليفونه وإسم الكفيل السعودى وعنوانه ورقم تليفونه :
السادة الأفاضل تحية طيبة :
سافرت عام 2006 بعقد عمل
للسعودية قبل موسم الحج بأربعين يوماً ، ولماوصلت هناك تعبت نفسياً جداً وزاد تعبى حدوث
ظرف طارىء لأحد أبنائى مماجعلنى أبكى ليل نهار ولا أستطيع العمل ولم أكن قد قضيت
هناك أكثر من شهرعملت خلاله بصعوبة بالغة ، وقد قام المستوصف بإعطائى
قيمة تذكرة الطيرانمن القاهرة إلى جدة لأننى كنت قد دفعت ثمنها من مالى
الخاص لحين الوصولإلى هناك ، ولكنهم طلبوا منى التوقيع على سند إستلام
مطبوع ومكتوب كالآتى :
مستوصف كذا كذا .. سند إستلام إستلمت أنا / ..... (1100) ريالألف ومائة ريال ثمن تذكرة مصر للطيران من
القاهرة إلى جدة . التوقيع إسمىمدير المستوصف
*************************************** ثم طلبت سلفة بمبلغ ألف وخمسائة
ريال فوافقوا ولكن بإيصال مثل السابق مكتوب كما يلى : مستوصف كذا كذا سند إستلام إستلمت أنا/ ...... مبلغ (1500)
ريال................... عبارة عن سلفة يتم تسديدها خلال
الشهرين القادمين . التوقيع إسمىمدير المستوصف
********************************************* بعد ذلك رق قلب الكفيل ووافق
بناءا على ظروفى الخاصة أن يعطينى تأشيرة سفروعودة مدتها شهر واحد ، وأخذت تأشيرتى وذهبت
لكى أحجز ولكننى لم أجد أىوسيلة مواصلات بسبب أن وقفة عرفات باقى عليها خمسة ايام
فقط ، فكانت فرصتىأن أذهب لأحد اقاربى وأنوى من جدة لفريضة الحج والحمد
لله تعالى أديتالفريضة وحجزت وذهبت لبلدى مصر .
بعد وصولى بأسبوع واحد إتصل بى
الكفيل لكى يسألنى متى سأعود ولكننى إعتذرتله بكل أدب بسبب مرض إبنى وأننى لن أستطيع
العودة للعمل فى السعودية ،فاشتاط غضباً وشتمنى وأقسم أنه سيؤذينى ويرفع على قضايا
بالإيصالات التىمعه .
الغريب فى الأمر أننى فوجئت
بمحامى مصرى يتصل بى ويخبرنى أن الكفيلالسعودى قد طلب منه رفع قضايا ضدى وأخذ هذا
المحامى يبتزنى ويطلب منىمبلغاً كبيراً من المال حتى يعمل معى صلح وأنا مذهول منه
وأقول له أى صلحتطلب منى ولماذا؟ هل أخذت منهم شيئاً ؟ فقال أنت وقعت
على إيصالات أمانةفقلت أين هم فحدثنى عن الإيصالين السابقين فقلت له
الإيصال الأول الخاصبفلوس تذكرة الطيران هو سند إستلام وهم يعيدون لى حقى
لأننى الذى اشتريتالتذكرة من مالى الخاص ، والإيصال الثانى هو سلفة بألف
وخمسائة ريال وقدأستردوها من مرتب الشهر الذى عملته معهم حيث عملت شهراً
بمبلغ 3500 ريالوهو مجمل مرتبى فى العقد فخصموا منى 1500 ريال بحجة أنهم
فى نهاية العامالمالى ثم أعطونى الباقى ، ولكن المحامى لم يهتم بكلامى
وقام برفع قضاياضدى وفوجئت بعدها بأربعة شهور بأنه يكلمنى فى تليفونى
الأرضى ويخبرنى أنهأخذ على حكماً غيابياً بالحبس شهر فذهبت لمحامى من
مدينتى وعملت لهتوكيلاً وشرحت له كل شىء وأعطيته صورة من عقد العمل الذى
معى وصورة منتأشيرة المغادرة وعدة أشياء أخرى . قام المحامى الخاص بى
بنقل القضية إلىمحافظتى لعدم الإختصاص ثم قام بتصويرها وجاء لى بصورة
الإيصال الأول ولكنبالشكل التالى : مستوصف كذا كذا .. سند إستلام إستلمت أنا / ..... (1100) ريالألف ومائة ريال وديعةثمن تذكرة مصر للطيران من القاهرة إلى جدة . التوقيع إسمىمدير المستوصف
أى أن المحامى قام بإضافة كلمة
( وديعة) على جانب الإيصال لكى يعطيهاالصيغة القانونية ولكنها مكتوبة بخط غير الخط
الذى حرر به صلب الوصل بشكلشديد الوضوح وكذلك بتاريخ لاحق لا يقل عن ستة شهور من
تاريخ تحرير الصلب . قمت بالطعن بالتزوير فى كلمة (
وديعة ) وتم تحويلى لخبير الخطوط بالطب الشرعى وتم استكتابى وأنتظر النتيجة حتى
الآن فأرجو أن أطمئن .
ثم فوجئت منذ شهر وقبل الحكم فى
القضية الأولى بأنه قام برفع قضية أخرىبالإيصال الثانى وقام المحامى الخاص بى
بنقلها إلى محافظتى لعدم الإختصاصثم قام بتصوير السند وإذا به قد شكى بالإيصال الثانى
ولكن زوره كما يلى :
مستوصف كذا كذا سند إستلام إستلمت أنا/ ...... مبلغ
(150000) ريال مائة وخمسون ألف ريال سعودى عبارة عن سلفة يتم تسديدها خلال
الشهرين القادمين . التوقيعمدير المستوصف
قام بإضافة صفرين للرقم 1500
لكى يجعله مائة وخمسون ألف ثم قام بتفقيطالمبلغ بالصورة أعلاه بتاريخ لاحق لا يقل عن
عام ونصف من كتابة الصلب ،علماً بأن صلب الإيصالين المذكورين أعلاه بخط مدير
المستوصف أما الزياداتمثل كلمة ( وديعة ) فى الوصل الأول ، و( الصفرين
المضافين والتفقيط فىالوصل الثانى) فقد كتبت بخط آخر مختلف تماماً عن خط مدير
المستوصف .
الغريب أن الصفرين اللذين
أضافهما كبيران بشكل مفزع ووواضح وكذلك تفقيطالمبلغ تم بعد أكثر من عام ونصف من تحرير
الصلب ، ثم هل معقول أن يعطينىالكفيل السعودى مائة وخمسون ألف ريال فى أول شهر من
وصولى لكى أسددها منمرتبى ( 3500 ريال ) على شهرين متتاليين ؟ومن أين أسددها
؟ والأعجب أنالمحضر المكتوب ضدى قد ذكر فيه المحامى الذى كتبه أن
الكفيل السعودى قدأعطانى مبلغ المائة وخمسون ألف ريال فى بلدى مصر يوم
13/من ذى القعدة 1427هجرية رغم أننى كنت فى السعودية فى هذا التاريخ كما هو
ثابت فى جواز السفروفى تأشيرة دخول السعودية يوم 4 من ذى القعدة 1427 هجرية
وخروجى منها يوم 16 من ذى الحجة
1427 هجرية !!!
هذه القضية الثانية لم يأت موعد
جلستها الأولى بعد نقلها فمارأى حضراتكمفى موضوعى ؟ وماذا أفعل ؟ كيف آخذ حقى من
الكفيل الذى يطاردنى وأنا فىبلدى ظلماً وبهتاناً وبإيصالات مزورة ليس لها أى صفة
قانونية ؟وكيف يعاونهمحامى مصرى وهو متأكد من التزوير بل إننى أتهم المحامى
أنه الذى يقوميتزوير هذه الإيصالات. أرجو رأيكم وبارك الله فيكم .
تعقيب :
سوف ينصفك قضاء مصر العادل إنشاء الله تعالى
، ونتمنى أن يتم إلغاءنظام الكفيل من جميع دول الخليج لأانه أبشع نظام إستعباد
للبشر إبتليت بهالبشرية .
وقفت السيدة فى
طابور البنك وسط زحام شديد ، كان الطابور خاصاً بالسيدات فقط ، وإلى جانبه يوجد
طابور الرجال ، الزحام شديد وكل شخص ينفث همومه للآخر ، قال أحدهم أن إبنه أرسل له
مئة دولار من الإمارات لينفق منها على نفسه وراح يدعو له بالرزق وطول العمر ، وقال
آخر أنه حضر لصرف المعاش ، وقالت سيدة فى منتصف العمر أنها جاءت لكى تلغى دفتر
التوفير الخاص بها ، فدفعنى فضولى لسؤالها : لماذا يا سيدتى ؟ قالت لأن فوائده ربا
وحرام .. قلت ومن أفتاك بذلك ؟ قالت شيخ المسجد ، ثم اردفت تقول : لقد أصبت بالأمراض
المختلفة أنا وزوجى منذ فتحنا هذا الدفتر المشئوم .. ولقد قررنا إلغاءه لأنه نذير
شؤم علينا .. لقد ظننت أن مبلغ الدفتر ضخم ويدر عليهم فائدة كبيرة ينفقون منها على
أنفسهم وأولادهم طوال الشهر .. فقلت لها ألا تخافين من سرقة المبلغ حين تخرجين به
من البنك وتركبين المواصلات العامة ؟ فقامت بفتح الدفتر أمامى ولم يكن به سوى صفحة
واحدة مكتوب بها سطر واحد هو كل رصيدها .. لقد وجدت الرصيد خمسين جنيهاً
!!!!!!
سألتها وهل لهذا المبلغ الضئيل أى فائدة ؟ قالت لا
فقلت لها أين الربا إذاً يا سيدتى ؟
فقالت : نحن نخشى من الرصيد أن يزيد ويصبح فائدته ربا وحراماً علينا ..!!!
(2)إنكسار
أراه كل يوم فى الشارع ، أطيل النظر إليه حتى يغيب عن
نظرى ، لا أعرف لماذا يحزننى منظره ، أتوقع دائماً أن يكون أحد أولادى مكانه
ويعانى ما يعانيه ، إنه صبى فى الثالثة عشر من عمره ، يعمل حمالاً فى أحد المحطات
، عيناه منكسرتان وعندما ينظر لى كأنه يمد يد الإستغاثة ويطلب النجدة مثل الغريق
الذى يقاوم الموت ، أحاول إعطاءه أى مساعدة ولكنه يرفض ، لديه كبرياء عجيب ،
ملابسه رثة ولكنه عزيز النفس ، لا يأكل واقفاً بل يجلس فى أحد المطاعم الفقيرة
ويجلس على أريكة متهالكة كبقية الأرائك ويطلب طبق الفول وطبق الطعمية والسلطة ،
رأيته عدة مرات ولمحنى ، هو لا يعرفنى ولكنه متعود على شكلى ، أشعر وهو يضع اللقمة
فى فمه أنه يشكو العالم كله والناس كلهم ، يطلب حقه كطفل ، حقه فى اللعب والتنزه
والفسحة والنظافة والنوم فى مكان مريح والتعليم والفهم ودفء الأسرة وحنان الوالدين
ولذة الإنتماء .
كنت مسافراً مبكراً ورأيته نائماً على أريكة المحطة
وعليه غطاء قديم متهالك .. يظل وجهى عبوساً ويومى حزيناً ، ليس من أجله فقط .. بل
من أجل كل طفل مشرد فاقد للأهل وللإنتماء للعائلة ... أتمنى أن يسارع المجتمع
بإيجاد حل لهؤلاء الأطفال المساكين ، حلاً يكفل لهم كرامة الإنسان ويوفر لهم وسائل
التعليم وأقل درجة من الرفاهية والسعادة ، حتى يكبرون محبين لمجتمعهم ولا يكونوا
قنابل موقوتة تنفجر على شكل لصوص وتجار مخدرات ومتطرفين دينياً .
(3)معاش
عم منصور رجل طيب جداً ، خرج على المعاش منذ عام ، كان
شديد الإخلاص فى عمله ، يستيقظ مبكراً فى السابعة صباحاً ولا يعود قبل الثالثة
مساءاً ، له زوجة وولدان ، أكبرهما لم لا يزال فى الجامعة لأن عم منصور تزوج
متأخراً نوعاً ما بسبب ظروفه المالية ، هو يعمل بوزارة الصحة كان يحلم بمكافأة
تعوضه عن أربعة وثلاثين عاماً من العمل والشقاء فى الوزارة ، ولكنه لم يجد سوى
دراهم معدودة وكانوا معه من الزاهدين ، فحصل على راتب أربعة شهور ، وراح يضرب كفاً
بكف .. كيف ذلك وهو لم يحصل على أى إجازة إعتيادية طوال عمره الوظيفى وأنه يجب أن
يقبض ثمن هذه الإجازات والتى تتجاوز الألف وخمسمائة يوم على آخر مرتب صرفه ، نصحه
زملاؤه الذين خرجوا قبله على المعاش أن يوكل محامياً ويرفع قضية للحصول على باقى
مستحقاته ، لم يكذب خبراً وأخذ بنصيحتهم ورفع القضية منذ عدة شهور .
كان عم منصور يعالج من الكثير من الأمراض مثل إلتهاب
ةالكبد الفيروسى والضغط والسكر ، وكان ينفق الكثير من دخله الضئيل على مرضه ، عم
منصور توفى منذ شهر حيث دهمته سيارة وهو يعبر الطريق ، رحمك الله يا عم منصور فقد
تركت دنيا النفاق ودنيا الضلال وذهبت فى رحاب الحى القيوم الذى لا تأخذه سنة ولا
نوم .
قدرة الإنسان على الإعتذار هى أحد أنواع الفنون البشرية التى لا يتمتع بها
الكثيرون ، نعم فهى مقدرة تتطلب علماً وثقافة وأدباً وذوقاً وحلماً ورشداً وفكراً
سديداً ، ليس من السهل أن يعترف كل إنسان بخطئه ويعتذر عنه لمن كان ضحية لخطئه فهو
أمر جد كبير وجد عظيم وجد جميل ، كبير لأنه إنتصار على النفس الأمارة بالسوء والتى
تأمر صاحبها بالتعالى وعدم الإعتراف بالخطأ ، وعظيم لأنه إنهزام أمام شهوات الدنيا
وبريقها الأخاذ وألوانها الزاهية المغرية ، وجميل لأنه إرتفاع إلى مرتبة التواضع
التى تجعل من الصغير كبيراً ومن المجهول معلوماً ومن المنسى مذكوراً .
فن الإعتذار هو قيمة عالية من قيم الإنسان الراقى المثقف ، فهو بمنطقه الفذ
ولغته السامية يستطيع أن يعتذر لضحيته دون أن يتنازل عن شىء من كرامته وفى نفس
اللحظة يشعر من أمامه بالرضا والتشبع والراحة النفسية ، ولو بادر كل مسىء لإرضاء
ضحية الإساءة لانصلح كثير من الأحوال ونجح كثير من الأعمال ، وماتت الأحقاد
واندثرت الضغائن ، ولكن الواقع هو أن الكثيرين تأخذهم العزة بالإثم فلا يعتذرون
ولا يريحون ضحاياهم بكلمة ود ولحظة صفاء
تمحو بيدها الحنون آثار الألم الذى ألمّ بهم جراء إلإعتداء عليهم بكلمة أو غمزة أو
لمزة يكون من أهم نتائجها زرع الحقد فى النفس وبث الكره فى القلب ، وهى أمور كريهة
كان من الممكن تلافيها بكلمة حب وتبرير حكيم لما بدر وشرح صادق لما صدر .
يصبح الإعتذار وساماً على صدر صاحبه ودليلاً على طيبة قلبه وسلامة نيته
ونبل قصده ، ويصير الإعتذار أكبر وأعظم حين يأتى من قوى لضعيف ومن غنى لفقير ومن
رئيس لمرؤس ومن قائد لجندى ومن أستاذ لتلميذ ، يصبح هنا الإعتذار فناً حقيقياً
ونبراساً جلياً ، فإذا حدث هذا واعتذر القوى للضعيف فإنه يصنع من ضعف الأخير قوة
ومن فقره غنى ومن إحساسه بالنقص إحساساً بالكمال ، فيكون له عند مالك الملك أعظم
الأجر وأحسن الثواب .
وما أجمل الإعتذار حين يأتى من دولة معتدية إلى دولة معتدى عليها فإنه – أى
الإعتذار- يقلب كل الموازين ويشفى جراح القلوب ويغمد السيوف ويطفىء النيران
المؤججة ، ويجعل دعاة الحرب يسكتون ، فما أجمل أن تقوم دولة بالإعتذار لدولة حتى
ولو على شىء مضى عليه عقود أو قرون ، فإن ذلك كفيل بتضميد الجراح – جراح الإحتلال
مثلا – وشفاء الصدور وبناء علاقات بين الدولتين على أساس من الحب والإحترام
المتبادل والعدل والسلام .
فى مكانين قريبين منى كان هناك واقعتان متناقضتين ، فقد قام أحد الشباب
بإحدى القرى بمعاكسة طالبة ثانوى بألفاظ خادشة للحياء ، وبكت البنت بسبب ذلك ولما
رجعت قصت لأبيها ما حدث فخرج وسأل وعرف إسم الشاب وقريته ، وعاد وأعد العدة لمعركة
خطيرة ولكن أحد العقلاء طلب الإنتظار لساعتين فقط ، ثم ذهب إلى أهل الشاب المعتدى
وأوضح الأمر لأبيه ، لم يهدده ولم يقل له أن فلاناً سيأتى بأسرته لكى ينتقم منكم
بل قال إنهم فى حالة غضب شديد ، صاح الرجل بإبنه : هل قلت كذا وكذا لبنت عمك فلان
؟ قال نعم فقام على الفور وأخذ إبنه وذهب بهمع رسول القرية الأخرى إلى هناك ، وسلم على الحاضرين وتأسف لوالد الفتاة
واعتذر له وطلب من إبنه الإعتذار لوالد الفتاة وتعهد أمامهم بعدم تكرار ما حدث ، فقبل الجميع الإعتذار وسعدوا
جداً بشهامةالرجل وأدبه وسماحته ، وانتهت
المشكلة بخير وسلام .
المصيبة الأخرى حدثت عندما كانت هناك قصة شبيهة ولكن والد الشاب المعتدى
تكبر وتغطرس وأخذته العزة بالإثم ولم يعتذر ولم يهتم بالأمر ، ولم يقدر مدى الجرح
الذى سببه غباء إبنه وقلة أدبه لأهل الفتاة ، فاشتعلت المسائل وقامت المشاكل
وتطورت بين القريتن حتى صار هناك قتلى وجرحى ، ولم تنتهى إلا بتدخل قوات الأمن
والقبض على المعتدين من الطرفين .
فكم يحقن الإعتذار الدماء وكم يطيّب النفوس وكم يشفى الغليل ، وبدون
الإعتذار يظل الحدث عالقاً فى القلب محتقناً فى الصدر ويود المعتدى عليه أن يسترد
حقه حتى ولو بعد حين .
فلماذا لا يتعلم غالبية الناس فن الإعتذار ؟ ولماذا لا يتواضعون ويعترفون
بأخطائهم ويقدمون الإعتذار المناسب قبل فوات الأوان ؟ إن الإعتذار هو مفتاح
التسامح وباب كبير من أبواب الحب والسلام الذى يسعى كل الطيبين لإحلالهما فى هذا
العالم الذى حطمته الحروب وأحرقته المعارك ودمرته الأحقاد ، نحلم جميعاً بعالم مثالى
يملؤه الحب والسلام والعدل وترفرف عليه أعلام الحرية والكرامة الإنسانية .
(أ)مما لا شك
فيه أن الله تعالى ليس لديه وساطات ولا محسوبيات ، وأنه سوف يحاسب كل إنسان على
أعماله التى قدمها فى حياته الدنيا إن خيراً فخير وإن شراً فشر ، ولقد كان لكل نبى
أو رسول أهل وأقارب وأصدقاء وجيران ، وكان لكل منهم معاملاته الخاصة من تجارة إلى
زراعة إلى صناعة إلى غير ذلك من المعاملات الحرفية واليومية ، وكان لكل رسول أحباب
ومؤيدون مؤمنون برسالته كما كان لكل رسول أعداء حاقدون عليه مناؤئون لرسالته ومحاربون
له بل ومعتدون عليه وعليى أتباعه .
الغريب أن تجد من هؤلاء الأعداء من هم أقرب الناس لهذا
الرسول أو ذاك ، فأحياناً تجد أبناء الرسول يعادى بعضهم بعضاً كما حدث مع غبنى
آدم، وأحياناً تجد عدو النبى هو أحد
ابنائه ( كما حدث مع نوح عليه السلام ) ، وتجد عدوه هو زوجته وأم عياله ( كما حدث مع
نوح ولوط عليهما السلام ) ، وتجد عدوه هو أبوه ( كما حدث مع إبراهيم عليه السلام )
، وتجد عدوه هو عمه ( كما حدث مع خاتم النبيين عليهم السلام ) .
وسوف نتوقف اليوم للتدبر والتفكير فى قصة إبنى آدم عليه
السلام :
إنهما إبنا آدم عليه السلام
والمفترض أنهما مثال يحتذى فى الخلق الكريم والسلوك القويم ، فهما إبنا آدم أبى
البشرية كلها والمفروض أنهما عرفا قصة أبيهما وقصة عصيانهما فى الجنة لأمر ربهما
وقصة طردهما من الجنة ونعيمها إلى الحياة الدنيا وشقائها ، ومع ذلك نجد أن أحد
إبنى آدم يحقد على أخيه لأنهما تقربا بقربان إلى الله تعالى فتقبله الله من أحدهما
( بسبب تقواه وصلاحه) ولم يتقبله من الآخر ( بسبب قلة تقواه وقلة صلاحه) ، وبدلاً
من أن يبحث الأخ المخطىء عن خطئه لكى يصلحه فإذا به يزداد حقداً على أخيه الصالح
ثم يتمادى فى غيه ويتوعده بالقتل ، ثم ينتصر الشيطان الرجيم ويفلح فى إفساده
ويجعله يقتل أخاه يقول تعالى :
ونلاحظ هنا التناقض الرهيب
والمفزع بين أخلاق الشقيقين مما يوحى وينذر وقتها بمستقبل مخيف لهذا المخلوق
المسمى ( إنسان) وبأن وجهة نظر الملائكة فيه كانت صحيحة حين قالوا لله تعالى ( أتجعل فيها من
يفسد فيها ويسفك الدماء) ، ولكن الله سبحانه له حكمة فى خلقه وفى ملكه لا يصل
الملائكة للإحاطة بها علماً .
ما هذا التناقض العجيب ؟ أخ يهدد أخاه بالقتل (
لأقتلنك) فيرد أخوه ( إنما يتقبل الله من المتقين ، لئن بسطت يدك إلى لتقتلنى ما
أنا بباسط يدى إليك لأقتلك ) ، هل فى هذا الرد أى إستفزاز ؟ هل عندما قال له (
إنما يتقبل الله من المتقين ) يكون قد استفزه وتفاخر عليه بأنه تقى وصالح لذلك قبل
الله تعالى قربانه ؟ وهل يكون ذلك التفاخر سبباً للقتل ؟ وهل هو تفاخر بالتقوى فعلاً أم دعوة من الأخ
التقى لأخيه الغير تقى لكى يحذو حذوه ؟؟ .
وهل قول الأخ الصالح لأخيه (
إنى اريد أن تبوأ بإثمى وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين ) .. أليس
فى هذا الرد إستفزاز ؟ أخوه يقول له : أنا أريدك أن تقتلنى فتكسب إثماً بقتلى
وتحمل إثمى معك فتلقى فى جهنم لأنك من الظالمين ؟؟؟هل هذا الرد اثار الأخ واستفزه فصمم وعزم على
قتل أخيه ونفذ الجريمة ؟؟ ..هل لو رد عليه بشكل آخر يستدر عطفه وحنانه والإخوة
التى تربط بينهما ألم يكن ذلك أفضل ؟؟هل
هناك ردود تزيد الحاقد حقداً ؟ ...وهل هناك ردود تحرق الحقد وتستدر العطف وتحول
العداوة إلى حب وإخلاص ومودة ؟ ألم يقل الله تعالى ( إدفع بالتى هى أحسن السيئة )
وقال تعالى ( إدفع بالتى هى أحسن فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم) ؟؟ هل ابناء آدم لم يكن لديهم كتاب سماوى يستقون
منه هذه الأخلاقيات القرآنية العظيمة ؟؟ وكيف لا يكون لديهم كتاب أو موعظة سماوية
وهم ابناء أول نبى ورسول للبشر وهو آدم أبو البشر عليه السلام ؟؟؟أسئلة مطروحة للتفكر والتدبر ..
الأمر العجاب هو ذلك التصميم
الأكيد من القاتل على قتل أخيه ، ويبدو أنه فكر جيداً مع نفسه وراجع الأمر عدة
مرات ولما اقتنع تماماً نفذ جريمته ( فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من
الخاسرين ) ...
ولأنها كانت أول جريمة قتل فى
تاريخ البشرية ، بل وعلى ما يبدو أول حالة وفاة مما يدل على وجود آدم وحواء عليهما
السلام أثناء هذه الجريمة أقصد وجودهما أحياءاً ولا أقصد وجودهما فى مسرح الحادث ،
وأدلل على ذلك بعدم معرفة الأخ القاتل لفن دفن الميت ، لدرجة أنه قتل أخاه ولم
يعرف ماذا يفعل بهذه الجثة أو السوءة كما سماها ...ويظهر هنا سؤال آخر .. كيف لم
يعرف إبن آدم فن دفن الميت وقد علم الله تعالى آدم الأسماء كلها ؟؟ أليس من
المفترض أن يقوم آدم وحواء بتعليم إبنائهما وبناتهما كل شىء تعلماه من الله تعالى
؟؟هل الله تعالى علم آدم الأسماء كلها ولم يعلمه الأفعال وكيفية القيام بها وتركه
للتجربة والإستدلال والإستنباط ؟؟؟
أسئلة مهمة تحتاج لإعمال العقل فيها والتدبر
بهدوء وتؤدة .
وجاءه الحل من السماء عندما بعث الله تعالى غراباً
يحفر بمخالبه فى الأرض بحثاً عن فريسة من
الحشرات أو الديدان لدرجة أنه صنع حفرة بمخالبه ورآها الإبن القاتل فقال يا ويلتا
أليس لدى عقل أفكر به مثل هذا الغراب ؟ لقد تعلم من الغراب كيف يحفر حفرة ويضع
فيها جثة أخيه القتيل ( قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوارى سوءة
أخى فأصبح من النادمين ) ....
ولماذا سمى جثة القتيل سوءة ؟؟
وهل السوءة هى فعلاً جثة الميت ؟ أم جسم الإنسان سواءاً كان حياً أم ميتاً ؟؟ لقد
قال الله تعالى عن آدم وحواء عليهما السلام عندما أغواهما الشيطان الرجيم فى الجنة
وأكلا من الشجرة التى نهاهما ربهما عن الأكل منها فقال تعالى :
1-هل معناها الجسم بعد الموت
كما ورد فى قصة إبنى أدم ( فأوارى سوءة أخى ) لوكانت كذلك لما أطلقت على سوءة آدم
وحواء وهما أحياء فى الجنة
2-هل معناها أن آدم وحواء
أكلا من شجرة فانية فكان لها رواسب خرجت على شكل إستخراج بشرى على هيئة بول وبراز
وعرق فكان هذا هو السوءة ، وندلل على ذلك بأنهما طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة
لكى يخفيا هذه الأشياء القبيحة السيئة .
3-لو
كان المعنى هو الجسم الحى حيث كان آدم وحواء لا يستطيعان ا مشاهدة أجسامهما كما
يقول البعض وأنهما لما ذاقا شجرة العصيان ظهرت لهما أجسامهما فراحا يغطيان جسميهما
من ورق الجنة ؟؟ وهذا الرأى غير صحيح وذلك لأن الله تعالى حين خلق آدم وحواء
وأسكنهما فى الجنة قال لهما :
وهذا الوعد الإلهى معناه أنهما
( آدم وحواء ) سيأكلا ويشربا ويلبسا ملابس الجنة أى أن كلمة ( لا تعرى ) وعد من
الله تعالى أن جسميهما لن يتعريا طوال كونهما فى الجنة بمعنى أن الله سيضمن لهما الملبس كما ضمن لهما المأكل والمشرب وكذلك سيضمن لهما عدم الإحساس بالبرد أو الحرى ( ولا تضحى )
....ومعنى ذلك أن آدم وحواء
كانا لهما جسمان ويرى كل منهما الآخر ، ولم يكونا ملكين بدليل أن الشيطان الرجيم
فى أثناء إغوائه لهما كان يقول لهما :
( ما نهاكما ربكما عن تلكما الشجرة إلا أن تكونا
ملكين أو تكونا من الخالدين )
وهذا دليل قاطع أنهما لم يكونا
ملكين فى الجنة لأنهما لو كانا ملكين لما كان لهما جسد مادى من طين وماء فى
البداية ثم لحم ودم وعروق وعظام فيما بعد .
5-هل
السوءة هى المعصية ولقد حاولا إخفائها بورق الجنة ؟؟
نريد ـن نضع ايدينا على معنى السوءة ، فلدينا
آيات كريمات أكدت أن السوءة هى جثة الميت ( سوءة أخى ) وخاصة بعد أن بدأت تتعفن
ويصبح لها رائحة كريهة أبشع من رائحة مستخرجات الإنسان؟؟ وهل بهذه الصفة صارت
الجثة سوءة ؟؟ ،،،، وهناك آيات كريمة نفهم
منها أن جسدى آدم وحواء خرج منهما شىء بسبب الأكل من الشجرة الفانية ( شجرة من شجر
الدنيا ) وأن هذا الشىء الخبيث هو السوءة ( مستخرجات الإنسان ) وبذلك يستقيم هذا
المعنى مع المعنى السابق فتكون السوءة هى الشىء ذو الرائحة الخبيثة ؟؟
6-هل
هى الأعضاء التناسلية ؟؟ لقد حاول الشيطان الرجيم تنبيه آدم وحواء أن لهما أعضاءاً
تناسلية مخفية لا يستطيعان رؤيتها يقول تعالى :
نفهم منها أن الله تعالى جعل اللباس لمداراة الجسم بما
فيه من أعضاء تناسلية .
ولكن الشيطان الرجيم لن يسكت فها هو يوسوس لآدم وحواء فى
الجنة ويزين لهما لذة هذه الشجرة وروعتها وأنهما لو أكلا منها فقد يصبحا ملكين أو
يصبحا من الخالدين ، ولم يكتف بالتزيين بل قام بنزع تلك الملابس عنهما ليريهما
الأشياء التى أخفيت عنهما وبالطبع وبالعقل هى الأعضاء التناسلية يقول تعالى :
إقرأ : ينزع عنهما لباسهما ( أى ملابسهما ) ليريهما
سوءاتهما أى أجزاء من جسديهما لم ينتبها لها ولم يرياها من قبل ولكن الشيطان كان
يراها لما له من قدرات منحها له الله تعالى ( إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا
ترونهم ) ..
(ب) فى الآية التالية مباشرة
لهذه القصة يقول الله تعالى
سؤال يطرح نفسه : لماذا اختص
الله تعالى بنى إسرائيل وكتب عليهم أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد فى الأرض
فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً ؟؟؟ هل لأن بنى
إسرائيل هو الأكثر فساداً وإفساداً فى الأرض ؟ نحن نعلم أن إسرائيل تعنى نبى الله
يعقوب عليه السلام وهو حفيد خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام ، وبنو إسرائيل هم
ابناء يعقوب وأحفاد إسحاق وإبراهيم عليهم السلام و سبقهم اقوام كثيرون على الأرض
مثل قوم نوح وقوم عاد وقوم صالح وقوم هود ، وأقوام قبلهم وبعدهم لم يذكرها القرآن
الكريم .. فلماذا اختص الله تعالى بنى إسرائيل بهذه الآية ؟؟
ألا يدعونا ذلك للتفكر والتدبر
؟؟
لو تتبعناآيات سورة المائدة لرأينا أن الله تعالى يتحدث
عن صفات بنى إسرائيل وطبائعهم وعصيانهم لنبى الله موسى عليه السلام عندما قالوا له
( إذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ) .. فحرم الله عليهم الأرض المقدسة وحكم
عليهم بالتيه فى الأرض أربعين سنة ، ثم جاءت الأية 27 من سورة المائدة كجملة
إعتراضية يحكى بها الله تعالى قصة مشابهة من قصص التمرد والعصيان وهى قصة إبنى آدم
حيث قتل أحدهما الآخر ، ومن واقع هذه القصة أنزل الله تعالى لنبيه موسى حكماً فى
التوراة ( كتبنا على بنى إسرائيل) أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد فى الأرض
فكأنما قتل الناس جميعاً وهو حكم رهيب يضيع الإنسان الواقع تحت سلطانه ضياعاً
ابدياً لا رجعة فيه ، ومثل هذا الحكم قد تكرر فى القرآن العظيم حين قال تعالى لرسوله
الخاتم عليه السلام ( ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها ولعنه الله
وأعد له عذاباً عظيماً ) ...
ولأن الله تعالى كرم بنى آدم
وحملهم فى البر والبحر ورزقهم من الطيبات وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلاً ، فقد
اعتبر الله تعالى أن الإنسان الذى يقتل إنساناً بريئاً ( بغير نفس أو فساد فى
الأرض) فكأنه قتل الناس جميعاً ، ومن أنقذ النفس الطيبة البريئة من الموت فكأنه
أحيا الناس جميعاً ، فأى تكريم للإنسان أعظم من هذا ؟ وأى ذنب بشع وقع فيه إبن آدم
حين قتل أخاه ؟ ولا يزال أبناء آدم يقتل بعضهم بعضاً ويعذب بعضهم بعضاً بغير ذنب
ولا جريرة ولا يهتمون بموقفهم أمام الله تعالى يوم هم بارزون لا يخفى على الله
منهم شىء ، لمن الملك اليوم ؟؟؟ لله الواحد القهر ....